ملخص
أعلنت الحكومة السودانية أخيراً عن إجراءات ومحاولات لتأمين دفعات من البنزين والغازولين وغاز الطهي ووقود الطائرات لتغطية العجز، وسط وعود بتحسن تدفق الإمدادات وتراجع الطوابير تدريجاً.
تشهد المدن السودانية هذه الأيام أزمة وقود حادة ومتفاقمة، تسببت في تكون طوابير طويلة أمام محطات التزود بالبنزين والغازولين وانتعاش واسع للسوق السوداء، فضلاً عن إحداث شلل شبه كامل لمفاصل الحياة اليومية، حيث تحولت من مجرد نقص في المحروقات إلى عبء ثقيل يهدد بقاء المواطنين واستمرارية الأنشطة الأساسية.
وأدت هذه الأزمة إلى زيادة في تعرفة المواصلات، بخاصة تذاكر السفر إلى الولايات بنسبة 40 في المئة، إلى جانب قفز أسعار السلع الغذائية والخدمات الأساسية نتيجة لارتفاع كلف الترحيل والشحن داخل المدن وخارجها، وامتدت الأزمة لتشمل القطاع الزراعي في ولايات مثل الجزيرة والقضارف وسنار، حيث تسبب نقص الديزل في تعطل مضخات الري والآلات الزراعية وتقليص المساحات المزروعة لمحاصيل إستراتيجية كالقمح والذرة، وتراجعت حركة شاحنات وقوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، مما أعاق إيصال الغذاء والأدوية للنازحين والفئات الأكثر هشاشة.
في حين أعلنت الحكومة أخيراً عن إجراءات ومحاولات لتأمين دفعات من البنزين والغازولين وغاز الطهي ووقود الطائرات لتغطية العجز، وسط وعود بتحسن تدفق الإمدادات وتراجع الطوابير تدريجاً.
وتعود أصول هذه الأزمة في المقام الأول إلى خروج حقول النفط عن الخدمة جراء استمرار الحرب المندلعة بين الجيش وقوات "الدعم السريع" قرابة 43 شهراً، مما جعل البلاد تعتمد كلياً على الاستيراد وسط شح في النقد الأجنبي وتخبط في السياسات الحكومي.
انعكاسات سلبية
يقول التاجر بهاء الدين عبدالله إن "أزمة الوقود المستمرة في البلاد انعكست سلباً على حركة المسافرين إثر الزيادة الكبيرة في أسعار التذاكر، مما شكل أعباءً تثقل كاهل الأسر والطلاب والتجار الذين يعتمدون على الحافلات السفرية في التنقل بين الولايات، في وقت تتزايد ضغوط المعيشة والخدمات".
أضاف عبدالله أن "سعر التذكرة من الخرطوم إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمالاً وصلت إلى 170 ألف جنيه (17 دولاراً)، ناهيك بمدينة بورتسودان شرقاً، التي يرتادها التجار بصورة متكررة لجلب البضائع من الميناء مع توقعات استمرار الزيادة في ظل أزمة أوسع في شأن ارتفاع أسعار وشح الوقود، مما يثير المخاوف في تراجع حركة المسافرين بين الولايات".
واستطرد التاجر "معضلة الوقود أسهمت في تراجع الحافلات السفرية التي تعمل على الخطوط بين المدن، بينما تشهد محطة الميناء البري في الخرطوم تكدساً للمسافرين في انتظار وصول الحافلات، ويرجع الأمر كما عزا أصحاب الحافلات، إلى الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، إذ يقضي السائقون ساعات تمتد إلى يوم بأكمله للحصول على الخدمة".
وأشار التاجر إلى أن "الأزمة الاقتصادية تتفاقم عند مطلع كل يوم جديد، وتنعكس سلباً على انتعاش مصادر الدخل والأوضاع المعيشية، في وقت تعتمد قطاعات واسعة من المواطنين على المواصلات في الحركة، مما يتطلب تدخل الحكومة لاحتواء الأزمة".
احتكار الوقود
من جانبه أشار السماني عبدالعزيز، وهو صاحب إحدى محطات الوقود في أم درمان إلى أن "هناك فجوة بين العرض والطلب، إذ إن الكميات التي تصلنا من الجهات المتخصصة محدودة وغير منتظمة، وفي الغالب لا تكفي لتغطية حاجة المواطنين، لذلك الأسعار ترتفع بسبب كلفة الاستيراد والنقل".
أوضح عبدالعزيز أن "الاعتماد على شركات خاصة في الاستيراد يزيد من تعقيدات المشهد، إذ تحتكر الوقود بالموازاة مع فجوة كبيرة بين سعر النقد الأجنبي المخصص للاستيراد وسعر الصرف المستخدم في السوق الموازية، لا سيما أن هذه الاختلالات ترفع أسعار الوقود، من ثم تحد من قدرة التشغيل".
ولفت صاحب المحطة إلى أن "مشكلة الوقود أصبحت تؤثر في المواطنين وأصحاب المحطات على حد سواء، نتيجة ارتفاع البنزين والغازولين، وهو مما تسبب في أزمات المعيشة، وأصبح المواطن في حيرة لناحية كيف يتحمل هذه الكلفة المتزايدة لتسيير الحياة اليومية".
هجمات متلاحقة
فيما، قال مرتضى محمد سائق حافلة سفرية إن "تصاعد أسعار تذاكر السفر بين الولايات يعود لارتفاع أسعار الغازولين الذي تعتمد عليه الباصات السفرية مع صعوبة بالغة في توفيره، مما أدى إلى تقليص أعداد الحافلات العاملة، بخاصة في الخطوط الطويلة التي تربط العاصمة الخرطوم بولايات البلاد".
وبين محمد أن "عدد الحافلات السفرية التي تعمل بين الخرطوم ومدن الولايات المختلفة كانت تقدر بنحو 150 حافلة، لكن تناقص عددها ليصل إلى 30 حافلة ويرجع ذلك إلى أزمة الوقود مقابل كلفة الرحلات".
ولفت السائق إلى أن "الضغوط الاقتصادية تتفاقم مع تطورات أمنية تستهدف منشآت الوقود والطاقة في عدد من الولايات من قبل ميليشيات ’الدعم السريع‘، حيث أدت هذه الهجمات المتلاحقة دوراً بارزاً في شل قطاع النقل والخدمات، في وقت تشكل تحدياً حقيقياً أمام استقرار الإمدادات سواء في المناطق المتضررة أو الآمنة".
حسابات قاسية
بدورها، أوضحت المواطنة صابرين عوض التي تقيم في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض أن "الأسر باتت تتبع حسابات قاسية، إذ تضطر كل يوم في إعادتها بسبب الزيادات المتسارعة في كلفة المعيشة التي شملت كل تفاصيل الحياة اليومية، فالأمر لم يتوقف عند الغذاء فحسب، بل شمل المواصلات والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة بسبب أزمة الوقود التي تشل الحركة بينما حولت الرحلات القصيرة لقضاء أبسط الالتزامات إلى عبء مرهق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابعت عوض "من المؤسف أن أسرتي الممتدة تقيم في إحدى الولايات الواقعة شرقي البلاد، إذ إن وصول تذاكر السفر إلى الولايات بهذا النحو المقلق جعلتني في عزلة اجتماعية في ظل محدودية الدخل، فضلاً عن حال من الضغط النفسي بسبب تأجيل الزيارات مع انعدام وجود أي بوادر في انفراج قريب للأزمة واستقرار إمدادات الوقود".
ومضت المواطنة في القول إن "الوضع في البلاد بصورة عامة يسير نحو الانهيار، في وقت باتت الخيارات أمام المواطنين لمعيشة أفضل ضئيلة جراء حال الشلل الذي يضرب معظم الولايات والتي تشهد انعدام شبه كامل لمسارات الحياة الأساسية، إضافة إلى عدم توفر للخدمات والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية".
تأثيرات اقتصادية
في الصدد، قال المحلل الاقتصادي محمد الناير إن "أزمة الوقود أثرت بصورة كبيرة على الاقتصاد السوداني، مما أدى إلى تفاقم القدرة التشغيلية لأصحاب الحافلات السفرية بسبب الزيادات المتسارعة في أسعار البنزين والغازولين بزيارة لا تقل عن 30 في المئة، بينما يعد استخدامات الغازولين متعددة في وسائل النقل، إذ تصل إلى 80 في المئة، لا سيما أن انعكاس ذلك لا يقتصر على النقل فحسب، بل يشمل تأثيره في مجمل الأوضاع الاقتصادية".
أردف الناير "بالفعل أدت أزمة الوقود إلى رفع قيمة سعر التذاكر بين الولايات التي قادت بدورها إلى تقليص الحركة وخفض عدد السفريات، فضلاً عن تأثيراته على حركة نقل السلع من مواقع الإنتاج إلى الأسواق المحلية أو ميناء الصادر أو نقل الاستيراد، مما أسهم في رفع أسعار السلع التي يتحمل عبئها حالياً المواطنين، فضلاً عن تقليل منافستها في الأسواق العالمية".
وزاد قائلاً "نجزم بأن الوقود يدخل في القطاعات الاقتصادية على أوسع نطاق في ظل انقطاع التيار الكهربائي، سواء كان صناعياً أو زراعياً أو خدمياً، لا سيما أن ما يحدث الآن يؤثر سلباً في الإنتاج في ظل غياب تام للدولة، إذ يكاد دورها لا يوجد أصلاً لحل هذه الأزمة المتفاقمة، علاوة على السياسات المتناقضة، إذ تتباين الآراء، وظللنا منذ بداية الحرب نؤكد ضرورة تولي الدولة أمر هذه السلعة الإستراتيجية لخلق الوفرة والاستقرار في إمدادات الوقود، وطرحه بأسعار أقل على ما هو عليه الآن، لكنها تقاعست عن دورها في هذا الإتجاه إلى أن أصبح الوقود أزمة يصعب حلها في الراهن".
وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن "الشركات العاملة في استيراد الوقود وجدت في تطورات الأوضاع في المنطقة من حرب وتداعياتها بإغلاق مضيق هرمز، فرصة ملائمة لاحتكار الوقود وارتفاع أسعاره بصورة مستمرة، لكن من المؤسف عندما تزول الأسباب وتصبح هناك انفراجة في أسعار النفط عالمياً، يكون تراجع الأسعار في السودان بطيئاً".
وتابع الناير "في تقديري هذه مشكلة تتحمل مسؤوليتها الدولة مما يستوجب عليها القيام بدورها كاملاً في المرحلة القادمة عند تحرير هذه السلعة بعدِّها ذات تأثير اقتصادي على القطاعات كافة، خصوصاً قطاع النقل في ظل غياب بدائل كافية للنقل البري، وفي مقدمها السكك الحديد، إذ إن تفعيل خدمة النقل عبر القطارات كما كان في السابق سيخفف الضغط على الحافلات، إضافة إلى ضمان وسيلة تنقل للمواطنين بأسعار تفضيلية بين الولايات".