Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجربتا روي والياس في الحجر الصحي... هذا ما يؤلم

بين نظرات الناس وكلامهم الجارح وحملات التشهير

تُظهر تجارب البعض أن ثمة ما هو أشد إيلاماً من المرض (أ.ف.ب)

تتوجه الأنظار إلى المصابين بفيروس كورونا. فمن منا لا يسأل عما يمكن الشعور به في حال الإصابة؟ لكن، في الواقع، تُظهر تجارب البعض أن ثمة ما هو أشد إيلاماً من المرض، وما قد يتخطى أعراضه صعوبة.

بين نظرات الناس وكلامهم الجارح وحملات التشهير التي يشنونها ضد المريض أو حتى أفراد عائلته وأقاربه، يغرق المصاب في حالة نفسية يصعب أن يتخطاها إلا من يختار المواجهة. فلا الخجل يحمي ولا الاختباء، بل الحل في التصدي بشجاعة. روي والياس يرويان تجربتيهما في الحجر الصحي.

روي راميا: أتمنى العمل في قسم رعاية مرضى كورونا

لم يكن روي مسافراً حين التقط الفيروس، إنما كان يقوم بواجبه الإنساني وبعمله في المستشفى كممرض في مستشفى سيدة المعونات الجامعي في جبيل. فنظراً إلى ظروف عمله التي تتطلب منه رعاية المرضى أياً كانت مشكلاتهم الصحية، ولأنه لم يكن معروفاً بعد أن أحد المرضى مصاباً بالفيروس نقل العدوى إلى شخص آخر كان في الغرفة نفسها، وكان روي يقدم الرعاية له. "بعدما انتقلت العدوى من المريض الذي كان عائداً من السفر ولم يكن يعرف بإصابته، إلى الفريق الطبي، وعلى الرغم من عدم وجود أعراض لدينا، أجري لنا الفحص الخاص بكورونا PCR وأتت نتيجته إيجابية وتم عزلنا، في المبنى الخاص بمرضى كورونا المنفصل تماماً عن المبنى الرئيسي للمستشفى".

 

لا ينكر روي أن فترة الحجر الصحي لمدة أسبوعين لم تكن سهلة، فطوال هذه الفترة بقي وحيداً في غرفته لا يطل إلا الطبيب لمراقبة الحالة والتأكد من عدم تطور الأعراض. فيما كان الأكل يوضع عند الباب بأوانٍ بلاستيكية، ويضع كل أغراضه في أكياس. أما الإنترنت فكان الملجأ الوحيد، إضافةً إلى بعض الألعاب المسلية المطبوعة على أوراق لتمضية الوقت والتي زودهم بها المستشفى.

لكن روي يشير إلى أن المستشفى حاول تسهيل المرحلة على المرضى قدر الإمكان بتأمين حاجاتهم وتحقيق رغبات الفريق، ليشعروا كأنهم في منازلهم. "أكثر ما كان يساعدنا على تمضية الوقت تلك الاتصالات عبر Video Call مع الأهل والأصدقاء والزملاء الموجودين في الغرف الأخرى. فالمعاملة كانت ممتازة، وكنا نحصل على ما نرغب فيه من طعام. وكانت اختصاصية التغذية ترسل لنا يومياً مزيجاً من العصائر المقوية للمناعة، إضافة إلى تركيزها على عصير الليمون".

وكما في معظم الحالات، وفق الأطباء، لم يعان روي أعراضاً مهمة ناتجة من إصابته بالفيروس. فلم تظهر لديه إلا أعراض طفيفة لمدة 5 أيام، أهمها وجع حاد في الجسم لم يشعر يوماً بما يشبهه. "سبق أن أُصبت بأنفلونزا، لكن لم أشعر مرةً بألم يصل إلى هذا الحد، ولم أحتج إلا إلى تناول البنادول بشكل متكرر، خصوصاً أن حرارتي لم ترتفع ولم أعان من سعال أو ضيق في التنفس، مثلما يشعر بعض المصابين. بالتالي، سرعان ما تعافيت بعد بضعة أيام، إلى أن أجري لي فحص كورونا مجدداً بعد أسبوعين وكانت النتيجة سلبية".

حان وقت خروج روي من المستشفى بعد صدور نتيجة الفحص، لكن وفق توصيات وزارة الصحة، كان عليه المكوث لمدة أسبوع إضافي في العزل في منزله. وهذا ما حرص عليه. فالتزم العزل لحماية عائلته والمحيطين، لتجنب نقل العدوى إليهم. إلا أن التجربة التي بدأ يمر بها بعد خروجه من المستشفى بدت بحسب قوله أكثر صعوبة من المرض نفسه نتيجة تنمر الناس واتصالاتهم المتخوفة منه ومن فكرة نقله العدوى إليهم، وكذلك بالنسبة إلى رفاقه الذين تعرضوا لذلك أيضاً. "يتعامل معنا الناس كأن مرضنا عيب، وهذا مؤلم أكثر من المرض نفسه. شخصياً، أفتخر بأنني التقطت الفيروس فيما كنت أؤدي واجبي الإنساني. وهذا ما أود أن أؤكده لكل من يتصل بي أو من يبدي تخوفاً مني لأني كنت مصاباً. وأحمد الله لأن الأمور مرت على خير. بالنسبة إلي، اكتشفت أن الحالة النفسية والمعنويات تلعب دوراً مهماً في هذا المرض. فالإيجابية تساعد على التغلب عليه بسهولة. اليوم، أتمنى العمل في القسم الخاص بمرضى كورونا بعد عودتي إلى العمل، بعدما اكتسب مناعة ضده، فأتابع بذلك رسالتي الإنسانية".

الياس الأسمر: الحل في مواجهة حملات التشهير بدلاً من الاختباء

تتطلب ظروف عمل الياس الأسمر السفر المتواصل بين الجزائر وفرنسا وبيروت. وعلى الرغم من السفر بمعدل أقل واتخاذ الإجراءات اللازمة وتجنب السفر إلى البلدان الموبوءة، شاء القدر أن يصاب بالفيروس. في الأيام الأولى، لم تظهر الأعراض واضحة. لكن شيئاً في داخله كان يدعوه إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة. "عندما أعلن عن إقفال مطار بيروت قررت العودة إلى بلدي فأمضي فترة العزل اللازمة ثم أعود إلى عائلتي واستفيد من هذه الفرصة التي تسمح لنا بتمضية الوقت معاً، والتي لا تتاح لي عادةً بسبب ظروف عملي. في الليلة التي سبقت سفري، بدأت أشعر بألم في جسمي مع ما يشبه العبقة والسعال في فترات متباعدة. لكن، في تلك الفترة، لم التق بأحد باستثناء السائق الذي كنت أتنقل معه. أما في المطار فكنت شديد الحرص، خصوصاً أنني أعلم أن معدل الخطر يزيد في المطارات والسفر. أما مع وصولي إلى مطار بيروت فاستقبلنا أطباء من وزارة الصحة اللبنانية، وفوجئت بمهنية عالية في التعامل مع الموضوع. فالإجراءات المتخذة في لبنان أكثر مهنية وجدية من تلك في فرنسا أو في دول أخرى. ولأن الشك كان يساورني، طرحت الأسئلة المتعلقة بأعراض الفيروس، وتبين لي أنني لا أعاني تلك الأساسية، وبعد قياس حرارتي وملء الاستمارة توجهت إلى بلدتي لأعزل نفسي فيها. بالنسبة إلي، كان هذا الحل الأنسب لأبقى على مقربة من أهلي وعائلتي فأعود إليهم بعد انتهاء فترة العزل".

 

خلال ذلك، كان الياس شديد الحرص على التقيد بالإجراءات الوقائية، معتبراً نفسه مصاباً حتى يثبت العكس. وعلى الرغم من عدم ظهور أعراض واضحة في البداية، كان الوجع يتكرر في كل ليلة، فيما بقيت الحرارة عادية. ولدى تواصله مع الطبيب نصحه بتناول مضاد حيوي وبنادول، لكن ذلك لم يفده إلا مؤقتاً. ومع عودة الألم مع ارتعاشات بدأ يستبعد احتمال الأنفلونزا. وعلى الرغم من تخوفه من فكرة إجراء الفحص، لم يعد الياس قادراً على الانتظار، فتوجه إلى مستشفى الجامعة الأميركية متخذاً الاحتياطات لتجنب نقل العدوى إلى آخرين في حال ثبتت إصابته. وبعدما أجرى الفحص الذي يعتبر مزعجاً إلى حد ما، على حد قوله، تم التعامل معه بكثير من المهنية في المستشفى، وعاد إلى منزله ليعزل نفسه مجدداً، إلى أن تم الاتصال به من المستشفى في المساء لتأكيد شكوكه. وعلى الرغم من أن الاحتمال كان وارداً، ثمة ما في داخله كان يرفض الفكرة، فشكل الخبر صدمة له لأنه كان يشعر بأنه محمي من المرض. "مخاوفي تغلبت عندها على التفكير المنطقي، ورحت أسأل ماذا يجب أن أفعل، لكن توصيات المستشفى كانت التواصل مع وزارة الصحة، وأن أعزل نفسي في المنزل لعدم ظهور أعراض خطيرة لدي. صودف أنه تم الاتصال بي من شخص تابع لوزارة الصحة في المطار للاطمئنان والتأكد من عدم ظهور أعراض لدي، فأخبرت المتصل بأن نتيجة الفحص كانت إيجابية. وكان لاتصال شخص من الوزارة أثر إيجابي علي. كل ما حصل معي كان يؤكد لي أنني قمت بالخطوة المناسبة بعودتي إلى منزلي، فما كان ممكناً أن أجد دعماً مماثلاً في أي مكان في العالم. كان أخي يحضر لي الطعام، فيضعه أمام الباب، وأحياناً زوجتي، وعندما رأيتها مع أطفالي كانت أصعب لحظة في حياتي لعدم قدرتي على الاقتراب منهم. لكن والدتهم فسّرت لهم حقيقة ما يحصل. طوال الوقت، كان ضميري مرتاحاً لأني لم أعرّض أحداً لخطر العدوى، كوني لم أحتك بأحد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أكثر ما أقلق الياس، كان احتمال نقله إلى المستشفى، إلا أنه لم يضطر إلى ذلك، بل مكث في بلدته وعزل نفسه وفق التعليمات. أما الأعراض فلم تتطور كثيراً بل بقيت محدودة، ولم تسبب له إزعاجاً كبيراً. لكن ما أزعجه أكثر من المرض نفسه كانت حملة التنمر غير المسبوقة التي تعرض لها وعائلته الصغيرة والكبيرة، حيث تم تناقل الإشاعات بشكل المقاطع الصوتية التي تشير إليه وإلى أنه مصاب ويرفض الامتثال للتعليمات والتوجه إلى المستشفى. "بدا لي عندها أن وسائل التواصل الاجتماعي أشبه بوحش يهاجمنا وقد يشوه سمعة أي منا من دون أن نتمكن من التصدي له. وعلى الرغم من دعم البلدية في بلدتي أولاً، ساءت الأمور وبدأت حملة تشهير مصوّبة نحوي ونحو عائلتي. مررت بمرحلة يصعب تحملها. والأذى أتى من أشخاص مقرّبين، وهذا أكثر ما آلمني. لكن، اتخذت قراراً بمواجهة من يتعرض لي أو لعائلتي. تابعت الموضوع واستطعت أن أكتشف كل من بدأ بإرسال المقاطع الصوتية، فكنت لهؤلاء الأشخاص بالمرصاد، وواجهتهم وتتابع المسألة محاميتي. واتخذت قراراً بأن أطل عبر التلفزيون وأتحدث عما حصل معي لتكون رسالة إلى كل مصاب كي لا يخاف ويواجه كل من يتعرض له بشجاعة، بدلاً من الاختباء. فتلك الحملات التي نتعرض لها من البعض في المجتمع أسوأ ما يمكن أن يحصل لنا في فترة المرض، ويتخطى خطورة المرض الذي لم أعد أشعر به. تبقى المواجهة هي الحل الوحيد لتحدي حملات التشهير، وأن يقف الكل معاً بإنسانية في مواجهة المحنة. ويمكن الاستفادة من هذه المرحلة ليمضي أفراد العائلة وقتاً مع بعض في حال عدم وجود دواعٍ للعزل لأن كل عائلة تحتاج إلى ذلك. ورسالتي إلى كل من يشك في احتمال إصابته، التبليغ من دون خوف".