هل تضع محاكمة رموز نظام البشير حدا للانقلابات العسكرية في السودان؟

تُتهم قيادات الحركة الإسلامية في البلاد بتقويض النظام الدستوري عام 1989

الرئيس السوداني السابق عمر البشير (غيتي)

تشهد ساحة القضاء السوداني خلال الفترة المقبلة محاكمة رموز وقيادات الحركة الإسلامية في السودان، من المدنيين والعسكريين، وفي مقدمهم الرئيس السابق عمر البشير بتهمة تقويض النظام الدستوري، الذي كان قائماً على رأس حكومة ديمقراطية تم انتخابها برئاسة الصادق المهدي عام 1986، وذلك بتنفيذهم انقلاباً عسكرياً في 1989 مكث في سدة الحكم 30 عاماً. ويتوقع بأن تضع الأحكام الرادعة للمتهمين في هذه القضية والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام والمؤبد حداً لمسألة الانقلابات العسكرية التي تتربص بالأنظمة الديمقراطية في البلاد. إذ سبق أن نفذت ثلاثة انقلابات عسكرية منذ استقلال السودان عام 1956، في أعوام 1958 بقيادة إبراهيم عبود، و1969 بقيادة جعفر نميري، و1989 بقيادة البشير.

لجنة للتحقيق

واتساقاً مع هذه الخطوة، أصدر النائب العام السوداني تاج السر الحبر أخيراً قراراً بتشكيل لجنة للتحقيق والتحري في الانقلاب على السلطة الذي جرى عام 1989 بواسطة الرئيس البشير وتقويض الحكومة الديمقراطية وقتها. وأسند رئاسة اللجنة إلى رئيس النيابة العامة سيف اليزل محمد سري، وعضوية كل من وكيل نيابة أعلى أحمد النور الحلاء، واللواء شرطة معاش عابدين الطاهر، بجانب ممثل للشرطة، والمحامي ماجد عثمان إدريس. وتختص اللجنة بالتحري والتحقيق في وقائع انقلاب عام 1989 على الشرعية الدستورية.

وجاء في القرار "في سبيل إنجاز عملها، يكون للجنة اختصاصات النيابة العامة الواردة في قانون الإجراءات الجنائية السوداني لعام 1991 والنيابة العامة لعام 2017 أو أي قانون آخر ذي صلة". كما منح القرار لجنة التحقيق صلاحية الاستعانة بمن تراه مناسباً، على أن تستأنف قراراتها المقيدة للحرية في النفس والمال، للنائب العام أو أي دائرة يشكلها النائب العام لذلك الغرض خلال أسبوع من صدورها. وأعطى القرار النائب العام سلطة إعادة تشكيل لجنة التحقيق في انقلاب 1989 في أي وقت، على أن ترفع اللجنة تقريرها للنائب العام في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ بداية عملها، ويجوز للنائب العام تمديد أجل عملها لمرة واحدة أو أكثر، على أن تقدم تقارير دورية له عن سير عملها.

بلاغ جنائي

في غضون ذلك، دون فريق قانوني تكون بمبادرة من المحامي علي محمود حسنين قبل وفاته في مايو (أيار) الماضي بلاغاً جنائياً بحسب المادة 96 من قانون العقوبات السوداني ضد مدبري ومنفذي انقلاب 1989، أبرزهم بحسب الدعوى، البشير وعلي عثمان محمد طه ونافع علي نافع وعلي الحاج محمد وإبراهيم السنوسي وغازي صلاح الدين، ومعظم قيادات حزب الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي.

وحتى الآن استجوبت نيابة الخرطوم شمال، التي تباشر التحريات في الدعوى، عدداً من الشهود بمن فيهم رئيس الوزراء المنقلب عليه، الصادق المهدي، الذي مثل أمامها في وقت سابق برفقة وزير الدفاع في عهده مهدي بابو نمر، وقبلهما كانت النيابة قد استجوبت اللواء معاش فضل الله برمة ناصر، الذي عايش تلك الأحداث.

عقوبة الإعدام

ووفقاً للمتحدث باسم هيئة الاتهام في القضية الجنائية المرفوعة ضد قادة الحركة الإسلامية المحامي المعز حضرة، فإن الدعوى مفتوحة بتهم تقويض النظام الدستوري وفقاً للقانون الجنائي لعام 1983، مشيراً إلى أن النيابة استمعت لعدد من الشهود، وهناك قائمة تحوي عدداً كبيراً من الشهود يُنتظر أن تستمع إليهم، تمهيداً لتحويل الملف إلى المحكمة خلال الأيام المقبلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن المتهمين في الدعوى عدد كبير يشمل إلى جانب البشير عدداً من العسكريين والمدنيين المنتمين لتنظيم الإخوان المسلمين أو ما يسمى بالجبهة الإسلامية القومية، وقد تشمل قائمة الاتهام أيضاً كل من شارك الانقلابيين في الحكم بعد 30 يونيو (حزيران) عام 1989، مؤكداً أن هذه القضية تعد من أكبر الجرائم التي تصل فيها العقوبة وفقاً للمادة 96 إلى الإعدام.

وأشار حضرة إلى أنه بحسب القوانين السودانية التي كانت سائدة وقتها، يعد تقويض النظام الدستوري جريمة جنائية، يحاكم من يدان بها بالعزل السياسي، لذلك سيعزلهم القانون، ولن نحاكمهم وفقاً للقوانين التي كانوا يحاكمون بها المعارضين، مبيناً أن جريمة تقويض النظام الدستوري تعد واحدة من الجرائم الموجهة ضد الدولة، التي كانت تستخدمها حكومة البشير، في ترويع ومحاكمة معارضيها من الوطنيين والسياسيين.

وتنص المادة 50 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991، على أن من يرتكب أي فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد، أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله.

انتهاك للدستور

وتوقع ناشطون حقوقيون أن يصدر القضاء السوداني الذي يتمتع الآن بالاستقلالية والحيادية التامة أحكاماً رادعة في هذه القضية، التي تمثل انتهاكاً صارخاً للنظام الدستوري الذي كان قائماً في البلاد آنذاك، ما يضع حداً للانقلابات العسكرية ضد الأنظمة الديمقراطية المنتخبة من الشعب مباشرة.

وأوضحوا أن مثل هذه القضايا لا تسقط بالتقادم، وستشكل قاصمة ظهر للحركة الإسلامية في السودان، لافتين إلى أن هذه المحاكمات ستجد الاهتمام الكبير من الشعب السوداني.

والجدير بالذكر أن هذه المحاكمات التي ينتظر أن يخضع لها قادة حزب الجبهة الإسلامية القومية ليست الأولى من نوعها في تاريخ السودان. إذ أجريت محاكمات، عقب انتفاضة أبريل (نيسان) 1985، لرموز وقيادات نظام مايو بقيادة الرئيس السابق جعفر نميري لتقويضه النظام الدستوري في 1969، ومن أبرزهم النائب الأول لنميري الفريق عمر محمد الطيب الذي حكم عليه بعقوبة الإعدام، لكنه حصل على عفو عام في ما بعد.

المزيد من العالم العربي