Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد عاصفة كورونا... العالم إلى الأفضل أم إلى الأسوأ؟

عولمة صينية ورأسمالية جديدة وعالم أقل انفتاحاً وأكثر فقراً ومزيد من الدول الفاشلة

ملصق على مدخل أحد الأبنية في ألمانيا يدعو إلى عدم الدخول بسبب فيروس كورونا (رويترز)

لا شك أن وباء فيروس كورونا حدث عالمي مدمر من الصعب تخيل عواقبه البعيدة اليوم. لكن، مثلما غيّر سقوط جدار برلين وانهيار شركة ليمان براذرز العالم، كذلك سيفعل وباء كورونا الذي يخطف أرواح الآلاف ويهدّد حياة مليارات البشر ويربك الأسواق ويشكّك الناس في الغرب حيال كفاءة حكوماته في التعاطي مع الأزمات. ففيروس كورونا سيؤدي إلى تغييرات دائمة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، بعد اهتزاز الأرض تحت أقدام الجميع. فما الذي يقوله كبار المفكرين العالميين في هذا الشأن، وما توقعاتهم لشكل وطبيعة النظام العالمي بعد انتهاء الوباء؟

تتباين آراء المفكرين حول العالم إزاء تدعيات كورونا على الدول والتكتلات المختلفة. وتسأل مجلة "فورين بوليسي" الأميركية عدداً من أبرز المفكرين وأساتذة الجامعات والمسؤولين عن توقعاتهم المستقبلية بعد كارثة كورونا. في هذه السطور، أبرز ما قاله هؤلاء:

عالم أقل انفتاحاً وحرية وازدهاراً

يتوقع ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "هارفارد" الأميركية، أن يقوّي هذا الوباء نفوذ الدولة ويعزّز الاتجاهات القومية وأن تتبنّى حكومات العالم إجراءات استثنائية لإدارة الأزمة، ما يمنحها سلطات واسعة جديدة، تجعلها تكره التخلي عنها بعد انتهاء الوباء.

ويقول إنّ فيروس كورونا سيُسرّع تحوّل السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق، بخاصة بعدما استجابت سنغافورة وكوريا الجنوبية بشكل أفضل في تعاطيها مع انتشار الفيروس، كما تفاعلت الصين بشكل جيد على الرغم من أخطائها المبكرة، بينما كانت استجابة أوروبا والولايات المتحدة بطيئة وعشوائية، ما أضر بسمعة الغرب باعتباره أكثر تقدماً.

الأمر الذي لن يتغير، هو الطبيعة المتصارعة في السياسة العالمية، إذ إنّ الأوبئة السابقة التي حلّت بالعالم مثل الإنفلونزا الإسبانية عامي 1918 و1919، لم تُنهِ النزاع بين القوى العالمية المتصارعة، ولم تبشّر بعصر جديد من التعاون العالمي، ولن يؤدي فيروس كورونا إلى نمط مختلف في العلاقات الدولية، إذ من المرجح أن يشهد العالم مزيداً من التراجع في العولمة المفرطة، لأنّ المواطنين سينتظرون حمايتهم من حكوماتهم الوطنية، وستسعى الدول والشركات إلى الحد من إمكانية تعرضها لهجوم مماثل أو انتكاسات مشابهة في المستقبل.

وفي كل الأحوال، سيخلق وباء كورونا عالماً أقلّ انفتاحاً وحرية وازدهاراً. وعلى الرغم من أنّ الأمر لم يكن بهذا السوء، فإنّ الجمع بين فيروس قاتل وتخطيط غير ملائم وإدارات غير كفوءة، وضع البشرية على مسار جديد مثير للقلق.

نهاية العولمة التي نعرفها

يتوقع روبين نيبلت، المدير التنفيذي للمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)، أن يكون فيروس كورونا القشة التي تقصم ظهر العولمة الاقتصادية، فقد أثارت القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين، عزماً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة على منع بكين من الحصول على التكنولوجيا الفائقة التطور الأميركية المصدر وحقوق الملكية الفكرية، بل ومحاولة إجبار الدول الحليفة على أن تحذو حذوها. واستدعت الضغوط السياسية والشعبية المتزايدة من أجل خفض الانبعاثات الكربونية، تساؤلات حول تأثير اعتماد الغرب على سلاسل التوريد البعيدة الموجودة في الصين وشرق آسيا، خصوصاً بعدما أرغم فيروس كورونا الحكومات والشركات والمجتمعات على تعزيز قدرتها في مواجهة فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية.

لهذا، من المحتمل إلى حد كبير أن يعود العالم إلى فكرة العولمة المفيدة للطرفين التي تأسست في أوائل القرن الحالي، لأنه من دون وجود حافز لحماية المكاسب المشتركة من سلبيات الاندماج الاقتصادي العالمي، ستتدهور بسرعة بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية التي تأسست في القرن العشرين. وحينئذ، سيتطلب الأمر من القادة السياسيين جهداً هائلاً للحفاظ على التعاون الدولي وعدم الانزلاق من جديد إلى المنافسات الجيوسياسية.

عولمة جديدة محورها الصين

على عكس ذلك، يشير المفكر كيشور محبوباني، وهو زميل في معهد البحوث الآسيوية في جامعة سنغافورة، إلى أن جائحة كورونا لن تغير الاتجاهات الاقتصادية العالمية، وإنما ستُسرّع التغيير الذي بدأ بالفعل، وهو الانتقال من العولمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة إلى عولمة تتمحور حول الصين. فقد فَقَدَ الشعب الأميركي ثقته بالعولمة والتجارة الدولية التي بات يعتبرها سلبية، سواء كان ذلك بوجود الرئيس دونالد ترمب أو لا.

في المقابل، فإنّ الصين لم تفقد إيمانها بالعولمة لأسباب عدّة، منها تاريخية عميقة التأثير، إذ يدرك القادة الصينيون أن ما عُرفَ بقرن الإذلال الذي عاشته البلاد بين عامي 1842 و1949 كان نتيجة جهود قادتها، عزل الصين عن العالم.

أما الآن، فإن الانتعاش الاقتصادي المستمر منذ التسعينيات، يعود إلى انخراط الصين في الاقتصاد العالمي، كما تمتع الشعب الصيني بثقة واسعة في مجال التعاون الثقافي مع دول العالم حتى أصبحوا مؤمنين بقدرتهم على المنافسة في أي مكان على سطح الكرة الأرضية.

وفي ظل هذا الوضع، يصبح أمام الولايات المتحدة خياران، الأول أنها إذا أرادت أن تحافظ على تفوّقها وريادتها العالمية، عليها الانخراط في مواجهة جيوسياسية صفرية مع الصين على المستويين السياسي والاقتصادي، والثاني أنه إذا كانت تريد تحسين مستوى حياة الأميركيين، فيتعيّن عليها التعاون مع بكين.

ولكن، نظراً إلى البيئة السياسية السامّة في الولايات المتحدة حيال الصين، فقد لا تسود نصيحة التعاون الأكثر حكمة.

تعاون دولي جديد قائم على الحماية

يتوقع جون إيكنبري، أستاذ العلوم السياسية والدولية في جامعة "برينستون" الأميركية، أن توفر الأزمة الناشئة عن وباء كورونا على المدى القصير أسباباً تحاجج بها جميع التيارات السياسية بأنها على صواب في مناقشاتها الاستراتيجية. لكنّ حجم التدمير الاقتصادي والانهيار الاجتماعي الذي تسببه الأزمة، من الصعب أن يُظهر شيئاً آخر غير تصاعد الحركة القومية وزيادة التنافس بين القوى العظمى العالمية.

ويضيف أنه مثلما كانت الحال في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فقد ينشأ تيار معاكس من المناصرين بقوة لسياسة التعاون الدولي المشابهة لتلك التي بدأها الرئيس فرانكلين روزفلت وعدد من رجال الدولة قبل الحرب العالمية وخلالها، إذ كشف انهيار الاقتصاد العالمي في الثلاثينيات، عن مدى ارتباط المجتمعات الحديثة ومدى ضعفها تجاه ما أطلق عليه روزفلت "السياسات المُعدية".

وكانت الولايات المتحدة أقل القوى المهددة من القوى العظمى الأخرى، وما فعله روزفلت وغيره من المؤيدين للتعاون الدولي، هو تأسيس نظام ما بعد الحرب، يهدف إلى إعادة بناء نظام عالمي مفتوح بأشكال جديدة من الحماية والقدرات لإدارة الترابط بين الدول.

لم يكن في مقدور الولايات المتحدة أن تنكفئ داخل حدودها، بينما تستدعي إدارة النظام الدولي المفتوح، تشييد بنية تحتية عالمية للتعاون بين الدول.

لذلك، قد تتحرك الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى الحليفة لها عبر المسار ذاته الذي سلكه روزفلت، ولكن بقدر من الحذر الذي تحرّكه مخاوف التعرض للخطر. قد يكون رد الفعل الأول لوباء كورونا قوميّ التوجه، ولكن على المدى الطويل سيخرج الغرب من شرنقته بحثاً عن تعاون دولي جديد، قائم على الحماية والنفعية البرغماتية.

أرباح أقل... استقرار أكثر

يؤكد شانون أونيل، كبير الباحثين في مجلس العلاقات الدولية في واشنطن، أن أزمة فيروس كورونا ستقوّض المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التصنيع العالمي حالياً، إذ ستعيد الشركات العالمية النظر في سلاسل التوريد متعددة الخطوات والبلدان التي تسيطر على عمليات الإنتاج والتوزيع اليوم، ومن ثم ستعمل على تقليصها.

فقد تعرّضت سلاسل التوريد العالمية لانتقادات اقتصادية بسبب ارتفاع تكاليف العمال الصينيين والحرب التجارية التي أطلقها الرئيس ترمب والتقدم في إنتاج الروبوتات والطباعة الثلاثية الأبعاد والذكاء الصناعي، كما تعرضت لانتقادات سياسية بسبب ما أدت إليه من فقدان للوظائف في البلدان المتقدمة.

والآن، كسر فيروس كورونا سلاسل التوريد، حين أدى غلق المصانع في المناطق المنكوبة بالوباء في الصين، إلى حرمان شركات ومصانع أخرى ومحال البيع بالتجزئة من المنتجات.

لهذا، ستطلب شركات عدّة معرفة المزيد عن مصادر إمداداتها، وستتدخل الحكومات للتأكد من أنّ ما تعتبره صناعات استراتيجية، توجد لها خطط بديلة محلية واحتياطات. لهذا، من المتوقع أن تنخفض الربحية مقابل زيادة الاستقرار في العرض.

عالم أقرب لكنه أكثر فقراً وبخلاً

يقول شيفشنكار مينون، زميل معهد "بروكينغز" ومستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ، إن فيروس كورونا يكشف بوضوح عن ثلاثة أمور، أولها، أنه سيغير السياسات المتّبعة بين الحكومات أو داخل الدول، وسيؤدي النجاح النسبي للحكومة في التغلب على الوباء وآثاره الاقتصادية إلى عودتها للعب دور أكبر من الذي لعبته في الماضي.

ثانياً، إنّ ما يجري الآن ليس نهاية عالم مترابط، فالوباء نفسه يُعدُّ دليلاً على ترابط دول العالم، على الرغم من أن جميع الأنظمة السياسية تشهد تحوّلاً إلى الداخل، ولكننا متّجهون نحو عالم أقرب وأصغر، لكنه أكثر فقراً وبخلاً حين تنكفئ الدول إلى شواغلها الداخلية.

ثالثاً، إنّ هناك علامات من الأمل، إذ عقدت الهند مؤتمراً مع جميع قادة جنوب آسيا عبر تقنية الفيديو كونفرنس للاتفاق على استجابة إقليمية لتهديد كورونا. وهو ما يُعدُّ دليلاً على التعاون الدولي في مواجهة الأخطار العالمية لأغراض مفيدة.

أميركا تحتاج إلى استراتيجية جديدة

يذكّر جوزيف ناي، الأستاذ في جامعة "هارفارد" الأميركية، أنّ الرئيس ترمب أعلن عام 2017، استراتيجية جديدة للأمن القومي الأميركي تركز على منافسة القوى العظمى، لكن فيروس كورونا كشف عن أن هذه الاستراتيجية غير كافية، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها حماية أمنها بالتعامل مع التهديدات بشكل منفرد، حتى لو حافظت على مكانتها كقوة عظمى وحية في العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتمثل المشكلة في أنّ تقنيات العصر الحديث عالمية بطبعها، إذ يمكن أن تصبح مسببات الأمراض وأنظمة الذكاء الصناعي وفيروسات الكمبيوتر، مشكلة الجميع وليست مشكلة طرف واحد فحسب. لهذا، يجب أن تكون خطط الطوارئ المشتركة والمعايير والضوابط المشتركة هي وسيلة إدارة مخاطرنا المشتركة الكثيرة.

وحينما يتعلّق الأمر بالتهديدات العابرة للحدود، لا يكفي التفكير في القوة الأميركية مقابل الدول الأخرى، إذ تبيّن أن مفتاح النجاح يكمن في إدراك أهمية القوة بالتعاون مع الآخرين، وليس أن تكون المصلحة الوطنية أولاً.

والظاهر للعيان، أنّ الولايات المتحدة فشلت في تعديل استراتيجيتها في هذا العالم الجديد.

تاريخ كورونا يكتبه المنتصرون

يقول الجنرال جون ألين، رئيس معهد "بروكينغز" والقائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان وقائد قوات تحالف "الناتو" هناك، إنّه كما كانت الحال دائماً، فإنّ تاريخ كورونا سيكتبه المنتصرون في الأزمة.

وبينما تعاني كل دولة وكل فرد من حالة الإجهاد في المجتمع بسبب الفيروس، فإنّ الدول التي تمكنت من احتواء نتائج الأزمة سواء بسبب نظمها السياسية والاقتصادية أو من منظور الصحة العامة، ستدّعي النجاح والانتصار على الدول التي تعاني من نتائج أكثر تدميراً.

قد تدّعي بعض الدول، أنّ ما حدث يُعدُّ انتصاراً نهائياً للديمقراطية والتعددية والرعاية الصحية الشاملة، بينما ستدّعي الدول الأخرى، الفوائد الواضحة للنظام الشمولي. وفي الحالين، ستنتهي الأزمة بتعديل بناء السلطة في العالم بشكل يصعب تخيله، خصوصاً أنّ كورونا سيستمر في خفض النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين البلدان. وعلى المدى الطويل، قد يقلّل الوباء من القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي.

إنّ خطر تفكّك بعض البلدان يُعدُّ كبيراً وبشكل خاص في الدول النامية وتلك الدول التي تضمّ نسبة كبيرة من العمال. وسيتعرض النظام الدولي لضغوط هائلة، ما سيؤدي إلى عدم الاستقرار واندلاع نزاعات واسعة النطاق داخل البلدان وعبرها.

مرحلة جديدة للرأسمالية العالمية

تشير لوري غاريت، الحائزة جائزة "بوليتزر" في الكتابة الصحافية العلمية وخبيرة الصحة الدولية في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن الصدمة الأساسية للنظام المالي والاقتصادي العالمي، هي الاعتراف بأنّ سلاسل التوريد وشبكات التوزيع الدولية معرّضة لخلل شديد، وسيؤدي ذلك إلى تغييرات جوهرية.

سمحت العولمة للشركات القيام بعمليات التصنيع في جميع أنحاء العالم وتسليم منتجاتها إلى الأسواق في الوقت المناسب، لتتفادى بذلك تكاليف التخزين.

وكان لا بد من الحصول على الإمدادات وتحديد مصدرها وشحنها بشكل منسق عالي المستوى، إلاّ أنّ فيروس كورونا أثبت أن مسببات الأمراض لا تصيب الأفراد فحسب، وإنّما تسمّم نظام سلاسل التوريد بالكامل.

ومع الخسائر المرعبة التي تكبّدتها أسواق المال منذ فبراير (شباط) الماضي، فمن المرجح أن تخرج الشركات بقرارات حاسمة حول عمليات الإنتاج المنتشرة عالمياً.

ومن المتوقع أن تكون نتيجة ذلك، مرحلة جديدة في الرأسمالية العالمية تتحوّل فيها سلاسل التوريد لتصبح أكثر قرباً من المستهلك النهائي للحماية من أي اضطرابات مستقبلية. وقد يقلّل ذلك من الأرباح، لكنّه يجعل النظام بأكمله أكثر مرونة.

مزيد من الدول الفاشلة

يتوقع ريتشارد هاس، رئيس مركز العلاقات الخارجية في واشنطن، تحوّل معظم الحكومات حول العالم إلى الداخل وتحركها نحو الاكتفاء الذاتي. وستتزايد المعارضة للهجرة وتتراجع الرغبة في معالجة المشاكل الإقليمية والعالمية والالتزام بها، نظراً إلى الحاجة  لتكريس الموارد من أجل البناء الداخلي في كل دولة والتعامل مع العواقب المترتبة على الأزمة الاقتصادية.

ويرجّح هاس أن تجد بلدان عدّة صعوبة في التعافي من الأزمة وأن تصبح الدول الفاشلة، الأكثر انتشاراً في العالم. ويتوقع استمرار التدهور في العلاقات الأميركية الصينية وتزايد ضعف التكامل والاندماج للاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الإيجابي، من المتوقع تعزيز الصحة العامة العالمية.