Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حفتر والسراج... تضارب مصالح الخارج يعمق "الهوة" بين المتنازعين في ليبيا

 مصادر رسمية: الأزمة باتت في انصياع الداخل لمصالح القوى الأجنبية... ومراقبون: لا تعويل على "برلين"

تدخل الأطراف الليبية المتنازعة "مؤتمر برلين" الساعي لإيجاد حلٍ سياسيّ بكثيرٍ من الخلافات، وقليلٍ من التوافق حول سُبل الحل الممكنة لتلك الأزمة الممتدة منذ سنوات في هذا البلد الغنيّ بالنفط، الواقع جنوب المتوسط في الشمال الأفريقي.

وحسب مراقبين، فإن خيارات التوصل إلى "حل شامل"، رغم حضور أغلب الأطراف الدولية الفاعلة في الأزمة "تبقى قليلة"، لا سيما مع وجود مصالح متضاربة ومتعارضة "بالكلية" تعكسها الأطراف الدولية والمحلية الحاضرة، رغم إعلان الجميع "التمسُّك بالحل السياسي مخرجاً وحيداً للأزمة، ورفض الخيار العسكري"، إذ تعكس المُعطيات على الأرض واقع تعقيد الأزمة بخلاف ما تُظهره المؤتمرات واللقاءات الدولية في الغرف الدبلوماسية.

 

 

لماذا تتعقد الأزمة؟
ووفق تعبير مسؤول مصري رفيع المستوى، ومطلّع بشكل مباشر على مجريات الأزمة الليبية منذ سنوات، فإن ما يعقّد الحل في ليبيا "تجاوز ولاءات الأطراف المحلية لما فوق الدولة الوطنية، بحثاً عن تدعيم مواقفهم المحلية في مجابهة الطرف الآخر".

المسؤول المصري، قال في حديثٍ مُقتضب مع "اندبندنت عربية"، "الجميعُ يعلن تمسّكه ودعمه الحل السياسي مخرجاً للأزمة، ورغم ذلك يتواصل الدعم المباشر وغير المباشر من أغلب الأطراف لصناعة الولاءات في الداخل الليبي، متجاوزة في ذلك مصالح الليبيين ذاتهم في ضرورة الاستقرار"، مستنكراً ما وصفه بـ"التدخل الأجنبي في الأزمة" على حساب الدور العربي.

ورغم استبعاد توصّل أو اتفاق الأطراف الدولية إلى "حل شامل على المدى المنظور للأزمة الليبية"، يذكر المصدر، أن "تطورات الوقائع على الأرض والرسائل المتضاربة من الأطراف الدولية والإقليمية، فضلاً عن عدم جدية المسعى في فرض حل سياسي يؤخّر بالضرورة الوصول إلى حل سياسي على المدى المنظور".

وعشية مؤتمر برلين، ركّز المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، دعواته للقوى الدولية والأطراف المنخرطة في الأزمة إلى التوقف عن التدخل في الحرب الأهلية، قائلاً في تصريحات صحافية، "إن الدعم الأجنبي لمنظمات محلية خلق حلقة مفرغة من الاقتتال"، داعياً إلى عدم استخدام النفط "كأداة حرب".

واتخذت الأزمة الليبية، منحى متصاعداً منذ أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد أن وقّعت تركيا وحكومة الوفاق (مقرها طرابلس، وتعترف بها الأمم المتحدة) اتفاقين، يتعلق الأول بترسيم الحدود البحرية بين الطرفين، بينما يتناول الثاني التعاون العسكري والأمني. وتلا ذلك إعلانٌ جديدٌ من خليفة حفتر قائد الجيش الليبي في الشرق، "ساعة الصفر" للسيطرة على العاصمة طرابلس.

ومع قرار أنقرة، المثير الجدل، إرسال قوات عسكرية لدعم حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، سلَّطت الأضواء على التدخلات الخارجية في الأزمة الليبية، لا سيما مع حصول قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، على دعم من أطراف إقليمية ودولية، أبرزها مصر والإمارات وفرنسا.

 

ووفق ما هو معلن من برلين، فإن اجتماع الأطراف المعنية بالملف الليبي بألمانيا (تشارك فيه أغلب الدول الفاعلة في المشهد مثل واشنطن وموسكو وباريس وروما وبكين وأنقرة والقاهرة وأبو ظبي، فضلاً عن الجزائر وبرلين) برعاية الأمم المتحدة، يسعى لترسيخ وقف إطلاق النار (رعته تركيا وروسيا قبل أيام في موسكو)، ومحاولة وقف التدخلات الأجنبية التي تُلقي بثقلها على النزاع في هذه الدولة الغنية بالنفط في شمال أفريقيا، كما يهدف إلى الحصول على تعهد من القوى الأجنبية بالتقيد بقرار الأمم المتحدة حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا والتوقف عن أي تدخل في النزاع.

وحسبما ذكر سلامة، الذي أعرب عن "تفاؤله الحَذر" بشأن نتائج مؤتمر برلين، فإن "القوى الدولية تدعم منظمات محلية بالمرتزقة والتمويل العسكري المباشر ما خلق حلقة مفرغة من الاقتتال"، معتبراً، أن "طموحات الأطراف الخارجية جلبت مزيداً من الانقسام".

ووفقا لما نقلته عنه هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فإن "الحل السياسي للنزاع هو الأفضل لجميع الأطراف، لأن ليبيا بتضاريسها المترامية الأطراف والهُويات المحلية القوية والسكان الشديدي التسليح، والحكومة ذات البنية التحتية الضعيفة تجعل جهة واحدة غير قادرة على السيطرة على الأوضاع".

وفي إطار التقليل المُسبق من النتائج المرجوة من مؤتمر برلين بشأن الأزمة في ليبيا، أقرّ وزير الخارجية الألمانية هايكو ماس، حسبما نقلت عنه صحيفة "بيلد" الألمانية اليوم الأحد، فإن المؤتمر "يمكن أن يكون خطوة أولى من أجل السلام في ليبيا".

ونقلت وكالة (رويترز) عن مسؤول أميركي، وصفته بأنه "بارز في وزارة الخارجية الأميركية" مساء السبت، قوله إن "الأمر بات يتعلق بنزاعٍ إقليميّ يتسع ويصبح أكثر شبهاً بسوريا، وهذا هو سبب تعبئة الأسرة الدولية".

وكان لافتاً حدة التباين والتخوّف المُسبق من نتائج "مؤتمر برلين"، استباق السراج المؤتمر بدعوته إلى نشر "قوة حماية دولية" في ليبيا، في حال استأنف الجيش الوطني الليبي الأعمال القتالية.

وقال السراج، في مقابلة مع صحيفة "دي فيلت" الألمانية، "إذا لم ينهِ حفتر هجومه، سيتعين على المجتمع الدولي التدخل عبر قوة دولية لحماية السكّان المدنيين الليبيين".

وأضاف، "سنرحب بقوة حماية، ليس لأنه يجب أن نكون محميين بصفتنا حكومة، بل من أجل حماية المدنيين".

ومنذ تفجّر الأوضاع بليبيا فشل المجتمع الدولي في إحلال السلام، على الرغم من عقد مجلس الأمن 15 اجتماعاً لمناقشة الأزمة دون التوصّل إلى اتفاق، بسبب تباين وجهات نظر الدول، وتعارض مصالحها في البلد الغني بالثروات النفطية، والذي يشكل موقعه الجغرافي أهمية استراتيجية فيما يتعلق بأمن دول الاتحاد الأوروبي التي تتخوّف من الهجرة غير الشرعية عبر السواحل الليبية إلى الدول الأوروبية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن اتساع دائرة التدخلات الخارجية وأدوار متناقضة من دول إقليمية، ومن روسيا وعددٍ من دول الاتحاد الأوروبي، أبرزها باريس وروما، وكذلك الولايات المتحدة ودول أخرى، ما زاد من تعقيد الأزمة وعرقلة التسوية بين الأطراف المتحاربة.

 

 

تضارب المصالح ومخاوف من "سوريا جديدة"
في الوقت الذي تتواصل فيه الرسائل المتضاربة والغامضة بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا على الأرض، وعدم القدرة على الاتفاق على إقرار "حل سياسي" لتلك الأزمة المشتعلة منذ سنوات، زادت المخاوف الإقليمية والدولية، من تحوّل ليبيا إلى "سوريا جديدة"، لا سيما بعد إرسال أنقرة قوات عسكرية إلى طرابلس.

ووفق ما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، فإن "ليبيا باتت الآن على حافة أن تنضم إلى سوريا مكاناً للنزاع الدولي"، في إشارة إلى وجود قوات تركية على الأرض دعماً لحكومة الوفاق، فضلاً عن توارد تقارير وأنباء عن انضمام مرتزقة روس إلى صفوف قوات الجيش الليبي بقيادة حفتر.

وذكرت الصحيفة الأميركية، أن تعقّد الأوضاع في ليبيا جاء بعد أن "فشلت واشنطن" في ممارسة ضغوط على أطراف الأزمة المتنازعين على الأرض، وكذلك الدول الإقليمية والدولية، إثر رسائلها "المتضاربة والغامضة".

بدوره يرى عماد الدين بادي الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن "التقاعس الأميركي والأوروبي فتح الباب أمام تعدد الأقطاب في ليبيا، مع قيام كل من أنقرة وموسكو معاً بملء الفراغ الذي خلّفته الولايات المتحدة وأوروبا"، معتبراً أن "ثمة حاجة بلا شك إلى التقاء حقيقي لمصالح الفرقاء الخارجيين في ليبيا من أجل إرساء السلام".

وذكر بادي، أن "غياب التماسك بين الموقفين الأميركي والأوروبي والتباعد بين الطرفين يجعلان التوصل إلى تسوية للمأزق الليبي في المدى البعيد أمراً صعب المنال".

وفيما تدعم باريس حفتر، معوّلة، وفق مراقبين، على "توازن القوى على الأرض وحقائقه"، إذ يسيطر على نحو "80% من الأراضي الليبية"، يتضارب الموقف الإيطالي الأكثر ميولاً إلى دعم حكومة الوفاق، إلا أنه لم تلبث أن ترسل رسائل دعم إلى المشير القوي في شرق البلاد.

وظهر جلياً اضطراب الموقف الإيطالي في الأيام الأخيرة، بعد أن وقع رئيس وزرائها جوزيبي كونتي، في موقف حرج إثر رفض السراج لقاءه الأربعاء الماضي، بعدما اكتشف أن خصمه حفتر تلقّى دعوة أيضاً إلى روما.

وقبل أيام أيضاً، وجد وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو نفسه وحيداً خلال اجتماع مع نظرائه من فرنسا ومصر واليونان وقبرص في رفض التوقيع على البيان الختامي للاجتماع بشأن ليبيا، لأنه شعر أنه منحازٌ لصالح حفتر.

 

 

أبرز محطات الأزمة
منذ أواخر عام 2011، وتغرق ليبيا في الفوضى إبان إطاحة نظام العقيد معمر القذافي، إذ تتنازع السلطة والسيطرة على الأرض ميليشيات وجماعات مسلحة لم تنجح المحاولات الدولية في الوصول إلى توافق بينها حتى الآن، رغم توقيع (اتفاق الصخيرات) في ديسمبر (كانون الأول) 2015، بعد مفاوضات استمرت أشهراً، الذي على إثره أُعلنت حكومة الوفاق الوطني.

ومنذ ذلك الحين تتنازع على السلطة حكومة الوفاق وقوات الجيش الوطني برئاسة خليفة حفتر، الذي أعلن في مايو (أيار) 2014 بدء عملية ضد جماعات إسلامية مسلحة شرقي ليبيا.

وعلى إثر (اتفاق الصخيرات)، تمكَّن السراج رئيس حكومة الوفاق، في مارس (آذار) 2016 من التمركز في طرابلس، لكن في الشرق، بقيت الحكومة الموازية التي يدعمها حفتر والبرلمان معارضَة له.

وفي يوليو (تموز) 2017، اجتمع السراج وحفتر في سيل سان كلو في باريس، وتعهدا إخراج البلاد من الفوضى، وقبل نحو عامٍ من اجتماع الرجلين في مؤتمر بباريس في مايو (أيار) 2018، تعهدا خلاله على العمل معاً إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في 10 ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته.

لكن، سريعاً ظهرت الخلافات وتعمقت بين الأطراف الليبية والدول المنخرطة في الأزمة، لا سيما في نوفمبر (تشرين الثاني) خلال مؤتمر استضافته إيطاليا بمدينة باليرمو، قاطعه حفتر وانسحبت منه تركيا.

وبدأ المشير حفتر، في يناير (كانون الثاني) 2019، معركته نحو الجنوب الليبي، وبحصوله على دعم القبائل المحلية سيطر بلا معارك على سبها والشرارة أحد أكبر الحقول النفطية بالبلاد.

وأمر قواته، في الرابع من أبريل (نيسان)، بـ"التقدم تجاه طرابلس"، إذ واجهت مقاومةً عنيفةً من القوات الموالية حكومة الوفاق الوطني، وتواصلت المعارك على مشارف العاصمة بين كرٍّ وفرٍّ، حتى أُقرت هدنة قبل أيام من مؤتمر برلين.

المزيد من دوليات