ليبيا... التصعيد العسكري يقوّض جهود الحل السلمي

مصادر "الجيش الوطني"... الوجود التركي في طرابلس احتلال عثماني

ليبي يقف بجانب سيارة متضررة على إثر انفجار صاروخي في منطقة الهضبة البدري جنوب طرابلس (أ.ف.ب)

تعيش ليبيا منذ اختتام "مؤتمر برلين"، هدوءاً نسبياً مشوباً بالحذر ومحاطاً بالترقب مع بعض الانتهاكات لوقف إطلاق النار وحظر إرسال السلاح، التي تتقد جذوتها وسرعان ما تنطفئ لتعود وتبدأ من جديد، بالإضافة إلى التراشق بالتصريحات التي تُصعّد أحياناً إلى مستوى التهديد بتجاوز ما اتُفق عليه في العاصمة الألمانية، ما جعل الخلاف يدور حول مخرجاته، هل يُعد نجاحاً أم يُصنَّف فشلاً أم يؤجل الحكم عليه إلى ما بعد انعقاد اللجان المنبثقة منه في جنيف؟

برلين لا تردع أنقرة

ويعتبر مراقبون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صُنِّف أكبر الخاسرين في محصلة "مؤتمر برلين"، إذ ذهب البعض إلى القول إن ما دفع القوى الدولية والأوروبية إلى توافق حول الملف الليبي بعد طول خلاف، هو اتفاقها على رفض سياسات أنقرة تجاه الأزمة الليبية، وأن "مؤتمر برلين" نجح في تحجيم الرغبة التركية في التدخل لترجيح كفة حليفه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج، لكنه لم يردعه نهائياً عن ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ويستدل المراقبون بأن أردوغان بعد برلين، ربما اتخذ خطوةً إلى الخلف في مساعيه للتدخل العسكري المباشر في الصراع العسكري بطرابلس، لكنه واصل إرسال الأسلحة والمعدات إلى القوات الموالية لحكومة الوفاق كان آخرها صوراً تداولها مدونون ونشطاء ليبيون فجر الأربعاء، تظهر بارجتين تركيتين تقومان بإنزال ما قيل إنه جنود ومعدات عسكرية في ميناء طرابلس لدعم حكومة الوفاق.
كما تابعت أنقرة تجنيد وإرسال مقاتلين من سوريا إلى ليبيا، ما عُدَّ تحشيداً استباقياً لسيناريو لمح الرئيس التركي كثيراً إليه، وعبّر فيه عن قناعته بأنه لا حل سياسياً ممكناً مع قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، وهو ما صرح به أكثر من مرة قبل مؤتمر برلين وبعده.
 

السراج يستغل الهدنة
واحتجت مصادر مقربة من "الجيش الوطني" بشدة على وصول البارجتين التركيتين إلى ميناء طرابلس معتبرين إن السراج يستغل الهدنة، والتزام "الجيش" بها، احتراماً للدعوات الدولية، ويستدعي القوات التركية إلى طرابلس، في مؤشر إلى رغبته في التصعيد العسكري، واصفةً الوجود التركي في طرابلس بأنه "احتلال عثماني بكل ما تعنيه الكلمة".

وطالبت المصادر ذاتها بأن يكون الحل عسكرياً لا سياسياً، مشيرةً إلى أن "استغلال الهدنة بهذا الشكل لإعادة نقل قوات أو استجلاب قوات أخرى وإعادة تموضع الميليشيات، يبرهن على سوء نوايا حكومة السراج، وأنه لا يريد حلاً سلمياً". في المقابل، احتفى قادة المليشيات والأوساط المقربة من حكومة الوفاق بوصول البوارج التركية إلى طرابلس، حيث نشر المركز الإعلامي لـ"كتيبة الحركة الفرقة 36" التابعة لما يُعرف بـ"عملية بركان الغضب"، صوراً للبارجة التركية "برباروس" على شواطئ طرابلس، متوعدةً "الجيش الوطني" بـ"الهزيمة".
 

التزام نسبي وهدنة هشة
وكانت أطراف الأزمة الليبية التزمت "نسبياً" بالهدنة العسكرية في طرابلس ومصراتة، على الرغم من خروقات تعددت وتعدد معها تبادل التهم بين الطرفين حول مصدرها الأول والمتسبب بها، ولكن بشكل عام تشهد جبهات القتال التزاماً بالمواقع التي جمدت الهدنة كل طرف فيها، لكن الحشد المستمر، بخاصة من جانب حكومة الوفاق، ينذر بانفجار الوضع في أي لحظة.

وأثار تصريح أطلقه أخيراً الناطق باسم "الجيش الوطني" اللواء أحمد المسماري جدلاً حول موقف الجيش من المفاوضات الجديدة قبل بدايتها، إذ قال صراحةً "نؤمن ونعرف أن الحل في البندقية ولكننا احترمنا الرغبات الدولية للحوار فقط لنري العالم أن مَن نفاوضهم ميليشيات لا حل سلمياً معها".

في المقابل، شنت أطراف عسكرية وسياسية موالية لحكومة الوفاق، هجوماً عنيفاً متزامناً على السراج رافضة طريقة تعامله مع الأزمة وقبوله الجلوس للتحاور مع الجيش الوطني والبرلمان. ورأى مراقبون أن السراج لن يعود قادراً على فرض قراره على هذه الأصوات داخل معسكره، لتغولها على قرار حكومته منذ سنوات، واعتيادها فرض إرادتها على المجلس الرئاسي منذ تشكيله بخاصة تلك القادمة من مصراتة.
 

هل تُحمى مقررات برلين من الأمم المتحدة؟
وتحركت بريطانيا باتجاه الأمم المتحدة، داعيةً إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية الأربعاء، وإصدار قرار يفرض على أطراف النزاع الالتزام بمقررات "مؤتمر برلين" ومنحه غطاءً دولياً.
وتطالب المسودة البريطانية، مجلس الأمن بإقرار "نتائج القمّة الدولية التي عقدت في برلين في 19 يناير (كانون الثاني)" الحالي، وتدعو "جميع الدول الأعضاء إلى الامتثال التامّ لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا"، وتؤكد التزام "كل الدول الأعضاء بعدم التدخل في النزاع أو اتخاذ تدابير تؤدي إلى تفاقمه". وتشدد المسودة على مطالبة الأطراف الليبية "بوقف دائم للنار"، وتنص أيضاً على "ضرورة الفصل بين القوات المتحاربة والبدء بإرساء تدابير لبناء الثقة بينهما".
 

مسار جنيف محفوف بالخطر

وفيما يترقب الجميع الانتهاء من تشكيل لجان الحوار الليبي - الليبي في جنيف، المنبثقة من مؤتمر برلين، والهادفة للوصول إلى اتفاق نهائي حول خريطة الحل السياسي التي طرحها لإنهاء الأزمة، أطلق النائب الثاني لرئيس مجلس النواب الليبي الدكتور أحميد حومة الثلاثاء تصريحاً لافتاً، جاء فيه أن "الطريق إلى الحوار السياسي الذي سيُعقد برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في جنيف محفوف بالمخاطر".
وجاءت تصريحات حومة الذي اختاره مجلس النواب كبيراً لمفاوضيه في جنيف، عشية لقائه في العاصمة التونسية برئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا غسان سلامة. وقال حومة إنه لا يعول كثيراً على هذا الحوار ومخرجاته، بعد ما سمعه الخميس الماضي في إحاطة سلامة ونائبته ستيفاني ويليامز في لقاء معهما في تونس.
 

اتفاق روما وباريس والقاهرة

ويرى الصحافي الليبي معتز بلعيد أن "صفاً مصلحياً إقليمياً موحداً تشكل في برلين وتعزز بعدها، قد يسهم في تحويل توصيات برلين إلى حل مستدام في جنيف، نظراً إلى قوة أطرافه وثقلها الإقليمي، والأهم من ذلك، تأثيرها القوي في أطراف الأزمة، وهذا الصف مكوَّن من مصر وإيطاليا وفرنسا".
وأوضح بلعيد "دخلت الدول الثلاث إلى برلين وهدفها واحد، عدم السماح لتركيا بالتمدد في ليبيا واستغلال الأزمة للسيطرة على البلد الغني الذي تربطها به مصالح كثيرة وكبيرة، والمسألة بالنسبة إلى مصر كانت مسألة أمن قومي حساسة ولا تفريط فيها تحت أي بند، بينما كانت بالنسبة إلى باريس وروما مرتبطة بمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في ليبيا، وبشيء من الإيضاح متعلقة بالنفط والهجرة والصراع على النفوذ في البحر المتوسط". وأضاف "مخرجات برلين حمت مصالح هذه الدول ورعت أهدافها، لذلك ستضغط بقوة لإقرار توصيات برلين واستدامة الوضع الذي فرضته، وجنّبها مشقّة وتكاليف الصدام مع تركيا الذي كان مرجحاً أن يتجاوز أدبيات الخلاف السياسي ويقود إلى الاحتكاك العسكري مع أنقرة بخاصة من الجانب المصري".


موقف أميركي مبهم

في موازاة ذلك، يرى مراقبون أن الموقف الأميركي الذي كان معولَاً عليه لحسم أمور كثيرة في الأزمة الليبية، أسهم ضبابيته وتقلباته المبهمة في إطالة أمد الصراع، مرجعين أسباب ذلك، إلى تأخر الملف الليبي في أولويات الإدارة الأميركية، إذ تتقدم عليه ملفات مثل إيران وسوريا، في ظل نزعة "برغماتية" حادة التزمتها واشنطن في سياستها الخارجية بعد تولي دونالد ترمب سدة الرئاسة.

وتبدى للكاتب الصحافي نور الدين النمر الاهتمام الأميركي بليبيا عبر مسألتين أساسيتين، "الأولى وهي ألا يسهم النزاع الانقسامي الليبي - الليبي في أن يكون توطئة للإرهاب الديني، والثانية ألا يسهم في زعزعة تدفق النفط الليبي، وإخراجه من الحسابات الاقتصادية الدولية التي تأسست عليها عام 1960 مبادئ منظمة أوبك". وأضاف النمر أن "المسألة الثالثة على هامش المسألتين الأساسيتين، هي ألا يُسمح لروسيا بوجود عسكري واستخباراتي، حتى ولو مغلّفاً بشركة مرتزقة معلنة في ليبيا، يُسمح لها بتمديد نفوذها في أفريقيا. وأن يكون التمدد الروسي شوكة في ظهر الدول الأوروبية وبالذات الغرب متوسطية".

ويختم قائلاً "لإعاقة هذا الطموح، تم التأشير إلى تركيا، وكيل أميركا الإقليمي الفعّال في النزاعات الشرق-أوسطية، للدخول في منظومة تفاوض المصالح والأطماع مع روسيا في الكعكة الليبية، التي يتم تحضيرها في المطبخ الألماني".

المزيد من العالم العربي