Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قِبلة الرياض" توحد المغرب والجزائر مجددا وتحاصر تركيا

تحرك متسارع لإعادة الدفء بين المشرق والمغرب العربيين يقود "تبون" و"الغزواني" نحو "قصر اليمامة"... ومجلس الشورى السعودي إلى الرباط

حركة مغاربية نحو الرياض لبحث ملفات ثنائية وإقليمية يرجح أن ليبيا وفلسطين أهمها (واس)

وجهت العاصمة السعودية ثقل نشاطها السياسي هذه المرة إلى دائرة المغرب العربي، حيث استقبلت، أمس، رئيسي كل من الجزائر وموريتانيا، وتترقب زيارة ملك المغرب، في خطوة تتعدد التكهنات عن مراميها السياسية والاقتصادية والأخوية، خصوصاً وأنها تأتي في ظرف عربي ودولي شديد الاستقطاب، حول ملفات مثل ليبيا والخلاف الخليجي وخطة السلام الأميركية، والتدخلات الإيرانية والتركية في ديار العرب.

واتجه الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى الرياض في أول زيارة له خارج بلاده بعد انتخابه رئيساً في ديسمبر (كانون الأول) 2019، استجابةً لدعوة السعودية، التي قالت حسب وكالة أنبائها (واس) إن ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان استعرض مع ضيفه تبون "أوجه العلاقات الثنائية بين البلدين، وفرص التعاون المشترك في مختلف المجالات، بالإضافة إلى بحث تطورات المستجدات الإقليمية".

غير أن تبون ليس المغاربيّ الوحيد الذي يممّ نحو قبلة الرياض، إذ تزامنت زيارته مع أخرى مماثلة للرئيس الموريتاني محمد الغزواني، الذي ذكر بيان موريتاني رسمي أنه يقوم بتلبية دعوة الملك سلمان بن عبد العزيز برفقة وفد كبير يضم عدداً من الوزراء، وقّعوا مع نظرائهم السعوديين اتفاقات تعاون واستثمار عدة.

زيارة مرتقبة لملك المغرب

في هذا الصدد، تترقب الأوساط المغاربية زيارة استثنائية لملك المغرب محمد السادس إلى الرياض، بعد حديث عن فترة فتور شابت علاقات الرباط مع الرياض، تصفها الصحافة المغربية بـ"الأزمة الصامتة".

وربما الرغبة في وضع حد لتلك الأزمة أو الفتور هو الذي جعل مستشار الملك المغربي، فؤاد عالي الهمة، أمس الأربعاء، يقصد الرياض هو الآخر للقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو الذي "نقل رسالة شفوية لولي العهد من الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية، ومشاعر المودة والأخوة الصادقة التي يكنّها الملك لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ولولي عهده، كما أكد الرغبة الجادة للملك (المغربي) في تطوير الشراكة المتميزة بين البلدين الشقيقين في كافة المجالات وسبل تعزيزها وتطويرها"، حسب  "واس" التي نقلت الخبر.

وكان رئيس مجلس الشورى السعودي، عبد الله بن محمد آل الشيخ، قام على رأس وفد رفيع من المجلس هذا الأسبوع بزيارة المغرب، عقد خلالها مباحثات مع نظيره رئيس البرلمان المغربي حبيب المالكي، ووزير الخارجية المغربي ناصر بوريطه، إذ تداول الطرفان كل الموضوعات التي تهم العلاقة بين البلدين، وفق بيان صادر عنهما، لفت إلى الجدية في مأسسة تعاونهما في المجالات المختلفة.

وقال مجلس الشورى السعودي إن الجانبين تناولا "أهمية العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين والعمل على توطيدها في جميع المجالات تحقيقاً لتوجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز والملك محمد السادس"، مشيراً إلى موقف الرياض الداعم لشقيقتها المملكة المغربية للحفاظ على التراب الوطني المغربي. بينما أكد  بوريطه أن "العلاقات السعودية المغربية قوية ومتينة وهي علاقة استراتيجية وتمتد لعقود"، معبراً عن تقديره لدور السعودية في وقًوفها مع المغرب في مختلف قضاياه.

وأعرب عن أمنياته أن يعزز البلدان في المرحلة المقبلة من جهودهما، بما يعكس العلاقة التاريخية بينهما ويترجم الإرادة المشتركة للقيادتين في تكثيف العمل المشترك والتعاون المستمر. واستعرض الجانبان خلال الاجتماع - وفق الشورى السعودي- أوجه العلاقات التي تجمع البلدين، وسبل تطويرها وتمتينها.  

علاقات دون المستوى المأمول

وقال عضو الوفد والشورى زهير الحارثي لـ"اندبندنت عربية"، إن الشفافية كانت سيدة الموقف في الحوار الذي جرى "فالعلاقات الحميمة ما بين الأسرتين المالكتين وعمقها والمودة والمشاعر ما بين الشعبين والعلاقات كافة لا تعكس مستوى التعاون الفعلي بين الحكومتين وأقل من المأمول، والنتيجة هي ضرورة التعاون ورفع مستوى الفاعلية على الأصعدة كافة، وهناك اجتماع مقبل في الرياض بين المؤسستين التشريعيتين لوضع النقاط على الحروف وتوقيع اتفاقية تصبّ في تعزيز التعاون البرلماني، وما يخدم مصالح البلدين من سياحة وطاقة متجددة واستثمارات وغيرها".

وتحتفظ السعودية والمغرب برصيد من العلاقات الثنائية والأخوية على مر العقود الماضية، دفعت البلدين إلى توحيد مواقفهما في العديد من الملفات المصيرية بالنسبة إليهما، مثل حرب تحرير الكويت التي شارك فيها المغرب مع السعودية والتحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، كما دعمت الرياض موقف الرباط في المؤسسات الدولية نحو استعادة سيادتها على كامل أرضيها في الصحراء، وقامت بمحاولات جادة للإصلاح بينها وبين جارتها الجزائر بعد حرب الرمال، التي لا تزال الآثار التي خلفتها تفسد الود وتغلق الحدود بين الجارين الشقيقين.

العلاقات المغاربية على الطاولة

ولهذا لا يستبعد الدبلوماسي السعودي السابق، عبد الرحمن الجديع، في حديثه مع "اندبندنت عربية" أن تؤدي تحركات الرياض الجديدة إلى إحداث اختراق في الملفات المتأرجحة في المنطقة، مثل الملف الليبي وإحياء مساعيها لمحاولة التوفيق بين المغرب والجزائر بعد مدّ الأولى يدها، وفتح الثانية صفحة جديدة من تاريخها بعد انتخاب عبد المجيد تبون رئيساً لها بعد انتفاضة شعبية عارمة.

وقال "زيارة  الرئيس الجزائري للسعودية تأتي في سياق تعزيز العلاقات الثنائية التي تربط البلدين الشقيقين، كما أن أبناء الشعب السعودي يكنون اعظم المشاعر للجزائر ويحفظون في ذاكرتهم كل التقدير لبلد المليون شهيد"، مؤكداً على أهمية الزيارة والنتائج التي ستسفر عنها، ويُعلّق عليها أن تعزز المصالح المشتركة السياسية منها والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تربط البلدين، موضحاً أن هذه الزيارة تمثل مناسبة طيبة لبحث وتناول العديد من القضايا على جميع الأصعدة، في ظل الظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.

وكان تبون قدم إلى السعودية في اليوم الذي شهدت بلاده زيارة أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، الجزائر، بما يجعل الاعتقاد يسود بأن الأخير أراد تحميله رسالة من نوع معين إلى الرياض التي لا تزال تقاطع الدوحة مع الإمارات والبحرين ومصر، كما أن انخراط المنطقة المغاربية إلى جانب تركيا وقطر في الملف الليبي يجعل المحللين يرجحون أن يكون ذلك الملف بين القضايا المطروحة على طاولة الزعماء المغاربة القاصدين الرياض.

ولا تنسى الجزائر، كما يقول أحد سياسييها البارزين، محيي الدين عميمور، للسعوديين أن ثاني ملوكها سعود بن عبد العزيز كان من أوائل المطالبين بتدويل القضية الجزائرية إبان مقاومتها الاستعمار الفرنسي بعد منتصف القرن الماضي. لكن علاقات البلدين شهدت فتوراً شديداً إثر التزام الجزائر الحياد لدى غزو صدام الكويت في التسعينيات الماضية نظير العلاقات الخاصة بين العراق والجزائر آنذاك. لكن العلاقات بين البلدين شهدت في السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، وتضامناً في ملفات عدة، مثل استهداف الحوثيين المدن السعودية، ما جعل السعوديين يردون التحية بأحسن منها، حين توجه ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان قبل نحو عام إلى الجزائر، في سياق زيارة مغاربية، شملت أيضاً تونس وموريتانيا.

هل حلّ الأزمة الليبية يبدأ من الوفاق الخليجي؟

ويؤكد المحلل السياسي الجزائري، مدين بوزيد، أن تفسيرات عدة صاحبت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للسعودية، إذ كان هناك "حرج دبلوماسي" غير معلن، وهو في الوقت الذي كان تبون يستعد لزيارة الرياض استقبل أمير قطر، وفي ندوته الصحافية الخميس الماضي يقول الرئيس إن "زيارته للرياض تأخرت لارتباطات طارئة، سبق الزيارة زيارات دبلوماسية من السعودية للجزائر واستثمارية من قطر، العلاقات الخليجية- الجزائرية منذ أحداث سوريا وعاصفة الحزم والأزمة القطرية السعودية تتميّز بالحذر في الموقف والبقاء بمسافة واحدة من دول الخليج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ويغفل المحللون، في نظر بو مدين، أن الشعور "بالمديونية التاريخية" التي تُرهن الموقف الدبلوماسي للجزائر تجاه الدول العربية في دعمهم للثورة التحريرية حاضر دوماً في "جعل هذه الدبلوماسية لا تنكر الجميل، ومن هنا لم تكن في التحالف العسكري الذي تأسس عقب عاصفة الحزم، العلاقة مع السعودية ستتميز برفع المبادلات التجارية والاستثمار في الجزائر وستقوم بذلك اللجنة العليا المشتركة التي يرأسها ولي العهد".

طرابلس تؤجل خلاف المغرب والجزائر

ويرى في تصريحه لـ"اندبندنت عربية" أن بين أكبر القضايا التي ستناقش في السعودية بضيافة تبون، القضية الليبية التي "تأكد بعد فشل كل المساعي أن عودة البيت الخليجي لسابق عهده يؤثر على الاستقرار في ليبيا، ويسهم في حل أزمات المنطقة العربية، ولذلك أرى أن زيارة العاهل المغربي خلال الأيام المقبلة للسعودية قد تسهم في تطويق الأزمة الليبية وربما يؤجل الخلاف الجزائري المغربي، لأن الأولوية الآن منع انهيار ليبيا وتشتت وحدتها، وكلما كان التقارب الخليجي كان التقارب الحفتري- السراجي وتقزيم الدور التركي والروسي في ليبيا، وهنا نكون أمام تقدم دبلوماسي يسبق انعقاد القمة العربية، وقمة الغاز التي تفضل قطر عقدها في الجزائر، والجزائر تدرك أن السعودية كتاريخ وكقوة في المنطقة العربية يمكن أن تكون لاعباً سياسياً في حل الأزمات العربية والأفريقية".

وهنا يتساءل بو زيد "هل سيكون حل المعضلة الليبية بإصلاح بين قطر والسعودية؟ وكيف تستطيع الدبلوماسية الجزائرية الخروج من (حالة الصمت) والتأثير على إعادة ترتيب فوضى البيت العربي التي أثرت عليه أزمات سوريا واليمن وليبيا؟ وكيف تسهم في تكتل جديد يرى قوة الخليج في استثمارها ببلدان المغرب العربي وأفريقيا؟ وبلدان مغاربية ترى ضرورة مواجهة تكتلات جديدة يلعب فيها غير العرب دوراً في إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط؟".

المزيد من تقارير