ألغاز بيير بيرجي... المزعج والمثير للإعجاب

من مؤسسة "إيف سان لوران" مارس نفوذه في الصحافة وعلى السياسيين الفرنسيين

بيير بيرجي وإيف سان لوران (من الكتاب)

قصة أشبه بالملحمة، تتساوى فيها الألغاز مع الحقائق. بطلها طموح، إشكالي، مزعج بقدر ما هو مثير للإعجاب. سيرته الذاتية مادة درامية دسمة جذبت إليها الروائي والكاتب الصحفي الفرنسي Yann Kerlau، فكتبها تحت عنوان: Pierre Bergé _ sous toutes les coutures" أو "بيير بيرجي ـ من مختلف الزوايا" راوياً كيف تحوّلت حياة رجلٍ إلى مسرحٍ للحب والنجاح والسياسة والفن والسلطة، فأصبح واحداً من أهم وأقوى رجالات الزمان والمكان.

وكأول سيرةٍ ذاتية له بعد وفاته، يروي الكتاب الصادر عن دار Albin Michel  العام الماضي، قصة بيير بيرجي (1930 ـ 2017) رجل الأعمال الفرنسي، السياسي، عاشق الفن، الصحفي والناشط الاجتماعي في قضية المثليين. حيث أثار كيرلاو جدلاً واسعاً في الأوساط الفرنسية بهذا الكتاب، نتيجةً تناوله لشخصية بيرجي الجدلية، بحياته المتشابكة من بدايتها وحتى اللحظات الأخيرة منها.

وفي قفزاتٍ متسلسلة، انتقل كتاب كيرلاو مع شخصيته الإشكالية، بين محطاتٍ حاسمة من التاريخ الفرنسي شكّلت فواصل هامة في حياة بيرجي. فالأسماء ذات الشهرة العالية بالنسبة إلى الفرنسيين وغير الفرنسيين، ما هي إلا شخصيات ثانوية أثّرت في الشخصية الرئيسية التي لعب دورها بيرجي، والتي رسمها كيرلاو بالسحر والغموض.

عمل كيرلاو ستة عشر عاماً مع بيير بيرجي كمديرٍ قانوني لمؤسسة إيف سان لوران. كان قريباً منه لدرجة مكّنته من كتابة هذه السيرة الذاتية بالكثير من الدراية والشغف. مزج بين الرواية والمقالة الصحفية والعمل التوثيقي، وسرد في ما يقارب الـ 320 صفحة من القطع المتوسط، عقوداً من الزمن، كانت شاهدة على رحلة صاحب القبضة الحديدية.

قُسّم الكتاب إلى قسمين، الأول "tout prendre" تضمّن 21 فصلاً، بينما تضمّن الثاني 17 فصلاً وعنوانه: Les allees du pouvor. وفيما تناولت فصول القسم الأول بدايات بيرجي وأضاءت على انطلاقاته في الحياة على كافة الأصعدة، ركّزت فصول القسم الثاني على مرحلة انغماسه في السلطة بكافة توجهاتها، السياسية والاقتصادية والفنية. وما بين الفصول جميعها فيض من التناقضات والمشاعر والعلاقات الشخصية المعجونة بالغرائز والمصالح.

كاريزما استثنائية

في فصله الأول "نظرة عن قرب إلى الوجه" بدأ كيرلاو برصدٍ دقيق لبيرجي. وقف مطولاً عند عينيه اللتين تحدّقان بثبات على نحوٍ مخيف، وتعكسان روح الرجل الاستثنائي الذي هو عليه. إنهما قادرتان على تفحّصك والحكم عليك، فتقتنع مباشرةُ بأنك في قبضة رجل قوي، صاحب جبروت ولا يشبهه أحدٌ. إن لبيرجي لغة جسد تجعل من عرفه ليوم أو لساعة أو لشهر، يدرك أن كل من سواه في غياهب النسيان، وأنه الأهم بين الجميع.

ونكتشف أن هذه الكاريزما غير العادية على الإطلاق، اكتسبها بيير منذ أن كان مراهقاً يجول أحياء باريس. تلك المدينة العملاقة التي اخترقت روحه وحواسه، وجرت في شرايينه كما نهر السين فيها. لقد وصلها يافعاً ومعدماً، فحوّلته إلى سيد بكل ما للكلمة من معنى.

كان القدر حليفه بدءاً من يومه الأول في باريس، حين سقط بين ذراعيه الشاعر الفرنسي جاك بريفيت، الذي أدخله حياة الفنانين والأدباء والشعراء ومن بينهم ألبير كامو وجاك كوكتو. وداخل إحدى المقاهي الباريسية خاض بيرجي علاقته الأولى، حيث تعرّف على برنارد بوفيه فراحا يجولان معاً أزقة المدينة كعاشقين حرّين كما لم يحدث من قبل.

الفضول هي صفة بيرجي الأساسية كما قال كيرلاو في مقدمة الفصل السادس من القسم الأول: "إنه ليس وسيماً ولا قبيحاً. لكنّه فضوليٌ إزاء كلّ شيء". إذاً هي وصفة بيرجي السحرية. الفضول جعل من سيرته الذاتية بيتاً يسكن فيه مشاهير الفكر والأدب والموضة والسياسة، ويغادرونه بعد أن يتركوا لصاحبه بعض ما لديهم.

وهو الفضول ذاته كما ادّعى كيرلاو، الذي قاد بيرجي إلى مغامرات سرية في عالم الجنس والشهرة لا يمكن تخيّل أحداثها أو تتبع حقائقها. حتى أن بيرجي نفسه قال في كتابه Liberté, j'écris ton nom الذي ألّفه بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من وصوله إلى باريس: "هناك أسرار فقدت أبوابها المفاتيح. وأما الحقيقة فهي شائكة ومغلقة لدرجة أن حرية التعبير الخاصّة مقيدة بالخيارات السياسية، الأدبية، المالية، والفنية".

تتشابك القصص بين عامٍ وخاص في حياة بيير بيرجي. وفي محاولته لاقتفاء أحداثها وشخصياتها، تمضي صفحات كتاب كيرلاو في رحلة بين السياسة والتاريخ والفكر والفن. وبالكثير من الشغف والفضول، نمضي معها متتبعين خطوات بيرجي فيها. الفتى الذي تردد على أهم الأوساط الأدبية والفكرية والفنية في باريس وأكثرها شهرة، قبل أن يتمّ العشرين من عمره.   

دخل حياة ألبير كامو وجاك كوكتو... وأمه تساءلت ما الذي فعله ابنها ليصبح رئيس تحرير وه في التاسعة عشر

منذ بداياته ألهمت بيرجي عبارة كامو حين قال له: "يجب أن نقود الجمهور، وهذا هو دور الصحافة". وكأن الشاب الطموح الحالم بالتميّز قد وجد ضالته في عالم الإعلام. والمعادلة بسيطة: إذا أراد أن يقود الآخرين، عليه أن يكون صحفياً. لكنّ تألقه السريع في هذا المجال يدفع والدته للتساؤل: "ما الذي فعله ابنها ليصبح رئيس تحرير جريدة وهو في سن التاسعة عشر؟". وحدث وأن حاولت مواجهته من خلال رسالة تحدّثت إليه فيها بخصوص ميوله الجنسية التي تخشى أنه قد استخدمها للوصول إلى القمة. فهي تعرف طموح ابنها منذ أن كان طفلاً. كان دائماً يريد ما هو أكثر من الذي بين يديه.

أثيرت الصحافة كثيراً في الكتاب، بدءاً من اشتغال بيرجي الشاب المراهق فيها، وصولاً إلى استثماره في العام  2010 "في صحيفة لوموند" التي تأسست عام 1944 بعد تحرير العاصمة باريس خلال الحرب العالمية الثانية.

ومع موضوع الصحافة، تكشّفت معه خيوط عديدة قادتنا إلى حقيقة وحيدة في هذا المجال: "الصحفيون ليسوا أحراراً أبداً. إنهم أسرى الإيديولوجيات والاقتصادات التي تحكمهم. الأمر ينطبق في الوقت نفسه على ضيوف هؤلاء الصحفيين". لذا كان من الواضح للرأي العام، التناقض الشديد الذي وقع فيه بيرجي في علاقته مع الصحفيين، في بعض الأحيان.

وعلى الصعيد السياسي، روَت سيرة بيرجي الذاتية، علاقته القوية مع عدد من الرؤساء الفرنسيين وغيرهم من رؤساء الدول. وخاضت في تفاصيل تقلّده لبعض المناصب الرسمية مثل رئاسته لدار أوبرا باريس في عهد الرئيس فرانسوا ميتران. وحصوله على عدة جوائز أهمها وسام رتبة شرف من الرئيس السابق فرانسوا هولاند في العام 2015.

موازنة بين القوة والإبداع

لا يمكن أن تكتب سيرة بيرجي، دون الوقوف مطولاً عند "إيف سان لوران" كشخص أولاً وكمؤسسة ثانياً شكّلت نقطة علامٍ شديدة السطوع في حياته. وقد حاول كيرلاو الإضاءة على نمطٍ غير اعتيادي في العلاقة بين إيف سان لوران وبيير بيرجي. إنه لا يتحدّث عن المثلية، حيث كانت أمراً طبيعياً في أوروبا ذلك الوقت. إنه يقصد طبيعة الرجلين الاستثنائيتين، اللذين وازنا في علاقتهما بين القوة والإبداع، وبين الشغف الفني والسلطة المادية. فكانت انطلاقة مؤسسة "بيت إيف سان لوران" في باريس في العام 1961 إمبراطورية عكست علاقة الرجلين الفريدة، على قطع من القماش ارتداها أشهر رجال ونساء العالم منذ ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

أسّس بيرجي إمبراطوريته بدافع الحب، منتشلاً لوران من انهيارٍ أصابه بعد أن طردته مؤسسة كريستيان ديور خارج أبوابها. لم يستطع أن يرى زوجه وحبيبه ممداً في المشفى يائساً وفاقد السيطرة على حياته. فقرّر بيرجي: "لن أسمح أن يكون موظفاً عند أحد بعد اليوم". وبعد قراره، تحوّل الزوجان العاشقان إلى شريكين تجاريين يصدّران مفاهيم الفن والموضة الحداثية مثلما لم تكن من قبل.

ركّز كيرلاو على شقة الثنائي بيير وإيف في الدائرة السابعة في باريس، مكاناً جمع أحلامهما وخلافاتهما. ورسم لنا قصة متحف إيف سان لوران الذي يقع في 5 Avenue Marceau على الشاطئ المقابل لبرج إيفل، وهو مكان انطلاقة المؤسسة، ويجمع اليوم أهم اللوحات الفنية وتصاميم الأزياء التي صمّمها لوران. ثم ركّز على حديقة ماجوريل في مراكش والتي أسسها الزوجان معاً، وكانت لها مكانتها الخاصة في روحهما.

وهنا لا بد أن نذكر أن الكتاب ركّز كثيراً على العناوين وأسماء الأماكن ليس بصفتها الوظيفية كحاضن للأحداث التي خاضها بيرجي، إنما كفضاءات وعلامات ثابتة وراسخة، ما تزال زواياها وتفاصيلها شاهدة على الحميمية، البذخ، الفضول، والجبروت. هي ذاكرة توثيقية أراد كيرلاو أن يلقي بها في صفحاته لتدعم سيرة ذاتية يكتبها، ولتضفي على المناخ العام لدى القارئ، مزيجاً سحرياً من الحقيقة والخيال في آنٍ واحد.

اختفي لوران من حياة بيرجي تدريجياً، بانفصالهما، ثم بانعزاله في شقته الباريسية، وأخيراً بوفاته في العام 2002، حيث أُحرق جثمانه ودُفن في حديقة منزله المبهر في مراكش.

وفي أبريل 2017 تزوّج من ماديسون كوكس، صديقه المهندس الأمريكي الذي برع في تصميم حديقة جوريل في مراكش، والذي كان يعرفه منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما جاء إلى باريس لاستكمال دراسته. وهو اليوم مدير مؤسسة بيير بيرجي ـ إيف سان لوران.

خاتمة رجل أسطوري

انتهت حياة بيرجي يوم 8 سبتمبر عام 2017 في منزله في مدينة سانت ريمي الفرنسية. لكن سيرته باقية ولن تموت. ففي الفصل الأخير من القسم الثاني من الكتاب خلص كيرلاو إلى فكرة مؤلمة وغير عادلة حول موت رجال الأعمال ذوي التأثير الهام في العالم. فالأمر ببساطة أنه سوف يكون هناك سرد لمزايا المتوفى، حفل تأبين، استعراض سيرته الذاتية ببضعة سطور، عناوين عريضة في صحف "لوموند" أو "لو فيغارو" أو غيرها. ثمّ تغلق صفحات الرواية.

وباعتبار أن حياة بيير بيرجي ملحمة وليست مجرد قصة عادية، لم يرضَ له كيرلاو بمجرد تلك الخاتمة المتواضعة. فكتبت هذه السيرة الذاتية، كتوثيق وتحية منه إلى الرجل الأسطورة.

 

الكتاب: بيير بيرجي ـ من مختلف الزوايا

Pierre Bergé _ sous toutes les coutures

المؤلف: Yann Kerlau

الناشر: Albin Michel

المزيد من ثقافة