Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المداحات... فرق نسائية جزائرية تغني التراث

يجلسن على نحو دائري أو هلالي ويؤدين فناً شعبياً ويستعملن آلات إيقاعية تقليدية

 في زمن كانت المجالس النسوية مغلقة برزت المداحة كصوت المرأة المعبر عن البطولات والروحيات والآلام والآمال (إعلام جزائري)

ملخص

تُعد الشيخة خيرة السبساجية المتوفاة عام 1940، من أوائل رواد هذ الفن، إذ أدت أغاني "المداحات" بصورتها الأصلية ونكهتها الشعبية المميزة، وهي التي نظمت قصائد بنفسها مثل قصيدة "سيد الهواري" و"مول الميدة" أي "صاحب المائدة".

لا يصنف حضور المرأة في دائرة الفنون الموسيقية والغنائية باعتباره أمراً حديثاً في الجزائر، بل يعود لعهود غابرة، وفي حين كانت هذه الفنون موجودة بصورة فردية في بعض الفترات، فرضت نفسها جماعياً في أنواع تجمع بين الأبعاد الاجتماعية والدينية والثقافية.

ولعل "المداحات" إحدى أشهر الفرق الغنائية النسائية التي شاعت في الجزائر، وعلى رغم أن ظهورها بات ضعيفاً في التوقيت الحالي لاعتبارات عدة، فإنها لا تزال تقاوم من أجل البقاء وتحظى ببعض الاهتمام.

ألفاظ تقليدية متوارثة

"المداحات" هي فرق غنائية نسائية جزائرية تؤدي فناً شعبياً متوارثاً يقوم أساساً على المدائح الدينية والقصائد الشعبية، وتستعمل آلات إيقاعية تقليدية مثل "البندير" أو الدف، و"الشكشاكة" و"الطبيلة"، ولا يمكن معرفة التاريخ الدقيق لظهور هذا الفن، لأنه عبارة عن ألفاظ تقليدية متوارثة من جيل إلى آخر، وتحمل تغيرات ملائمة لكل زمن ومناسبة، لكن المؤكد أنه تطور مع ظهور موجة الصوفية والطرقية في شمال أفريقيا، أي منذ أواخر القرن الـ12 الميلادي.

وتخصصت الفرقة خلال بداياتها في الإنشاد الديني وقصائد المدح، لكن مع التطور الحضاري توسعت لتشمل مواضيع أخرى، وأصبحت تغني للحب والحرية والجمال والعشق، وحتى الألم والفراق، واستمرت الحال مع التغيير إلى أن امتزجت بطابع "الراي"، بخاصة أن "المداحات" ظهرت في الجهة الغربية من الجزائر وهي نفسها التي اشتهرت بفن "الراي"، في محاولة لمقاومة الاندثار الذي يهددها وسط الطبوع الفنية الكثيرة والمتنوعة التي أصبحت تستقطب الجيل الحالي.

بين "الحلقة" و"الحضرة"

وبعدما كان حضورها مرتبطاً بالمناسبات الاجتماعية والدينية والروحية، انتقل لاحقاً إلى حفلات الزفاف والختان، وبات ضرورة من ضرورات الولائم ومظهراً من مظاهر الفرحة وتقليداً لا يمكن الاستغناء عنه لدى قطاع عريض من قاطني الجهات الغربية، على رغم تراجعه الجماعي لمصلحة الأداء الفردي الذي يظهر فيه المؤدي قوته الصوتية بصورة أكبر.

وتتألف الفرقة من "المداحة" وعازفات، إذ تؤدي "الشيخة" وهي الشخصية الرئيسة، القصيدة مع مجموعة من النساء اللائي يكررن ما تقول وهن يعزفن على الآلات الإيقاعية والوترية، ويجري ذلك في تشكيل شبه دائري أو هلالي يطلق عليه "الحلقة"، مما تعلق بالمناسبة العائلية والأفراح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأما بخصوص الممارسات الموسيقية والروحية المرتبطة بالزوايا والأضرحة التي يتدرج فيها الأداء من المديح الديني إلى إيقاعات متسارعة وحركات جسدية لها تفسيرات في المعتقدات الشعبية، فتُسمى "الحضرة".

رائدات

وتُعد الشيخة خيرة السبساجية المتوفاة عام 1940، من أوائل رواد هذ الفن، إذ أدت أغاني "المداحات" بصورتها الأصلية ونكهتها الشعبية المميزة، وهي التي نظمت قصائد بنفسها مثل قصيدة "سيد الهواري" و"مول الميدة" أي "صاحب المائدة"، وكذلك "سيدي عبدالقادر"، و"يا سايق الطونوبيل" أي يا سائق السيارة، و"شعورها مطلوقين"، وأخرى استنبطتها من قصائد كانت مشهورة آنذاك، كقصائد لخضر بن خلوف، وهو شاعر شعبي كبير.

وهناك كذلك الشيخة خديجة "مولاة الرباب" وتسميتها أخذتها لأنها أول من أدخل آلة الرباب إلى حلقة "المداحات" بغرض بعث نفس جديد، وهي التي عزفت في بداياتها على القنبري، وهي آلة وترية معروفة في الصحراء الجزائرية يعتقد عازفوها بفاعلية طردها للأرواح الشريرة ومعالجة الأمراض.

خزان اللغة والذاكرة

وفي السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع رضوان قروم أنه في زمن كانت المجالس النسوية مغلقة، برزت المداحة كصوت المرأة المعبر عن البطولات والروحيات والآلام والآمال، فكنّ بمثابة "الحكواتية"، مضيفاً أن هذا الفن هو خزان اللغة والذاكرة، إذ حافظت "المداحات" على قصائد من الملحون الجزائري القديم، ونقلنها شفوياً من جيل إلى جيل، مما جعل منهن أرشيفاً حياً للهوية في وجه محاولات الطمس عبر العصور.

وأردف أن ما يميز فن "المداحات" هو الارتجال والقدرة على تطويع الكلمة الموزونة لتناسب المقام، مشدداً على أنه خلال الأفراح والمناسبات الدينية، تتحول "المداحة" إلى قائدة للأوركسترا الوجدانية، مستخدمة إيقاعات "القلال" و"البندير" التي تبعث في النفس السكينة والحماسة في آن واحد.

قائمة التراث الثقافي

ولأنه إرث نسوي عريق ولم يكُن يوماً مجرد غناء، بل كان حارساً للقيم الروحية والاجتماعية في المجتمع عبر القرون، أودعت الجزائر ملف ترشيح أغاني "المداحات" لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، بهدف إدراج هذا الفن ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

ويهدف الملف إلى التعريف بهذا الموروث الغنائي النسوي وصون معارفه ومهاراته الشفوية المتوارثة، المرتبطة بالمدائح الدينية والتراث الصوفي والشعبي الجزائري، وضمان استمراره ونقله إلى الأجيال اللاحقة.

وتوضح وزارة الثقافة الجزائرية أن هذه الخطوة تأتي في إطار إستراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى إيداع ملفات نوعية تعكس التنوع الغني للثقافة الجزائرية.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون