معرض فني بالقاهرة... ريشة المبدعين المستشرقين توثق الأماكن العربية القديمة

لوحات الفنانين جسَّدت الريف والحضارة المصرية... واحتفت بالمقدسات الدينية بالسعودية وفلسطين

مكة المكرمة في لوحة جرافيك بعيون مستشرق فرنسي (اندبندنت عربية)

لطالما مثَّل الشرقُ لفناني الغرب عالماً من السحر، وتجربة ثرية مليئة بالغموض تدفعهم إلى الاستكشاف، فسحر التفاصيل الشرقية في المدن العربية وغرابة عالم الصحراء ظلا تحدياً بالنسبة إلى المستشرقين الذين قَدِموا إلى هذه البلاد، مدفوعين برغبة الاستكشاف وتقديم أعمال فنية برؤى مغايرة وبوجهة نظر حملت روح الشرق بعيون غربية.

المستشرق الفنان لا يعتمد فقط على رؤيته الفنية، إنما ينظر أيضاً بعين الباحث والمنقّب عن الجمال والتفاصيل برؤية مغايرة عن المقيم بالمكان منذ الميلاد، فصار جزءاً من حياته وتكوينه وشخصيته.

وتحت عنوان (الشرق في عيون الغرب) يُقام معرض فني بالقاهرة، يضم أعمالاً فنية لمستشرقين في فترة القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتتنوّع الإبداعات الفنية ما بين التصوير الزيتي والأكوريل والباستيل، ولوحات اُستخدم فيها التصوير الفوتوغرافي لمناظر من مدن عربية، مثل القاهرة ومكة المكرمة والمدينة المنورة ويافا.

توثيق وتأريخ
عن فكرة المعرض وكيفية تنفيذها يقول مصطفى عز الدين صاحب غاليري (ليوان) الذي يقام فيه المعرض، "بدأ شغفي بأعمال المستشرقين منذ قراءتي مجلد (مصر في عيون الغرباء) للدكتور ثروت عكاشة عام 1984، ومن وقتها جمعتُ هذه اللوحات من المقتنين والمزادات حتى تكوَّنت لديّ مجموعة لا بأس بها، فقررت إقامة المعرض لعرض مقتنياتي وآخرين راقت لهم الفكرة، ويضم المعرض لوحات لمستشرقين فرنسيين وإنجليز وإيطاليين وآخرين من جنسيات أخرى متعددة".

 

ويضيف، في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "نهدف من خلال المعرض إلى تعريف الناس بمثل هذه النوعية من الفنون، فالفن من أدوات التوثيق والتأريخ لمكانٍ معينٍ وظروفٍ معينة، وهذا ما قام به المستشرقون في لوحاتهم المختلفة، إذ مثلوا مرحلةً مهمةً في مجال الفنون ومدرسة فنية كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في الفن بشكل عام استلهم منها الفنانون في كل دولة مرّوا بها، وتأثر كثير منهم بأسلوب لوحات المستشرقين الذين قدّموا أعمالاً فنية تعكس مشاهد من طبيعة الحياة بكل مفرداتها وتفاصيلها التي تمثل المجتمع الشرقي، لكن بعيون غربية".

أماكن مصرية
مدينة القاهرة بتفاصيلها وسحرها وشوارعها كانت مادة ثرية وملهمة لكثيرٍ من المستشرقين، الذين جسّدوها في لوحات ظلّت شاهدة على عظمة الحضارة في هذا الوقت، منها ما جسَّد الأهرامات وحضارة مصر القديمة، وأخرى ركّزت على مساجد ومنازل وسُبل وأبواب تاريخية للقاهرة، وعن تلك اللوحات يقول مصـطفى عـز الدين، "يضم المعرضُ مجموعة كبيرة من لوحات المستشرقين للقاهرة. توجد لوحة المبدع الإنجليزي الشهير سير ويليام آشتون (باب زويلة)، الذي يظهر من خلاله سبيل نفيسة البيضا ووكالتها الشهيرة بوكالة الشمع، ولوحات المستشرق باسكال كوست التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وتظهر تفاصيل الحياة في القاهرة من حيث المباني والشوارع والحرف مثل لوحة (الحلاق)".

 

وأضاف عز الدين، "لم يقتصر اهتمام المستشرقين فقط على القاهرة، إنما قدّموا لوحات من كل ربوع مصر، إذ توجد أعمالٌ لمناظر ريفية مليئة بالخضرة والمنازل وتفاصيل الحياة الريفية، ولوحات من جنوب مصر يظهر فيها نهر النيل والنخيل ومعبد فيلة، وعموماً السمة الغالبة على أعمال المستشرقين هي المناظر الطبيعية وتوثيق الأماكن والحرف والعادات التي تشتهر بها البلد، ما جعل لهذه اللوحات دوراً تأريخياً وتوثيقياً كبيراً لحقب زمنية معينة، وهذا هو أحد أدوار الفن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقدسات دينية
ويضم المعرض عدة لوحات بخامات مختلفة، تقدم مناظر عامة بخامات مختلفة لمدينتي مكة والمدينة المنورة اللتين تمثلان قيمة كبيرة لكل المسلمين، وبالطبع جذب ذلك المستشرقين الذين أبدعوا أعمالاً تمثل المدينتين، يقول عز الدين، "اللوحات التي تمثل مكة والمدينة المنورة نادرة، منها لوحة جرافيك لمستشرق فرنسي للكعبة المشرفة والمنطقة المحيطة بها بشكلها القديم، حيث تظهر المنازل البسيطة في المنطقة المحيطة والطرق المؤدية إلى الكعبة تحيطها الجبال، ويظهر فيها جموع الحجاج الداخلين إلى الكعبة، وهو مشهد توثيقي نادر لهذه المنطقة، وأضاف الفنان أسماء أشهر الأماكن أسفل اللوحة ليدعمها بذكر تفاصيل هذه المنطقة في هذه الحقبة الزمنية".

 

وتابع، "توجد لوحتان تعودان إلى القرن التاسع عشر، اُستخدم فيهما التصوير الضوئي، تظهر إحداهما الكعبة المشرفة، والأخرى مشهد من المدينة المنورة، وهاتان اللوحتان نادرتان، لأن استخدام التصوير الفوتوغرافي في هذا الوقت كان شديد الصعوبة في التنقل بالكاميرا التي كان وزنها كبيراً جداً، والتحرّك بها أمر ليس هيناً قبل اختراع الكاميرات الأصغر حجماً".

مدارس فنية
وأضاف عز الدين، "المستشرقون انتشروا في معظم بلدان العالم العربي، ونقلوا تفاصيل هذه البلدان من خلال أعمالهم، ويضم المعرض لوحة جرافيك للمستشرق ديفيد روبرتس لمدينة القدس عام 1839، ولوحة أخرى لبوابة مدينة يافا الفلسطينية عام 1892، وهي أحد الأبواب السبعة لمدينة القدس القديمة".

 

واستكمل، "المستشرقون أثّروا وتأثروا بالأماكن التي عاشوا فيها، أثروا بوصفهم مدرسة فنية من ناحية، وبأعمال أصبحت كنزاً للباحثين عن تفاصيل هذه المرحلة، ومن ناحية أخرى أدخلوا بعض الأدوات الفنية التي ربما لم تكن معروفة مثل التصوير الضوئي"، موضحاً "يضم المعرض لوحات للمستشرق الألماني أندريه د . ريزير الذي قَدِم إلى مصر، وعاش بالإسكندرية منذ عام 1884، وتخصص بعدها في التصوير الذي كان في بداياته بمصر خلال هذا التوقيت".