بوتين يمهد لبقائه بتعديلات دستورية هادئة

التعديلات الدستورية المقترحة تنقل صلاحيات إلى البرلمان وتحول روسيا إلى دولة شبه رئاسية

بوتين وخلفه مبدبفييف (غيتي)

يمكن اعتبار خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أيام أمام الجمعية الفيدرالية الروسية بداية فترة انتقالية في السياسة الروسية، وسيكون على الرئيس تقاسم بعض الصلاحيات مع البرلمان، لكن مسألة منصب بوتين القادم في النظام السياسي تظل مفتوحة أمام العديد من السيناريوهات.

سيبقى الرئيس "القادم" شخصية قوية، لكنه لن يسيطر بالكامل على النظام السياسي، وستتاح لمجلس الدوما (النواب) الفرصة للموافقة على ترشيحات نواب رؤساء الوزراء والوزراء، وسيتعزز دور مجلس الدولة، ويتم تثبيت ذلك في التعديلات الدستورية.

لم تكن استقالة رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف نتيجة أزمة سياسية في قيادة البلاد، كما جرت العادة في معظم الحالات المشابهة، لكن هذه الاستقالة قد تكون في إطار التمهيد  لبداية مرحلة جديدة في روسيا بعد انتهاء فترة رئاسة بوتين 2024.

تعديلات دستورية

ويبدو أيضا أن استقالة ميدفيديف مرتبطة بالتعديلات الدستورية التي اقترحها بوتين، وستنقل تلك التعديلات المزيد من السلطة إلى البرلمان، الذي سيكون مكلفا باختيار رئيس الوزراء بعدما كانت تلك المهمة من صلاحيات الرئيس، وبعد ساعات من استقالته عيّنه بوتين نائبا لرئيس مجلس الأمن الروسي، واقترح رئيس مصلحة الضرائب ميخائيل ميشوستين لرئاسة الحكومة الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أنه يمكن أن يكون انتقال ميدفيديف إلى مجلس الأمن مرتبطا بمستقبل بوتين بعد انتهاء ولايته الرئاسية، فربما يكرر بوتين ما حدث في كازاخستان، حيث أصبح نور سلطان نازارباييف رئيساً لمجلس الأمن في بلاده مدى الحياة بعد تنحيه عن رئاسة الجمهورية في العام الماضي 2019.

وتشير كل التحركات والتغييرات الحكومية الأخيرة إلى استمرار بوتين في السلطة بعد عام 2024 حين تنتهي ولايته الرئاسية، ولكن على الأغلب ليس كرئيس.

تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ بوتين قال إنَّ الفترات الرئاسية يجب أن تقتصر على فترتين، وفي حين أكد بعض منتقديه أنه قد يحاول البقاء في منصب الرئاسة بغض النظر عن ذلك، رأى آخرون أنَّ إعلان التعديلات المقترحة يُمهِّد الطريق لانتقال السلطة بطريقةٍ أرقى.

وبحسب المراقبين، قد تتحول روسيا من دولة رئاسية مطلقة إلى شبه رئاسية، بمعنى آخر، قد تؤدي المقترحات المعلنة إلى تآكل نفوذ خليفة بوتين في الرئاسة، لأنها ستنقل المزيد من الصلاحيات إلى البرلمان ورئاسة  الوزراء، مع أن بوتين أكَّد أنَّ الرئيس الروسي القادم، أيَّاً كانت هويته، سيظل قائداً للقوات المسلحة، وسيحتفظ  بالسيطرة على جميع الأجهزة الأمنية بغض النظر عن التعديلات.

سبق وتبادل ميدفيديف المناصب مع بوتين في عام 2008، وخَلفه في رئاسة البلاد، إذ كان يُعتبر بنظر الكثير من المراقبين قائماً بأعمال الرئيس.

في الآونة الأخيرة ظهرت مسألة تكرار خلافة جديدة محتملة لديميتري ميدفيديف، بالعودة إلى الرئاسة لفترة ولاية واحدة، لكن هذا الخيار لا يبدو أنه مرجحٌ، إذ يتعارض مع دعوات تحديث النظام السياسي، كما أنه مستبعد أن ينسى الناخبون أن حكومته هي التي رفعت سن التقاعد، في الوقت نفسه ستسمح استقالته بتشكيل حكومة جديدة وفق القواعد القديمة، دون الحاجة لموافقة البرلمان على تكليف الوزراء.

وأيضا قرار الانتقال إلى منصب رئيس الوزراء، كما حدث في عام 2008 أمر غير محتمل حاليا، فوقتها كان هناك نمو سريع في البلاد. أما الآن الوضع مختلف بشكل كبير، ومنصب الشخص المسؤول عن الاقتصاد أقل جاذبية في ظل هذه الظروف، كما أنه لم يتم توسيع صلاحيات رئيس الوزراء.

سيكون على الحكومة القادمة، وفق خطاب بوتين، اتباع سياسة لتحفيز النمو، ودفع بدلات الأطفال للأسر الفقيرة، وتزويد طلاب المدارس الابتدائية بوجبات مجانية. ووفق المحلل السياسي أليكسي ماكاركين في تعليق لـموقع "غازيتا رو"، فإن رئيس الوزراء الجديد سيدير أموالاً كبيرة ويتبع سياسة شعبية للغاية، وفي حالة النجاح يمكن أن يكون رئيس الوزراء مرشحا للرئاسة وخلافة بوتين.

سيناريو  كازاخستان

المؤكد اليوم أن الإعلان عن تعديلات دستورية، وما أعقبه من استقالة الحكومة، يمثل بداية انتقال السلطة في روسيا، وربما على غرار سيناريو  كازاخستان، وبشكل مطور، يتناسب مع حالة روسيا، حيث سيتم توزيع معين للسلطات الرئاسية بين الهيئات، ويتيح للرئيس السابق لقباً جديداً معيناً، وهنا، على ما يبدو منصب رئيس مجلس الدولة، لكن مجلس الدولة ليس برلماناً، وقراراته ليست ملزمة، ويتكون من 85 محافظاً، لكن يتوقع أن يصبح رئيسه واحدا من أعلى المسؤولين في البلاد، ومن هناك يمكن قيادة الحكومة والبرلمان ومجلس الأمن.

إن تعزيز صلاحيات مجلس الدولة الذي أعلنه بوتين قد يشير إلى أن الرئيس يعتزم رئاسة هذه الهيئة بعد تركه منصبه، وميزة مجلس الدولة تتمثل في كونه سلطة مشتركة بين الإدارات وبين المستويات تربط الإدارة الرئاسية والحكومة والسلطات الإقليمية.

لم يفاجئ بوتين التوقعات. وكما تنبأ العديد من الخبراء، يعمل على حل مشكلة نقل مركز السلطة من الرئاسة والانتقال إلى هناك، ولهذا لابد من إجراء إصلاح هائل للبنية السياسية الرسمية. والآن قبل أربع سنوات من انتهاء ولايته "الثانية" وضع خطة الانتقال السياسي بوضوح، وتكمن قوة خطة بوتين البسيطة هذه في حقيقة أنه لا يمكن تفسيرها بطريقتين، فهي واضحة ومفهومة تماماً للجميع، داخليا وخارجيا.

 لا يمكن أيضا استبعاد أن يرأس بوتين مجلس الدوما، لأنه في رسالة للجمعية الفيدرالية، أعلن الحاجة إلى توطيد مكانة ودور مجلس الدولة في الدستور، وكذلك تكليف مجلس الدوما بعدم الموافقة فقط، ولكن بالموافقة على ترشيح رئيس الوزراء.

يبقى القول إنه ربما نشهد تغيرات سريعة وانتخابات مبكرة، قبل الوصول إلى عام 2024، وهو عام انتهاء فترة ولاية بوتين الرئاسية الثانية.

المزيد من تحلیل