ملخص
تشهد العمليات العسكرية في إقليم كردفان تقدماً ملحوظاً للجيش على حساب "الدعم السريع"، وبخاصة في ولاية شمال كردفان، حيث واصل الجيش بسط سيطرته الميدانية، وذلك باستيلائه أخيراً على منطقة كجمر ضمن استراتيجية تضييق الخناق على قوات الجماعة في الإقليم، بعد أن استعاد في وقت سابق السيطرة على معظم مناطق الولاية.
شهدت محاور القتال المختلفة في السودان تصعيداً لافتاً ومكثفاً في حرب المسيّرات واستهدافاً واسع النطاق لمنشآت الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب معارك ميدانية محتدمة وتبادل للسيطرة في ولايات عدة.
ولليوم الخامس على التوالي واصلت قوات "الدعم السريع" هجماتها بالمسيّرات مستهدفة منشآت الطاقة، حيث تعرضت مدينة شندي بولاية نهر النيل أمس الجمعة، لقصف جوي بإطلاق ستة صواريخ استهدفت محطتها التحويلية مما أدى لانقطاع الكهرباء عنها، وشمل القصف أيضاً مقر الفرقة الثالثة - مشاة، وكذلك محطة وقود.
وأفاد شهود بسماع أصوات انفجارات متتالية في أرجاء المدينة، وشوهدت ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من محطة الكهرباء، مما تسبب في انقطاع التيار عن المدينة.
وأكدت لجنة أمن محلية شندي خروج المحطة التحويلية للكهرباء عن الخدمة بصورة نهائية، مما أسفر عن أضرار كاملة بالمحولات، وأوضحت اللجنة في بيان أن محطة شندي تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة كانت تحمل أربعة صواريخ، مشيرة إلى أن الاستهداف طال أيضاً مستودع وقود ومنشأة تتبع للدفاع الجوي بالجيش، مما أدى إلى إصابة أحد أفراد الجيش.
ويأتي هذا الهجوم بعد يومين من اتهام الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها منصة لإطلاق طائرات مسيرة تابعة للجماعة تستهدف منشآت مدنية، وقولها إنها تحتفظ بحق الرد.
وتعد شندي من المدن الرئيسة في ولاية نهر النيل، وتشهد منذ أشهر إجراءات أمنية مشددة بعد تكرار استهدافها بطائرات مسيرة.
وتواصل "الدعم السريع" منذ أيام استهدافها البنية التحتية للكهرباء بواسطة الطائرات المسيرة، وشملت الهجمات محطات المرخيات التحويلية، وأم دباكر والشواك التحويلية ومشكور وكادوقلي والدويم والحصاحيصا، مما أدى إلى انقطاع طويل للتيار أثر على المستشفيات ومحطات المياه.
تقدم ميداني
في تطور ميداني جديد، أعلنت "الدعم السريع"، أمس الجمعة، سيطرتها على مناطق مزبد وأروري وكامو الاستراتيجية التي تقع في الأجزاء الغربية من ولاية شمال دارفور، بعد معارك ضارية مع قوات الجيش والقوات المساندة لها. وأشارت الجماعة في بيان إلى أنها ألحقت خسائر في الأرواح والعتاد في صفوف الجيش والقوات المتحالفة معه، وحصلت أيضاً على مركبات قتالية وأسلحة وذخائر.
وتعهدت "الدعم السريع" مواصلة عملياتها في مناطق أخرى لإكمال سيطرتها على آخر معاقل الجيش في الإقليم، داعية أفرادها إلى الالتزام بالتوجيهات المتعلقة بحماية المدنيين والحفاظ على الأمن والخدمات الأساسية.
وتسيطر الجماعة على أجزاء واسعة من ولاية شمال دارفور، بما فيها عاصمتها الفاشر التي سيطرت عليها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد حصار طويل فرضته على المدينة. وعقب سيطرة الأخيرة على مدينة الفاشر، وثّقت تقارير حقوقية ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، قالت إنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وسط إدانات من دول ومنظمات محلية ودولية. وتتزامن هذه العمليات مع تحركات مستمرة للجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة المتحالفة معه لتعزيز وجودهما وتأمين المحاور الحدودية والغربية في الإقليم مثل محور الطينة.
تضييق الخناق
في الموازاة، تشهد العمليات العسكرية في إقليم كردفان تقدماً ملحوظاً للجيش على حساب "الدعم السريع"، وبخاصة في ولاية شمال كردفان، حيث واصل الجيش بسط سيطرته الميدانية، وذلك باستيلائه أخيراً على منطقة كجمر ضمن استراتيجية تضييق الخناق على قوات الجماعة في الإقليم، بعد أن استعاد في وقت سابق السيطرة على معظم مناطق الولاية بما في ذلك بارا، وجبرة الشيخ، وأم سيالة، وسودري، والمزروب، وشرشار، والبنية الكرينية، والقليعات، وأولاد حزمة، ومقولدات، وريشان، والقاعة، وغابة اللقد، والكوكيتي، ومنطقة الممسوكة (غرب مدينة الأبيض)، إلى جانب ظهور قواته في أم سرة، فضلاً عن طريق الصادرات الممتد من أم درمان - الأبيض عاصمة الولاية، ويصل طوله الإجمالي إلى نحو 350 كيلومتراً.
من ناحيته، يركز الجيش عملياته في محور غرب كردفان حيث نفذت الطائرات المسيرة والمقاتلات غارات عنيفة استهدفت تحصينات وأرتال "الدعم السريع" في مناطق المجلد والدبب والخوي وغبيش والنهود، مما أسفر عن تدمير عشرات المركبات القتالية. ويسعى الجيش من خلال التصعيد في هذا المحور (غرب كردفان) إلى قطع الإمدادات القادمة للجماعة والتمهيد للزحف البري الكامل نحو مدن الولاية ونقل العمليات إلى عمق إقليم دارفور.
في الوقت ذاته، حقق الجيش تقدماً ميدانياً مهماً في جبهات جنوب كردفان وسط تواصل العمليات العسكرية، إذ تمكن أخيراً من استرداد منطقة أم سفيفة بقطاع كادوقلي بعد معارك عنيفة، معلناً تدمير آليات قتالية ودبابات تابعة للجماعة، في وقت يواصل تحركاته المكثفة لتثبيت مواقعه في محيط مدينة الدلنج ومنطقة الفرشاية التي استردها في وقت سابق باستخدام الطيران المسير.
في ظل هذه التطورات العسكرية المتسارعة، حذرت المنظمات المحلية والدولية من تفاقم الأزمة الإنسانية الحادة في الإقليم، جراء استمرار المعارك، وتصاعد وتيرة هجمات الطائرات المسيرة التي تسفر أحياناً عن وقوع ضحايا بين المدنيين، إلى جانب اتساع رقعة النزوح الداخلي وأخطار شح المساعدات الغذائية والإغاثية.
اشتباكات متبادلة
في سياق متصل، تشهد جبهة النيل الأزرق الواقعة جنوب شرقي البلاد تحركات عسكرية وانفتاحاً للجيش مقابل هجمات واشتباكات متبادلة مع قوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال، وسط موجات نزوح محلية في بعض المناطق المتأثرة بالمعارك. وبحسب مصادر عسكرية، فإن الجبهة تتسم بحال من التوترات والمواجهات المتقطعة وحشود القوات، خصوصاً في المحاور الحدودية والمناطق القريبة من قيسان المتاخمة لإثيوبيا. وحقق الجيش أخيراً تقدماً ميدانياً باستعادة السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية في الإقليم مثل منطقتي بكوري وأوكليلي، في إطار سعيه لاستعادة المواقع التي فقدها سابقاً وتأمين محيط الحدود مع إثيوبيا، بينما تعتمد "الدعم السريع" على استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف المواقع الاستراتيجية ومحطات الكهرباء والمرافق الحيوية في عمق الإقليم وعاصمته الدمازين.
وتتخذ العمليات العسكرية في الإقليم طابع الحرب المتحركة ومواجهات السيطرة المتبادلة من دون حسم نهائي لأي من الطرفين حتى اللحظة، بالتزامن مع تداعيات إنسانية واقتصادية متواصلة على المدنيين، وفق مراقبين عسكريين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انشقاق قائد ميداني
إلى ذلك، أعلن قائد المجموعة 15 في "الدعم السريع" اللواء صديق محمد عبدالرحمن أندر انشقاقه عن تلك القوات، وانضمامه إلى الجيش، وأفاد أندر في تسجيل مصور بأنه قرر فك ارتباطه بالكامل بقوات الجماعة، والوقوف إلى جانب الجيش والعمل تحت قيادته، ودعا زملاءه السابقين إلى اتخاذ خطوة مماثلة والعودة إلى المؤسسات الشرعية في البلاد، وبيّن أنه انضم إلى القتال منذ اندلاع الحرب في الـ15 من أبريل (نيسان) عام 2023، معتقداً أنه يقاتل من أجل سودان واحد تنتهي فيه مظاهر التهميش ويسود فيه حكم القانون. واتهم القائد المنشق قيادة "الدعم السريع" بإدارة القوات وفق مشروع أسروي، مشيراً إلى أن أقارب قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي" يتحكمون في المال والسلاح وتحركات المقاتلين ومنح الرتب، واتهم أندر دولاً خارجية بدعم "الدعم السريع" بالمال والسلاح والطائرات المسيرة والمقاتلين الأجانب.
وتزايدت في الفترة الأخيرة عمليات الانشقاق في صفوف الجماعة مع امتداد رقعة القتال والتحولات الميدانية التي شهدتها الحرب، حيث انضم قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل إلى الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، وأعلن النور القبة وعلي رزق الله "السافنا" انضمامهما للجيش خلال الأشهر الماضية.
حل الإدارات المدنية
من جانبه، أعلن قائد قوات "الدعم السريع" ورئيس المجلس الرئاسي لتحالف السودان التأسيسي، محمد حمدان دقلو، أمس الجمعة، حل الإدارات المدنية والمجالس التأسيسية في ولايات جنوب ووسط وشرق وغرب دارفور، وغرب كردفان، إلى جانب حل الإدارات المدنية الفرعية والوحدات والهياكل التابعة لها أو المنشأة بموجبها. وأوضح، في بيان، أن القرار يأتي في إطار تنظيم مؤسسات الدولة وإعادة هيكلتها وضمان انتظام العمل التنفيذي والإداري إلى حين استكمال الأطر التشريعية المنظمة للحكم اللامركزي والمحلي.
وشمل القرار إعفاء رؤساء الإدارات المدنية والمجالس التأسيسية ومستشاريها والمسؤولين التنفيذيين وسائر شاغلي المناصب المعينين فيها أو في الهياكل التابعة لها. ووجه القرار المعفيين والجهات التي كانت تتبع لها الإدارات والهياكل المحلولة بتسليم ما في عهدتهم إلى الجهات المختصة، بما في ذلك السجلات والملفات والأختام والأموال والمنقولات والأصول والممتلكات والبيانات ذات الصلة.
وتتولى الجهات المختصة، وفق القرار، حصر هذه الممتلكات واستلامها وحفظها وتسويتها وفقاً للقوانين واللوائح السارية.
وأسند القرار تسيير الأعمال موقتاً إلى الجهات المختصة القائمة، وفقاً للتشريعات النافذة والتوجيهات الصادرة عن المجلس الرئاسي، إلى حين استكمال التشريعات المنظمة للحكم اللامركزي والحكم المحلي وأجهزة الدولة، وتحديد العلاقة بين مستويات الحكم وهياكله وسلطاته.
وكان تحالف السودان التأسيسي قد أنشأ إدارات مدنية في مناطق سيطرته خلال عام 2024، لتسيير الشؤون المدنية بوصفها هياكل حكومية.
بوتين يلتقي البرهان
وفي التحركات، أكد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان استعداد حكومته منح روسيا مواقع للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى، في وقت أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رغبة بلاده بالتعاون مع الخرطوم في المجالات الحديثة.
وبحسب وكالة "تاس" الروسية، فإن البرهان اقترح، لدى لقائه بوتين، أمس الجمعة، في موسكو على هامش القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، على روسيا إنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، تستفيد منها الأخيرة لإقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، فضلاً عن دعوته موسكو إلى المشاركة في تطوير البنية التحتية لشبكة السكك الحديدية في السودان التي تشهد توسيع شبكة القطارات في البلاد.
من جانبه، قال بوتين إن موسكو مستعدة للتعاون مع السودان في كثير من المجالات الحديثة، بما في ذلك التنمية الرقمية والرعاية الصحية والتعليم، والخدمات اللوجيستية والصناعة، لافتاً إلى أن العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا والسودان تشهد تطوراً مستمراً، على رغم التعقيدات السياسية التي تواجهها الدول الأفريقية. وأضاف بوتين "نحن نراقب الوضع في السودان عن كثب، حيث يستمر النزاع المسلح منذ أكثر من ثلاثة أعوام"، مؤكداً أن بلاده شاركت في تقديم مساعدات إنسانية عبر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، ودعا إلى إنهاء الأعمال العدائية والتوصل إلى تسوية سياسية.
وتُعقد القمة الروسية - الأفريقية الثالثة في موسكو بمشاركة وفود من أكثر من 50 دولة أفريقية، في إطار سعي موسكو إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في القارة.