Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يانيك هانيل يروي أزمة المعلمين والطلاب في فرنسا

رواية رائجة تتناول معاناة المؤسسة التربوية وانهيار رسالة التعليم

طلاب فرنسيون يواجهون الشرطة (أ ف ب)

ملخص

هل يستطيع معلم يقف وحيداً أمام تلاميذه أن يغيّر شيئاً في علاقتهم بالحياة وأن يفتح أمامهم نافذة على عالم آخر يتجاوز ضيق الواقع وعنفه ورتابته؟ وما الذي يبقى من رسالة المعلّم حين تتآكل مكانته الاجتماعية ويجد نفسه محاصراً بين سلطة إدارية لا تفهمه، ومؤسسة تربوية مثقلة بأزماتها، وعالم لم يعد يمنح المعرفة مكانتها في المجتمع؟

 لعل هذه الأسئلة، بما تنطوي عليه من قلق تربوي ووجودي هي التي تشكّل الخلفية العميقة لرواية الكاتب الفرنسي يانيك هانيل "وحدة المعلّمين لا تنتهي" (منشورات "غاليمار"، 2026) التي نالت جائزة "فيمينا" لهذا العام، بعدما حضرت بقوة في قوائم جائزة غونكور، لتكون من أبرز الأعمال التي استوقفت النقّاد والقرّاء في الموسم الأدبي الفرنسي.

أبدأ من عنوان الرواية الذي لا يتحدث عن عزلة المعلم على مستوى الشعور بالوحدة المرافق لحياته المهنية، أو وصف الحالة الاجتماعية المرتبطة بمهنة فقدت شيئاً من هيبتها واعتبارها، إنه عنوان يحيل إلى وحدة تتصل بفعل التعليم نفسه، أي وقوف الأستاذ أمام صفٍّ من التلاميذ حاملاً إليهم علوماً ومعارف يؤمن بقيمتها، دون أن يدرك على وجه اليقين ما الذي سيصل إليهم منها، أو أي أثر ستتركه كلماته في نفوسهم. فالمعلّم يعطي الدروس ويشرحها ويناقش أفكارها، محاولاً استثارة فضول طلابه وخيالهم، لكنه لا يملك أن يتحكم في نتائج تعليمه. فما بين العلوم والمعارف التي تُعطى والأثر الذي قد تحدثه في النفوس مسافة لا يمكن اختصارها. إنها المسافة التي تجعل التعليم فعلاً محفوفاً بالمجهول، وتمنحه في الوقت عينه شيئاً من سموّه.

تعود الرواية إلى تسعينيات القرن الماضي، مستعيدةً تجربة الروائي نفسه في التعليم، من خلال شخصية جان ديشيل، أستاذ اللغة الفرنسية (22 سنة)، الذي يلتحق كمعلمٍ متدرّب في تكميلية "سان إكزوبيري" في مدينة "مانت لا جولي"، الواقعة شمال غربي العاصمة الفرنسية.

يحمل الأستاذ إلى صفوفه شغفاً بالأدب والشعر، وإيماناً بأن المعرفة ليست مجموعة من المعلومات ينبغي تلقينها للطالب. إنها إمكانية تفتح الوجود على احتمالات جديدة. فجان ديشيل شاب مفتونٌ بجمال الطبيعة، مأخوذ بسحر اللغة والآداب والمعارف والأفق الذي تمنحه القراءة للإنسان. ويأمل أن يتحدث إلى تلاميذه عن القصائد والروايات والبحار والأشجار والعصافير والأشياء التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

البيروقراطية التعليمية

لكن هذه الرؤية الجميلة للتعليم سرعان ما تصطدم بواقع المؤسسة التربوية. فالمعلّم الجديد يكتشف أن التعليم لا يقوم دوماً في الظروف التي تسمح بتحقيق رسالته، إذ تحاصره الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، والتوترات داخل المدرسة، والشكوك التي يبديها بعض زملائه، فضلاً عن صعوبة ضبط الصف، والتعامل مع مظاهر العنف واللامبالاة التي يبديها بعض التلامذة غير القادرين على متابعة الدروس بانتباه. فنسبة كبيرة منهم لم تعد تقرأ أو تجد صعوبة في التعبير عن أفكارها وفق أبسط قواعد المنطق، لا سيما تلك التي تعيش في الأحياء الشعبية المهمشة أو تلك التي يقطنها مهاجرون يعيشون في أوضاع اجتماعية هشّة، فضلاً عن دخول الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والشاشات والكاميرات الرقمية في فضاء الحياة اليومية والمدرسية.

 ومنذ اللقاء الأول بمدير المدرسة، تتكشف المسافة بين رؤيتين تربويتين متعارضتين: رؤية ترى في المدرسة فضاءً ينبغي ضبطه وإخضاعه لمنطق الانضباط، وأخرى تؤمن بأن علاقة الأستاذ بتلاميذه لا يمكن أن تقوم على الخوف، وأن التعليم يحتاج إلى الثقة والخيال والقدرة على الإصغاء للآخر.

لكن هانيل لا يحوّل روايته إلى مرافعة اجتماعية عن تدهور حال المدرسة في فرنسا، ولا يختزلها في وصف الصعوبات التي يواجهها المعلمون في المدارس الواقعة في ضواحي المدن الفرنسية. فالمسألة عنده تتجاوز سوسيولوجيا التعليم، على رغم أن الواقع الاجتماعي والسياسي حاضر بقوة في خلفية الرواية. ما يشغله تحديداً هو هذا التوتر القائم بين الحياة كما تُفرض على الإنسان، والحياة التي يتطلع إلى عيشها، بين الضرورة اليومية التي تستنزف طاقته، والرغبة في الاحتفاظ بمساحة داخلية تظل فيها الحرية والجمال والإبداع ممكنة.

من هذا المنظار، تكتسب شخصية جان ديشيل دلالتها الروائية. فهو ليس صورة عن الكاتب في شبابه وحسب، إنه قرينه الأدبي الذي سبق أن ظهر في عدد من رواياته، لكنه عاد ههنا ليحمل تجربة أكثر التصاقاً بالسيرة الذاتية. يقول هانيل إنه ديشيل، ولكن بصورة أفضل وأسوأ في آن واحد. إنه شخصية تتجاوز صاحبها وتذهب أبعد منه في اندفاعها ومثاليتها ومغامراتها. ولعل هذه المسافة بين المؤلف وقرينه الأدبي هي التي تتيح للروائي أن يستعيد الماضي دون أن يقع في أسر الشهادة المباشرة أو السيرة التوثيقية. فالذاكرة لا تستعيد ما حدث كما وقع فعلاً، بل تعيد تشكيله، وتمنحه معنى لم يكن ممكناً إدراكه لحظة حدوثه.

يقول هانيل في الرواية إن "الكتابة هي العودة". والعودة ليست حنيناً إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لفهم ما تركه الماضي في الذات. فبعد أكثر من 30 عاماً، يعود الراوي إلى أعوامه الأولى في التعليم، مستحضراً ما كان يحرّكه ويجعله يستمر في التعليم الثانوي مدة تسعة أعوام. فها هو ذا يستعيد القلق والإرهاق إلى جانب تلك اللحظات النادرة التي كان فيها الدرس ينجح، ويحدث شيئاً يتجاوز التوقعات: تلميذ يرفع رأسه فجأة، وجه يضيء لأنه فهم، أو قصيدة تفتح في ذهن أحدهم باباً لم يكن يعرف بوجوده. في تلك اللحظات القليلة يصبح الصفّ فضاءً لاكتشاف العالم.

القراءة والقواعد

هذا الإصرار على عدم الفصل بين التعليم والشعر هو أجمل ما في الرواية. فالشعر ليس مادة إضافية يمكن للأستاذ أن يدرّسها إلى جانب مقرّرات القراءة والقواعد والإنشاء ودراسة النصوص الأدبية. إنه طريقة في النظر إلى الأشياء، وفي استعادة كثافتها ومعناها. لذلك يبدو جان ديشيل أقرب إلى شاعر يحاول أن يعلّم منه إلى موظف يؤدي واجباً مهنياً. إنه يحمل إلى الصفوف شيئاً من عوالم رامبو، ومن سفره الداخلي في الكتب والقصائد، ومن انشغاله بالأسئلة الوجودية والروحية والفلسفية. وفي هذا السياق، تتحول الأدبيات التي يستحضرها، من سفر "نشيد الأنشاد" إلى كتاب "الزوهار" وتعليقاته الصوفية على المعاني الباطنة للعهد القديم، إلى علامات على بحثه عن لغة تستطيع أن تتجاوز المألوف، وأن توقظ في الآخرين الرغبة في المعرفة.

ولئن كانت المدرسة في الرواية فضاءً للعنف والاختناق أحياناً، فإنها تظل أيضاً مكاناً لاحتمال حدوث المعجزة الصغيرة. فهانيل لا ينكر قسوة واقع المدرسة، ولا يتغاضى عن الإنهاك الذي يرافق مهنة التعليم، لكنه يرفض أن يكون هذا الواقع السلبي صاحب الكلمة الفصل. هذا ما يفسر إصراره على استعادة ذكرى اغتيال الأستاذ صموئيل باتي عام 2020، ثم الأستاذ دومينيك برنار عام 2023، بوصفهما حدثين أعادا للواجهة سؤال مكانة المعلّم وأمنه، وما يتعرض له من عنف وتهميش. لقد شعر الكاتب، بعد هاتين الجريمتين البشعتين، بالحاجة إلى الكتابة عن عزلة الأساتذة، وعن ذلك التخلي الذي قد يواجهونه في أداء رسالتهم. لكن استحضار هذه الوقائع لا يحوّل الرواية إلى نص سياسي مباشر، فهانيل يحاول أن يلامس المأساة من داخل التجربة الإنسانية، وأن يجعل من الذاكرة وسيلة لمواجهة النسيان.

وتتخذ الرواية من بعض التفاصيل اليومية صوراً رمزية تتجاوز ظاهرها. فالمزهريّة الثمينة التي يحطمها جان ديشيل خلال حفلة نهاية العام الدراسي، في مشهد ساخر ومربك، ليست حادثة عابرة تترتب عليها تبعات مالية وتحرم الأستاذ الشاب من عطلته التي كان ينتظرها في إيطاليا. إنها صورة تتكرر أصداؤها طوال العمل، حتى تصبح المزهريّة المحطمة استعارة للرواية نفسها: شظايا متناثرة، ومحاولة لجمع ما تكسّر وإعادة تشكيله بالكلمات. كأن الكتابة لا تبدأ إلا حين يحدث الانكسار، وحين يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى مواجهة ما تبقى من تجربته، والبحث عن معنى في حطامها.

ومن الصور اللافتة في الرواية أيضاً الغرفة الصغيرة التي يقيم فيها ديشيل، والتي كانت في الأصل غرفة مراقبة لنادي لعبة التنس. فمن خلف واجهتها الزجاجية المطلة على الملاعب، وبين خضرة الأشجار وألوان التراب البرتقالي، يعثر الشاب على مساحة تخصّه، وعلى مشهد يذكّره أن الجمال قد يظهر في أكثر الأمكنة تواضعاً. هنا تتقاطع عين الأستاذ مع عين الكاتب، فكلاهما يحتاج إلى موقع يستطيع منه مراقبة العالم، والتقاط ما يتفلت من النظر العابر. وبهذا المعنى تصبح الطبيعة امتداداً لذاك العالم الداخلي الذي يحاول البطل حمايته من الاستنزاف اليومي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الوحدة التي يحملها عنوان الرواية فتتخذ وجهاً مزدوجاً، إذ تحيل إلى عزلة المعلّم الذي يقف وحده أمام تلاميذ لا يعرف ما الذي سيستقر في ذاكرتهم من تعليمه، وتحيل أيضاً إلى عزلة الكاتب والروائي الذي يحاول أن يعثر على الكلمات المناسبة لما يصعب التعبير عنه. وفي الحالتين، لا يكون الفعل الحقيقي مضمون النتائج، فالأستاذ لا يعرف أي قصيدة ستبقى في ذهن التلميذ بعد أعوام، والكاتب لا يعرف أي جملة ستلامس قارئاً أو تغيّر شيئاً في نظرته إلى الحياة. ومع ذلك يستمر الاثنان في المحاولة، لأن قيمة الفعل لا تُقاس دوماً بما يحققه، بل بما يفتحه من إمكانات.

لا تقتصر إذاً "وحدة المعلّمين لا تنتهي" على التذكير بأهمية مهنة التعليم، إنها رواية عن الإنسان الذي يختار أن يمنح الآخرين شيئاً يؤمن به، على رغم إدراكه أن العطاء لا يضمن الاستجابة، وأن الإخفاق جزء من التجربة. وهي، بهذا المعنى، رواية عن اختبار الواقع، واختبار اللامبالاة، واختبار المثابرة: كيف يواصل المرء العطاء حين لا يجد من يصغي إليه؟ وكيف يحافظ على شغفه حين تصرّ المؤسسات على تحويل رسالته إلى وظيفة، وحين يهدد العنف بإفراغ المعرفة من بعدها الإنساني؟

لعل الجواب الذي يقترحه يانيك هانيل يكمن في تلك اللحظات الخاطفة التي يضيء فيها وجه تلميذ، أو تستعيد فيها كلمة معناها، أو تفتح قصيدة طريقاً إلى العالم. فليس كل شيء في التعليم إخفاقاً، والجمال لا يلغي المأساة، لكنه يمنعها من احتكار الوجود. هنا يكمن جمال الرواية في دفاعها عن الشعر والأدب واستعادة الإيمان بالمعرفة دون الوقوع في خطاب الوعظ أو التفاؤل الساذج، ودون إنكار صعوبات الواقع التعليمي ليس فقط في فرنسا، بل في كل أنحاء العالم في زمن بَخَّس من قيمة الآداب والعلوم الإنسانية لمصلحة التكنولوجيا والكسب المالي السريع.

في الختام، تبقى من قراءة الرواية صورة رجل يحاول، بكل ما أوتي من قوة ومثالية، أن يحفظ في داخله مساحةً للجمال والفكر والأمل. ولعلّ عزلته كمعلّمٍ، بما تنطوي عليه من ألم وتعب وتخلٍّ، تتحوّل إلى إمكان لاكتشاف الحرية الداخلية. فما يبدو فعلاً فردياً عابراً قد يكون، في حياة إنسان آخر، بداية تحوّل لا يمكن قياسه أو توقّع مداه.

في عالم تتّسع فيه مساحات العنف والضجيج، وتضيق فيه مساحات الإصغاء والتأمّل، يذكّرنا يانيك هانيل بأن نقل المعرفة ليس مجرّد مهنة، إنه مسؤولية تجاه الحياة نفسها، والمعلّم، حين ينجح في إيقاظ شغف تلميذ واحد، يكون قد أنجز ما يتجاوز حدود الدرس والصّف والمنهج.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة