ملخص
شكل حسن علاء الدين الملقب بـ"شوشو" ظاهرة فريدة في تاريخ المسرح اللبناني، سواء في استمرارية عمله أو في قدرته على الاستقطاب ما بين منتصف الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي شكلت العصر الذهبي للمسرح اللبناني في رأي مؤرخي المسرح والنقاد.
لعل فرادة ظاهرة شوشو، معطوفة على عوامل أخرى، هي التي حدت بالكاتب فارس يواكيم إلى وضع كتابه "شوشو في الذاكرة" الصادر عن دار الفرات في بيروت، ومن هذه العوامل رغبة المؤلف في تدارك ما وقع فيه الكتاب الآخرون من أخطاء، ورواية الحقائق وفق ما عرفها، والوفاء لمن يعده صاحب فضل عليه، على حد تعبيره في بداية الكتاب.
وإذا كان العنوان يقتصر على الذاكرة مصدراً لمادة الكتاب الأولية، فإن المتن يشي بتعدد المصادر، من قبيل: الدارسين المتخصصين والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والمعايشة الميدانية، والمنقولات السماعية وأصدقاء شوشو وغيرها. ولعل هذا التعدد هو الذي يمنح مادة الكتاب الأولية صدقيتها، ويأتي تشكيلها من قبل المؤلف بلغة رصينة ليضفي عليها مزيداً من الصدقية والموضوعية، ولعل الكتاب لم يكن ليوجد لولا علاقة العمل والصداقة التي جمعت بين الكاتب والممثل، واستمرت نحو عقد من الزمان بين عامي 1967 و1975، مما سمح للكاتب الوقوف على كثير من الوقائع والتفاصيل المتعلقة بالممثل ومسرحه اليومي وأعماله المسرحية وفرقته الفنية والمخرجين والكتاب الذين تعاون معهم، وبذلك يصح في الكتاب القول المأثور: "شهد شاهد من أهله".
عمل وصداقة
على أن العلاقة بين يواكيم وعلاء الدين، وفق ما يتضح من الكتاب تبدأ صيف 1967 حين طلب أنسي الحاج من الأول أن يحضر مسرحية "الدكتور شوشو" للثاني ويكتب عنها، فشكلت هذه الواقعة بداية صداقة بين الطرفين، راحت تتمظهر في لقاءات ليلية أحياناً داخل مقاهي الروشة، وفي قيام يواكيم بكتابة عدد من مسرحيات شوشو، وفي تفويض الأخير الأول بعض الأعمال الإدارية المتعلقة بالمسرحيات والمسلسلات والأفلام. ومن يذكر أن تلك العلاقة قد آتت كثيراً من الثمار، وكتاب "شوشو في الذاكرة" هو ثمرة متأخرة لتلك العلاقة الموغلة في القدم.
الإطار التاريخي
ضمن كتابه يضع يواكيم حركة شوشو المسرحية في إطارها التاريخي، فهي نشأت خلال ستينيات القرن الماضي، وهي حقبة تاريخية خصبة بلغت فيها مدينة بيروت أوج ازدهارها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وشكلت مصرف العرب ومستشفاهم ومطبعتهم وجامعتهم وصحيفتهم. وفي هذه الحقبة أسس شوشو المسرح الوطني اليومي في شارع بشارة الخوري، بالتعاون مع هنري شقير ونزار ميقاتي، وشكلت مسرحية "شوشو بك في صوفر" باكورة عروضه في نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، واستمر هذا المسرح في تقديم عروضه طوال 10 أعوام في ظاهرة لم تشهد لها بيروت مثيلاً.
ثم توالت الفرق المسرحية الأخرى على تقديم عروض دورية، مما جعل المؤلف يعد "الحقبة ما بين منتصف الستينيات ومنتصف السبعينيات عصراً ذهبياً في تاريخ المسرح اللبناني"، وبذلك يزاوج في كتابه ما بين سيرة شوشو الذاتية وحركته المسرحية الناشطة، فنتعرف معه إلى تلك الشخصية الاستثنائية من جهة، وإلى الحركة المسرحية التي لعبت تلك الشخصية دوراً محورياً فيها، من جهة ثانية.
السيرة والشخصية
في سيرة شوشو وشخصيته، يشير يواكيم إلى تحدره من قرية جون الشوفية وولادته داخل بيروت خلال فبراير (شباط) 1939 لوالده خضر علاء الدين، المؤيد لرئيس المجلس النيابي في حينه أحمد الأسعد والمنخرط في حزب النهضة الذي أسسه، ووالدته نوار حيدر المتحدرة من عائلة بعلبكية عريقة، وزواجه من فاطمة محمد شامل خلافاً لرغبة الأخير، وهو الذي يعود له فضل اكتشاف شوشو وإطلاقه، مما جعله يقصيه عن برامجه الإذاعية والتلفزيونية خلال تلك المرحلة، لتعود المياه إلى مجاريها بينهما لاحقاً.
وتتمظهر تلك العودة في تعاون مسرحي بين الصهر والعم، وهذا في السيرة. أما في الشخصية، فيرسم يواكيم بورتريه خاجياً وداخلياً لشوشو، إذيبرز فيه: نحول جسده ومرونته وكبر شاربيه وكثرة إصغائه وقلة كلامه، وإدمانه على التدخين وإكثاره من شرب القهوة وإقلاله من الطعام، وانفتاح روحه ويقظة عقله وقدرته على إضحاك الآخرين وإغراقه في الحزن وغيرها، وبذلك نكون إزاء خلطة شخصية متعددة الملامح والمواصفات إلى حد التناقض والاختلاف، في بعض الأحيان.
المراحل المتوالية
في حركته المسرحية يقسم يواكيم تلك الحركة إلى مراحل مختلفة، لكل منها مسرحياتها ومخرجها وكاتبها، ويبدأها بمرحلة المخرج نزار ميقاتي الذي أسس معه شركة المسرح الوطني اليومي واستمرت خمسة أعوام قدما خلالها 12 مسرحية، حظي بعضها بنجاح منقطع النظير كمسرحيات "شوشو بك في صوفر" و"شوشو عريس" و"الحق ع الطليان"، وجميعها مقتبسة المسرح الغربي وأخرجها ميقاتي ولبننها وأعدها للتمثيل، حتى إذا ما انتهت هذه المرحلة بالانفصال بين الطرفين تتعدد رواية الأسباب التي آلت إلى هذه النهاية، فيعزوها محمد كريم إلى اختلاف المفاهيم المسرحية بينهما، ويردها عمر ميقاتي، ابن نزار، إلى أسباب صحية ويحيلها فاروق الجمال إلى تنازعهما أسباب النجاح، وهذه الرواية الأخيرة يتبناها مؤلف الكتاب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المرحلة الثانية التي يرصدها يواكيم في حركة شوشو المسرحية هي مرحلة المخرج بيرج فازليان التي بدأت بمسرحية "اللعب ع الحبلين" التي اقتبسها ريمون جبارة عن غولدوني وأعدها للتمثيل وجرى عرضها في الـ28 من سبتمبر (أيلول) 1970، تزامناً مع وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، مما جعل الجمهور يخرج من الصالة في الفصل الثاني من المسرحية. وبلغ عدد المسرحيات التي أخرجها فازليان خمس مسرحيات أعدها ريمون جبارة ووجيه رضوان وفارس يواكيم، ناهيك بمسرحيتين للأطفال كتبهما الأخير ومحمد شامل.
المرحلة الثالثة في حركة شوشو المسرحية لا يربطها المؤلف بمخرج بعينه، فخلال هذه المرحلة يتعدد المخرجون ومنهم محمد كريم ومحمد شامل ومحمد سلمان وروجيه عسافم ونقولا أبو سمح وغيرهم، بينما يستأثر فارس يواكيم بعملية الكتابة اقتباساً وإعداداً وتأليفاً، ما جعله يروي حكايات كانت وراء عدد من المسرحيات، فيشير إلى كتابة مسرحية "فرقت نمرة" في ثلاثة أيام، وإلى جمعه بين الاقتباس والإعداد في مسرحية "جوه وبره"، وإلى اعتماد صيغة النجم الأكبر وحوله عدد من النجوم الآخرين في مسرحية "فوق وتحت"، على سبيل المثال لا الحصر.
ومن يذكر أن حركة شوشو المسرحية، بمراحلها الثلاث، تمخضت عن عدد كبير من المسرحيات ذكر بعضها أعلاه، وبعضها الآخر هو: "حديث المدينة" و"حبل الكذب طويل" و"طربوش بالقاشوش"، "وصلت إلى التسعة وتسعين"، و"حياتي" و"آخ يا بلدنا" و"خيمة كراكوز"، و"الدنيا دولاب" و"واحد، اثنان، ثلاثة" وغيرها. والمفارقة أن شوشو هو المحور في جميع مسرحياته، فقد طغى لقبه على اسمه ومسرحه والمخرجين والممثلين، إلى حد أن غادة السمان أشارت في إحدى مقالاتها أنها طلبت من سائق تاكسي أن يوصلها إلى "المسرح الوطني"، فلم يعرف العنوان، وحين ذكرت له اسم شوشو أوصلها إلى باب المسرح.
وعلى طغيان اسم شوشو على ما عداه من أسماء، فإن يواكيم لم يقصر كتابه عليه، وإن كان هو محور الكتاب، بل تعدى ذلك ليحكي جوانب من سيرته الذاتية، ومن سير نزار ميقاتي وبيرج فازليان ومازن علاء الدين، ووجيه رضوان وفؤاد العشي وسمير فوزي، وغيرهم من العاملين وراء الكواليس. وأفرد في كتابه صفحات لنشاط شوشو التلفزيوني والسينمائي ووضعه الصحي، وتراكم الديون عليه ودور الصحافة في مواكبة حركته المسرحية.
يكشف كتاب "شوشو في الذاكرة" عن ظاهرة فنية مسرحية فريدة، ويضع الأمور في نصابها ويلقي الضوء على العصر الذهبي للمسرح اللبناني، ويبين أن فارس يواكيم حارس أمين على ذاكرة الإبداع اللبناني، لا سيما المسرحي منه. وعليه، يستحق الكتاب القراءة، ويستحق الكاتب التقدير.