Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحراك الجزائري عنوان لخمسة أحداث تاريخية

انتفاضة شعبية وإزاحة بوتفليقة ومحاكمة "العصابة" وانتخابات رئاسية ووفاة الرجل القوي

خلال عشرة أشهر عايش الجزائريون أحداثاً متسارعة لم يشهدوا لها مثيلاً لعقود طويلة. فقد شكلت سنة 2019 منعرجاً حاسماً في علاقة الجزائريين بمنظومة حكم ظلت صلبة ومتماسكة، ليسجل التاريخ أن الهبة الشعبية في 22 فبراير (شباط) كانت الحدث الأبرز، إذ أفضى إلى إزاحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من الحكم وسجن أبرز الوجوه السياسية في البلاد وإجراء انتخابات رئاسية ورحيل الرجل القوي في النظام رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح.

وكانت سنة 2019 قد بدأت مع أنباء عن استعداد بوتفليقة للترشح لولاية خامسة على الرغم من المرض والابتعاد عن تسيير الشأن العام لمصلحة شقيقه الأصغر، السعيد بوتفليقة. كان الشعور بفقدان الكرامة عارماً وسط جو دولي وإقليمي تمكن من الخلاص من أخر الأنظمة الدكتاتورية.

سيد الأحداث

يُتوّج الحراك الشعبي سيداً على أحداث 2019. حركة عفوية وسلمية انطلقت بنداءات محدودة ومحفوفة بالمخاطر. وتابعها النظام السابق وروّج لما يناقضها ويحطم معنوياتها، تحت شعار بوتفليقة أو الفوضى. هكذا كانت المعادلة بخيارين لا ثالث لهما.

في صبيحة الجمعة 22 فبراير، احتشدت في ساحة أول مايو (أيار) وسط العاصمة مئات مدرعات الشرطة. فيما راح مراقبون وصحافيون وسياسيون يتساءلون إذا ما كانت الجزائر ستشهد مسيرات تطالب بـ"إسقاط النظام".

بعد دقائق من مغادرة المصلين المساجد عم الصمت الساحة. للحظات، اعتقد الجزائريون أن الدعوات إلى التظاهر بلا أثر. وفجأة، ارتفع صوت متظاهر واحد بين مئات عناصر الشرطة المحيطين بالساحة، صعد إلى سطح محطة للحافلات، رفع العلم الجزائري وهتف بالشعار الأول للحراك الشعبي "ماكاش الخامسة يابوتفليقة"، ليلتحق العشرات ثم المئات محوّلين الوقفة إلى مسيرة مليونية كسرت حاجز الخوف الذي استمر لعقدين على الأقل.

وأولها منع "الخامسة" عن بوتفليقة في لحظات فارقة عايشها الجزائريون بقلق بالغ ل

وبعد مسيرات وتظاهرات، مر الجزائريون بثلاثة أيام حاسمة، 31 مارس (أذار) و1 و2 أبريل (نيسان) 2019، لتُختتم باستقالة بوتفليقة مكرها. ما قطع سيناريو "مرحلة انتقالية" تحالف فيها السعيد بوتفليقة مع "خصمه" السابق الجنرال النافذ محمد مدين (توفيق) بوساطة من وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار.

في 2 أبريل دُفع بوتفليقة إلى تقديم استقالته مكرها تحت ضغط كبار ضباط المؤسسة العسكرية، مسجلاً بذلك نهاية حقبة استمرت لعشرين سنة، بدأها قوياً متنفذاً وختمها مريضاً ومحاطاً بمسؤولين بينت تحقيقات العدالة تورط معظمهم في ملفات فساد غير مسبوقة أدهشت القضاة الذين حققوا فيها قبل عموم الجزائريين.

سجن رموز العصابة

باستقالة بوتفليقة كان المطلب الأهم للجزائريين قد تحقق. فقد منعوا الولاية الخامسة ووقفوا ندا أمام "استفزازات" السعيد بوتفليقة ومحيطه، إلا أن عبارة عابرة من شاب جزائري خلال بث مباشر لقناة "سكاي نيوز عربية" قلبت مسار الحراك وجعلته يتأجج من جديد "يتنحاو قع".

مكن هذا الشعار الحراك الشعبي من رفع سقف المطالب عالياً. وفيما شكل الحراك ضغطاً على المؤسسة العسكرية كانت "عصابة السعيد" في رحلة بحث عن كيفية الخلاص من رغبة الجزائريين في "الانتقام" من سنوات "هوان الدولة".

بدأت الحكاية من اعتقال رجل الأعمال القوي علي حداد وهو يفر إلى تونس عبر الحدود البرية. تبع ذلك، بعد ثلاثة أيام، اعتقال ثلاثة من أهم رموز النظام، وهم السعيد بوتفليقة والجنرالان توفيق وطرطاق (قائد الاستخبارات). وبُثت صور الاعتقال عبر التلفزيون الحكومي، في مشهد أعطى انطباعاً أن المؤسسة العسكرية انتقلت إلى المرحلة الثانية مع قرار فوقي بـ"إذلال" رموز العصابة والتشهير بهم وهم مكبلو الأيدي يقودهم ضباط إلى السجن.

أخذت العدالة الجزائرية بعداً آخر في التعاطي مع ملفات "اللصوص" منذ تعيين بلقاسم زغماتي وزيراً للعدل. فتوالت أخبار المتابعات القضائية لكبار المسؤولين السابقين ورجال أعمال وعدد من المسؤولين المركزيين في الوزارات والمصارف. لكن التحقيق مع أحمد أويحي ثم سجنه لاحقاً كان بـ"نكهة" خاصة من بين من اعتقلوا في سجن الحراش قياساً لما مثلته صورة الرجل في مخيال الجزائريين من "انتهازية" طيلة وجوده في المناصب العليا في الدولة.

الثالثة ثابتة لتبون

ألغت السلطات الجزائرية الموقتة ما بين أبريل (نيسان) وديسمبر (كانون الأول) بقيادة رئيس الدولة السابق عبد القادر بن صالح موعدين اثنين للانتخابات الرئاسية. الأول في الثامن عشر من أبريل، والثاني في الرابع من يوليو (تموز)، استجابة لضغط الحراك الشعبي الذي قدر أن الظروف لم تكن مهيأة بعد لانتخابات نزيهة. كل هذا مقابل عزوف الطبقة السياسية عن الترشح في الموعدين السابقين.

ومع دخول البلاد مرحلة مفصلية في تقدير المؤسسة العسكرية التي ظلت تقود الأحداث بواجهة مدنية (بن صالح) استقر الأمر على تنظيم انتخابات جديدة في نهاية 2019. لذلك اختارت السلطة طريق هيئة الحوار والوساطة التي لقيت انتقادات كثيرة في الشارع، قبل أن يُحال الملف إلى سلطة مستقلة للانتخابات في أيلول (سبتمبر) استجابة لمقترح بصيغة "الأمر" من رئيس الأركان الراحل الفريق أحمد قايد صالح، بضرورة استدعاء الهيئة الناخبة في 15 أيلول ليتم إقرار 12 كانون الأول موعدا للانتخابات الرئاسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومكن الموعد الجديد سياسياً جزائرياً تدرج في السلطة في فترة حكم ثلاثة رؤساء سابقين، آخرهم بوتفليقة، من الترشح للانتخابات الرئاسية والتتويج بها بغالبية أصوات قرابة عشرة ملايين ناخب أدلوا بأصواتهم من مجموع نحو 24 مليون ناخب جزائري.

فقد أعاد الحراك الشعبي تبون للظهور بعد اختفاء "قسري" عن المشهد السياسي لمدة عامين، وهو وزير أول سابق اشتهر بخلافه العميق مع منظومة الحكم السابقة لا سيما السعيد بوتفليقة وحليفه أحمد أويحي ومن والاهما من رجال مال وأعمال.

وفاة قايد صالح

أبت سنة 2019 أن تنتهي بهدوء، فقد رحل الفريق قايد صالح، بعد أربعة أيام من تسليم السلطة للرئيس المنتخب تبون.

شكل قايد صالح واجهة الحكم، وسمي بالرجل القوي في الأشهر العشرة الأخيرة من السنة المنقضية.

قاد قايد صالح المشهد السياسي من بداياته إلى نهايته وتحول في فترات ما إلى خصم مباشر لجزء من الحراك الشعبي، بسبب قرارات الرجل على أساس عقيدته العسكرية وتقديره لضروريات المرحلة.

وشيع قايد صالح في جنازة "مليونية" عبر شوارع العاصمة الجزائرية، فيما استمر توافد المعزين على قبره عدة أيام بعد دفنه بمربع الشهداء بمقبرة العالية في العاصمة بالقرب من قبري الرئيسين الأسبقين هواري بومدين والشاذلي بن جديد.