ثوار لبنان يعودون إلى الشارع... لن ندفع ثمن الفساد والانهيار

"بدأ الحراك يخرج عن مساره السلمي وسط خشية من تحوله قسراً إلى العنف"

محتجون على الطريق المؤدي إلى البرلمان اللبناني وسط بيروت (أ.ب.)

تحت شعار "لن ندفع الثمن"، عادت التظاهرات إلى شوارع العاصمة اللبنانية بيروت وساحات وسطها التجاري، مجددة زخم الانتفاضة الشعبية التي انطلقت شرارتها الأولى في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك بعد نحو أسبوعين من الهدوء النسبي.

فقد استراحت جبهات الحراك الشعبي أخيراً، وعزت أوساط هذا الحراك الأمر أنه يعود إلى أكثر من سبب أولها مصادفة حلول أعياد الميلاد ورأس السنة، ما ترك الفرصة للبنانيين للاحتفال مع عائلاتهم ومع القادمين من بلاد الاغتراب لتمضية العطلة في الربوع اللبنانية. وأسهم الطقس الماطر من دون انقطاع في تخفيف الاندفاعة الشعبية، فيما تقول أوساط الحراك بأن الاستراحة النسبية جزئياً شكلت مساحة لإعادة قراءة ومراجعة شاملة لنتائج الانتفاضة والخطوات الواجب السير فيها بعدما لمس المتظاهرون استهتاراً كاملاً من قبل السلطة السياسية لمطالبهم وانتفاضتهم. فالمشاورات الحكومية لم تأخذ في حساباتها الشارع، بل غرقت في كباش حاد على المحاصصة السياسية وعلى شكل الحكومة وصيغتها من خارج الشروط والمواصفات التي طالب بها المتظاهرون.

وفي حين بدأ الحراك على خلفية إسقاط سلطة فاسدة تحت شعار "كلن يعني كلن"، والدعوة إلى قيام حكومة مستقلة كفوءة قادرة على مكافحة الفساد ومعالجة الملفات الشائكة القائمة، ارتفعت حدة المطالبات، كما ارتفع سقفها، بعدما استشعر المنتفضون في الشارع محاولات السلطة تقاذف المسؤوليات ودفع كرة الانهيار في اتجاه الشارع تمهيداً لتحميله تداعياته وتبعاته. وهذا التوجه أدى إلى رفع شعار رفض دفع الثمن، وهذا الرفض ينطوي على أكثر من رسالة: ثمن الانهيار، وثمن السياسات المالية الخاطئة التي تذل اللبنانيين أمام المصارف سعياً وراء أموالهم ومدخراتهم، وثمن الصفقات والفساد وسوء إدارة المال العام الذي أوصل البلاد إلى الانهيار.

حرف الحراك عن سلميته

ولكن تجدد الحراك بدأ يخرج عن مساره السلمي، وسط خشية من أن يتحول قسراً إلى العنف خصوصاً أن وقف التظاهرات قبل نحو أسبوعين كان نتيجة للخروقات التي تعرض لها من مندسين ينتمون إلى أحزاب وتيارات سياسية بهدف حرف الحراك عن مساره السلمي، وزجّه في صراعات مذهبية، من خلال وضع شارع بوجه شارع، كما حصل أخيراً بين شارع سني وشارع شيعي.

ويرفض متحدثون باسم الحراك اتهامهم بالتصعيد واللجوء إلى العنف، مؤكدين سلمية تحركهم. لكنهم يؤكدون أن هناك استفزازات كثيرة يتعرض لها المتظاهرون تخرجهم أحياناً عن طورهم، كما هناك محاولات واضحة من قوى سياسية إلى استدراجهم، بعدما فشلت في ركب موجة الشارع.

وإذ يرفض هؤلاء الانجرار وراء هذه المحاولات، يؤكدون في المقابل شرعية الانتقال إلى نوع آخر من التحرك تعبيراً عن الغضب، بعدما أهملت السلطة تحركهم وأسقطت كل المطالب.

وبالفعل، عاد المتظاهرون إلى قطع الطريق والتظاهر في الساحات ولا سيما أمام المجلس النيابي، فيما برزت ظاهرة جديدة تمثلت في طرد السياسيين من المقاهي والمطاعم والأماكن العامة.

فبعد إخراج الرئيس الأسبق للحكومة فؤاد السنيورة من حرم الجامعة الأميركية برفقة عقيلته، وكذلك نائب رئيس المجلس النيابي أيلي الفرزلي من مطعم، أو النائب السابق أحمد فتفت من حرم غرفة التجارة والصناعة في طرابلس، تجددت أخيراً تحركات المتظاهرين في اتجاه الوزير في حكومة تصريف الأعمال يوسف فنيانوس عندما كان في أحد المطاعم برفقة نجله، وفي اتجاه النائبين سامي فتفت وطارق المرعبي، فيما استمر التظاهر أمام منزل الوزير محمد شقير على خلفية تمديد عقدي الهاتف الخليوي.

التصعيد مستمر

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجمع قيادات في الحراك أن "عودة الزخم إلى الشارع كان معداً له سابقاً، لكن المتظاهرون أعطوا فترة سماح في انتظار ما ستسفر عنه الحركة السياسية. ولكننا فوجئنا بمزيد من التخبط والمناكفات في ما بين الفريق الواحد عكست عجزاً عن الاتفاق على تشكيلة حكومة، حتى تلك التي لا تلبي تطلعات الشارع. وهذا ما زودهم بجرعة انتفاض جديدة على العجز الفكري الذي تعيشه السلطة السياسية العاجزة عن استيلاد واقع سياسي جديد. يضاف إلى ذلك استمرار فشل السلطة في التعاطي بمسؤولية مع المشاكل الحياتية اليومية والأزمة المالية والمصرفية، مما رفع منسوب الغضب لدى المواطنين الذين يُذلون يومياً أمام أبواب المصارف".

عن التحركات المقبلة، يقول هؤلاء القياديون إن "الوجع بات أكبر، والتأزم كذلك. صحيح أنه ليست هناك قيادة مركزية للشارع ولكن هناك مجموعات تتواصل وتنسق في ما بينها الخطوات المقبلة. ويجري درس هذه الخطوات بعناية تامة لكي تؤدي أهدافها بإسقاط هذه السلطة بمكوناتها. فلا يكون رئيس الحكومة المستقيل هو الوحيد الذي يلبي طلب الشارع، بل على كل من في السلطة ولا سيما من أعلى الهرم إلى أسفله".

ويؤكد هؤلاء أن برنامج التحرك بات واضحاً ويرمي إلى التأكيد على أولوية إجراء انتخابات نيابية مبكرة تشرف عليها حكومة المستقلين المنتظرة.

التحركات

ويوضح أحد قياديي الحراك أن التحركات بدأت في عطلة نهاية الأسبوع وستتصاعد اعتباراً من يوم الثلثاء، وستشكل مفاجأة للبعض لأنها ستخرج عن الإطار المألوف منذ بداية الانتفاضة. سيعود الطلاب إلى الشارع، وستُقطع الطرق الفرعية كما الرئيسية وستشمل التظاهرات والاعتصامات مراكز ومنازل ومقرات أهل السلطة. خسرنا الكثير وقطعنا شوطاً كبيراً ولا يجب أن نتوقف. استغلوا استراحتنا التي أتت لترييح الناس قليلاً. نحن نفكر بالناس لأننا منهم، وهم لا يفكرون إلا بمصالحهم".

في الموازاة، ستستمر الملاحقات القضائية بعدما أصبح لدى الثوار ملفات عن الفساد تكتمل وثائقها وعناصرها.

المزيد من العالم العربي