شبوة... قصة نصف حضارة اليمن القديم

وقوعها في قلب شبكة الطرق التجارية ساعد على ازدهار ممالكها الثلاث 

هناك ممن يهتمون بالتاريخ والحضارة اليمنية القديمة يقولون إنها تشكل نصف حضارة اليمن القديم، فمن أصل خمس ممالك عظيمة قامت في اليمن القديم كان في هذه المحافظة ثلاث منها، وهي أوسان وقتبان وحضرموت، فيما قامت مملكة سبأ فيما يسمى الآن بمحافظة مأرب، وقامت مملكة معين في محافظة الجوف.

الحديث هنا عن محافظة شبوة، مهد الحضارات اليمنية ومخزن آثار ومعالم حضارة الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، إذ تكتنز أراضيها اليوم بعشرات المواقع الأثرية المهمة من مدن تاريخية وحصون وقصور ومعابد وأسوار ونقوش ومخربشات لممالك شامخة كانت هنا. 

ثلاث ممالك عظيمة

أُطلق اسم شبوة على محافظة شبوة اليمنية، والتي كانت تعرف بالمحافظة الرابعة في سبعينيات القرن الماضي، مقتبسا من اسم شبوة في نقش قديم يعود إلى مدينة تاريخية قديمة تقع أسفل وادي عرماء، عاصمة مملكة حضرموت القديمة قبل الميلاد.

وبحسب الباحث المتخصص في تاريخ اليمن القديم  محمد السدله، شكلت هذه المساحة للمحافظة مع المساحات الأخرى للمحافظات الجنوبية من اليمن أهمية كبرى في إقامة ثلاث ممالك عظيمة (أوسان، قتبان، حضرموت)، والتي لعبت دورا مهما في تاريخ جنوب شبه الجزيرة العربية، نظرا لمزايا الموقع الاستراتيجي الهام بقربها من السواحل الجنوبية، حيث يوجد عدد من الموانئ البحرية وطرق التجارة البرية ومناطق إنتاج اللبان والبخور.

مملكة أوسان... تعاظم القوة  

يلخص السدله في حديثه مع "اندبندنت عربية" هذه الممالك العربية القديمة التي أقيمت على أرض شبوة الحالية، وفي مقدمتها مملكة أوسان التي أقيمت في وادي مرخة، والذي يعود تاريخها إلى القرن السابع قبل الميلاد، حيث يشير إلى أن أوسان في عهد ملكها (مرتع) تعاظمت قوتها وقويت شوكتها واتسعت حدودها على حساب جارتيها حضرموت وقتبان، مشكّلة دولة مترامية الأطراف تمتد من المعافر غرباً إلى وادي ميفعة وحبان وحجر شرقاً، وضمت إليها مناطق حيوية بالنسبة إلى حضرموت وقتبان، لعل أهمها تبن ودهس (يافع) ودثينة ويشبم ووادي جردان، إضافة إلى سيطرتها على المناطق الجنوبية حتى البحر.

ويضيف أن أوسان بتوسعها هذا أصبحت تشكل خطراً كبيراً، ليس فقط على جارتيها حضرموت وقتبان، وإنما على دولة سبأ التي كانت تتخذ من مأرب اليمنية عاصمة لها، وبالتالي هي الأخرى اسُتفزت من ذلك التوسع لتضرر مصالحها، فتحالفت حضرموت وقتبان مع كرب إل وتر مكرب (ملك) سبأ ضد دولة أوسان.

مملكة قتبان... ازدهار وتوسع

ومن الممالك التي قامت في شبوة أيضا، مملكة قتبان في وادي بيحان، وكانت عاصمتها تمنع، واستنادا إلى مخربشات وأثريات قديمة كشف عنها مستشرقون،  يرجع زمن الاستيطان في المدن القتبانية إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وخلال الفترة من القرن الرابع وحتى القرن الثاني ق. م شهدت قتبان عهد ازدهار، واتخذ حكامها لقب مكرب، بعد أن توسعت على حساب مملكة أوسان القديمة، وأصبحت تبسط سيطرتها على الشريط الساحلي الممتد من باب المندب حتى ما وراء عدن.

مملكة حضرموت... القوة الفاعلة

ثالث الممالك العربية القديمة تقع في وادي حضرموت الكبير، وكانت عاصمتها شبوة، وهناك من يرى أن ميفعة عاصمتها الأولى، ويرجع زمن ظهورها إلى الفترة الواقعة ما بين 1020 ق.م. و125م.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح السدله أن الفترة الواقعة بين القرن الرابع والقرن الأول ق.م هي فترة ازدهار مملكة حضرموت، ويتمثل ذلك في العلاقات التجارية التي أقامتها مع جيرانها، وبخاصة مع مملكة معين اليمنية.

 

ويلفت السدله أيضا إلى أن الفترة الواقعة بين القرنين الرابع والأول ق.م في تاريخ مملكة حضرموت هي فترة ازدهار وتطور، حيث أصبحت حضرموت من القوى الرئيسة الفاعلة في الساحة اليمنية، وشغلت مساحة جغرافية واسعة في جنوب شبه الجزيرة العربية، فحدودها كانت تمتد من أطراف قتبان غرباً (مشارق وادي بيحان) وحتى عُمان شرقاً، ومن البحر العربي جنوباً حتى صحراء العبر والربع الخالي شمالاً، وامتدت أيضاً عبر البحر إلى جزيرة سقطرى في المحيط الهندي.

شبكة طرق برية وبحرية

ويعزو الباحث المتخصص في التاريخ القديم ظهور الممالك العظيمة الثلاث في أراضي ما يسمى الآن بمحافظة شبوة إلى وقوعها في قلب شبكة الطرق  التجارية القديمة البرية والبحرية، والتي تبدأ من ميناء قنا على البحر العربي، وتمرّ عبر عواصم دويلات اليمن القديم، وأولها شبوة عاصمة حضرموت، وتمنع عاصمة قتبان، ومأرب عاصمة سبأ، وقرناو في الجوف عاصمة معين، ومنها إلى نجران شمالا.

ويؤكد أن ميناء قنا الواقع على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية يعد أهم موانئ الممالك اليمنية، وأقدم ذكر لميناء قنا جاء في التوراة سفر حزيقال 27/ 24،  ويعود ذلك السفر إلى القرن السادس قبل الميلاد، وقد حظي الميناء بشهرة عالمية فهو الميناء الرئيس لمملكة حضرموت والصالح للاتجار مع الهند وشرق آسيا وأفريقيا ومصر منذ أزمنة بعيدة، كما جاء ذكره في العديد من النقوش الميلادية المهمة التي تحكي عن الدور الاقتصادي والسياسي لذي لعبه هذا الميناء وأثره على سير الأحداث التاريخية.

ثروة قومية في غياب السياحة 

امتلاك محافظة شبوة ثروة تاريخية هائلة وكنوزا لا تعد ولا تحصى من الآثار  والمعالم، جعلها في سنوات مضت واحدة من المحافظات الجاذبة للسياحة الخارجية، غير أنها فقدت ذلك في السنوات القليلة الماضية.

وفي الوقت الذي يرى فيه مدير عام مكتب السياحة في شبوة اليمنية، جاسم الرويشان، أن وجود المعالم الأثرية القديمة كان أهم عوامل الجذب في قطاع السياحة في المحافظة في فترات مضت، إلا أنه يستدرك بأنه من البديهي أن يتوقف تدفق الأفواج السياحية الآتية من خارج اليمن في السنوات القليلة الماضية، بسبب تدهور الوضع الأمني واندلاع الحرب التي أشعلها الحوثيون وما خلفته من تراكمات خلال السنوات الخمس الماضية، من تدمير لمؤسسات الدولة المدنية والأمنية، واستخدام  عدد من المواقع الأثرية والحصون والقلاع التاريخية كمواقع حربية وتعريضها للهدم والاندثار.

ويسهب "نعمل دوما بالتنسيق مع وزارة السياحة وقيادة السلطة المحلية بالمحافظة على رفع الاحتياجات الملحة من مشاريع البنى التحتية والأساسية نحو مناطق الجذب الحضارية والأثرية لتوفير المناخ المناسب لجعلها قبلة السياحة بالمحافظة، كون المعالم الأثرية تعتبر من أهم عوامل الجذب لقطاع السياحة، حيث قمنا بإعداد قائمة من المشاريع الخدمية وفق برنامج العمل للعام الحالي، واستهداف عدد من المعالم الأثرية، ومنها (مدينة شبوة القديمة- مدينة تمنع الأثرية- مدينة حبان- هجر الناب)، والمتابعة جارية مع الجهات المعنية لضمان إيصال تلك المشاريع المزمع تنفيذها إلى المواقع التاريخية بالمحافظة".

ويضيف "نعمل في الوقت الراهن على إطلاق الدليل الإلكتروني السياحي الترويجي لمحافظة شبوة، والذي يحوي مادة تعريفية عما تمتلكه شبوة من إرث حضاري قديم، والتعريف بالمقومات الثقافية والفلكلور والموروث الشعبي في شبوة، ومن دون شك فغننا نسعى دوما للعمل على تحديث أساليب الترويج المتاحة واستخدام أفضل الوسائل لمواكبة التطور المستمر في قطاع الترويج السياحي لإبراز المنتج الحضاري والتاريخي الذي تمتاز به محافظة شبوة من خلال تحسين صورة المحافظة داخليا وخارجيا، بسبب الأحداث التي خلفتها الحرب والمتابعة لتوفير الدعم اللازم لقطاع السياحة بالمحافظة لإنتاج الأفلام الوثائقية والترويجية عن أهم مناطق الجذب السياحية والتاريخية وتوجيه السياحة المحلية نحو مناطق الجذب الاكثر استقرارا".

يخلص الرويشان إلى أن شبوة تعتبر من أفضل الوجهات السياحية نظرا لامتلاكها مقومات سياحية وتاريخية متعددة تلبي طموحات الوافدين إليها، وخصوصا هواة السياحة البحثية للمواقع الأثرية ومغامرات الصحارى عبر طرق التجارة القديمة والممتدة من مدينة شبوة الأثرية وحتى مدينة تمنع (هجر كحلان)، وزيارة المناطق البيئية والاستجمام والتعرف عن قرب إلى الفلكلور والموروث الشعبي والعادات والتقاليد الشبوانية الأصيلة .

 إعلام يغرد خارج السرب

"أنظر بحزن وألم وأسى تجاه ما يحدث لكنوزنا الأثرية، ويحز في نفسي أن نبقى مجرد متابعين بصمت دون أن نحرك ساكنا"، بهكذا يتألم الباحث في شؤون التاريخ والحضارة الشبوانية، علي البعسي، من حجم الإهمال والعبث بنصف حضارة اليمن القديم الذي يكمن في محافظة شبوة، وبهذا الصدد يقترح حزمة مقترحات،  تتمثل في دعوة أبناء شبوة إلى العمل التطوعي والمجتمعي في هذا الجانب عبر تأسيس منظمات وتجمعات مدنية تجمع كوادر المحافظة ونخبها من محبي التاريخ، بحيث تهتم هذه التجمعات بتوعية المجتمع، وعمل الدراسات والحلول للمشاكل التي تواجهنا في الحفاظ على تراثنا وتاريخنا.

ويدعو البعسي الحكومة "للقيام  بكامل مسؤوليتها تجاه الأمة وتاريخها عبر تفعيل جهات الاختصاص في هذا الجانب، حتى يساعد ذلك بنسبة كبيرة في الحفاظ على البقايا الأثرية، فلدينا الهيئة العامة للآثار والمتاحف التي  أسست لهذا الغرض، بالإضافة إلى التوسع أكثر في البحث في المناطق الأثرية وكشف الحقائق التاريخية التي ما زالت مجهولة في تاريخنا، لكن للأسف ما تتعرض له هذه الهيئة من إهمال وعدم اهتمام أدى إلى شلل تام في أدائها، وذلك انعكس سلبا على تاريخنا وآثارنا ولن يشهد هذا الجانب أي تحسن ما لم يفعّل دور الهيئة وبدعم واهتمام كامل، بالإضافة إلى تفعيل دور الجهات الأمنية في محاربة ظاهرة البيع والمتاجرة بالآثار ووقف العبث الحاصل في هذا الجانب".

اهتمام  وسائل الإعلام  بحضارة شبوة، بالنسبة إلى البعسي، كان غائبا، إذ يأسف من غياب اهتمامها بما تمتلكه شبوة من حضارة عظيمة بلغت الآفاق، وعدم مواكبة وسائل الإعلام اليمنية لمكانة تاريخ شبوة، وإن كانت هناك لفتات محصورة وجهود ذاتية من بعض إعلاميي المحافظة في فترات سابقة، تمثلت في مجلات   ثقافية محدودة حملت على عاتقها تسليط الضوء على تراث وتاريخ شبوة، إلا أنها للأسف توقفت عن الصدور، رغم ما يمتلكه الإعلام اليمني الحكومي والأهلي من وسائل إعلامية متعددة.