ملخص
الحوثيون استفادوا من خبرة عسكرية جرى بناؤها خارج اليمن، و"حزب الله "مارس دوراً في نقل هذه الخبرة إلى جماعة أصبحت قادرة على تهديد المنطقة والملاحة الإقليمية. ومن هنا تقرأ مسؤوليته عن المشاركة في بناء هذه القدرات، إلى جانب مسؤوليته عن الخطاب السياسي الذي برر استخدامها ووفر لها التأييد.
يتصاعد القتال في اليمن مع اتساع الهجمات الحوثية داخل البلاد وخارجها، وتزايد الأخطار المحيطة بباب المندب والملاحة في البحر الأحمر. وجاء استهداف معسكر لتدريب القوات الحكومية في شبوة، في الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول)، ليكشف عن حجم التصعيد، إذ أعلن محافظ شبوة مقتل عشرات وإصابة أكثر من 200.
وتأتي الضربة بعد استهداف الحوثيين مقر الحكومة في عدن، واستمرار الهجمات على المطارات ومنشآت الطاقة السعودية، بما يوسع الأهداف العسكرية والمدنية المعرضة للخطر، ويضاعف كلفة الحرب على اليمن والمنطقة.
وفي موازاة هذا التصعيد، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته تجاه طهران، محذراً في الـ18 من أكتوبر من أن الولايات المتحدة ستكمل المهمة قريباً، ما لم تغير إيران سلوكها سريعاً.
بدوره أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو استعداد إسرائيل للتحرك منفردة ضد إيران عند الضرورة، وقال إن الأهداف التي وضعها لا تتوقف على الموافقة الأميركية، مؤكداً ضرورة منع طهران من توجيه الضربة الأولى، وقال إن "مواجهة التهديد الإيراني" هي "مهمة حياته". وأوضحت صحيفة "إسرائيل اليوم" أن هذه التصريحات جاءت أثناء استعراض نتنياهو لعقيدته الأمنية الجديدة، وذلك في خضم مجريات حملته الانتخابية، التي اعترف خلالها بوجود مخاوف حقيقية وشكوك تحيط بفرص فوزه.
بيت هيغسيث يلتقي نتنياهو
وفي تطور لافت بتوقيته، ذكر موقع "أكسيوس" الأميركي، ونقلاً عن مصدرين مطلعين، أن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الإثنين، خلال زيارة لم تعلن مسبقاً لإسرائيل. وبعض الصحافيين الإسرائيلين ذكروا الأمر على مواقعهم ومع صور لهيغسيث خلال الاجتماع، وقال أحدهم على حسابه عبر منصة "تليغرام"، "اجتماع سري في قاعدة جوية عسكرية جنوب إسرائيل، يضم رئيس وزراء إسرائيلياً ووزير حرب أميركياً، لا يعني سوى أمر واحد، طهران في ورطة!".
وتأتي أنباء رحلة هيغسيث، بعد يوم من إعلان الرئيس الأميركي تأييده لنتنياهو في انتخابات الكنيست، المقرر إجراؤها الأسبوع المقبل في إسرائيل. في هذا السياق، فإن زيارة وزير الدفاع الأميركي ولقاءه نتنياهو في قاعدة عسكرية، تزيد أهمية التنسيق العسكري بين الطرفين في هذه المرحلة.
في خضم هذه التطورات، يبدو أن المنطقة تواجه بالفعل حرباً تتداخل فيها الجبهات والمصالح واحتمال اتساع الحرب مجدداً، التصعيد الحوثي في اليمن وضد السعودية، والتهديد الأميركي المتجدد لإيران، والاستعداد الإسرائيلي المعلن للتحرك ضدها، وزيارة هيغسيث، في ظل تقارير عن بحث استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، بما يجعل الاستعداد لجولة جديدة جزءاً من المشهد العسكري والسياسي الراهن.
غرف العمليات المشتركة في لبنان والعراق
وعليه، تكتسب المعلومات عن الدعم الإيراني للحوثيين وغرف العمليات المشتركة في لبنان والعراق أهمية مباشرة، لأنها تتناول آليات التعاون العسكري بين أطراف هذه المواجهة، فمسار الحرب بات مرتبطاً أيضاً بقدرة هذه الشبكة على مواصلة التسليح والتدريب وتبادل المعلومات، وبالقرارات التي ستتخذها واشنطن وإسرائيل تجاه إيران والجماعات التي تدعمها.
وتتزامن هذه التحركات مع استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، وما كشفته "وول ستريت جورنال" عن مساعدة إيرانية في تحديد الأهداف وتوفير المعلومات الاستخبارية والتوجيه التكتيكي. لذلك، فإن بحث المواجهة مع طهران يجري، والمنطقة تواجه بالفعل نتائج الدعم العسكري الإيراني لجماعات تقاتل خارج حدودها، إذ يتأثر أمن الملاحة ومنشآت الطاقة بمسار هذه المواجهة، وتجعل هذه الوقائع تداعيات أي تصعيد جديد أوسع، من حدود إيران وإسرائيل.
هنا، تبرز أهمية المعلومات عن تلك الغرف، في لبنان والعراق، ودور "حزب الله" في تدريب الحوثيين وبناء قدراتهم. فالتنسيق العسكري بين هذه الجماعات موثق منذ سنوات، وأية قراءة لاحتمالات توسع الحرب تحتاج إلى أخذه في الاعتبار، وإذا استؤنفت الضربات على إيران، فستتوقف انعكاساتها على المنطقة أيضاً على طبيعة الرد الإيراني، ومدى مشاركة الجماعات المرتبطة بها، والأهداف التي ستختارها.
وهنا يصبح لبنان معنياً مباشرة بمنع استخدام أراضيه، وقدرات أي تنظيم فيه، للمشاركة في مواجهة إقليمية جديدة، بعدما دفع اللبنانيون كلفة ربط أمنهم بقرارات حرب تتجاوز دولتهم ومصلحتهم.
رحلات لشركة "ماهان إير"
سلطت "وول ستريت جورنال" وفي تقريرها المنشور في الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، الضوء على غرف عمليات مشتركة في لبنان والعراق، التي يشارك فيها ممثلون عن الحوثيين لتنسيق أنشطة الجماعات المرتبطة بإيران، وتناول التقرير الدعم الإيراني للحوثيين ودوره في تطوير عملياتهم ضد السعودية، والقوات اليمنية.
ونقلت عن مطلعين على معلومات استخبارية سعودية ويمنية أن المساعدة تشمل تحديد الأهداف، والتدريب، والمعلومات الاستخبارية والتوجيه التكتيكي. كما عرضت لدور عناصر من الحرس الثوري و"حزب الله" في تدريب الحوثيين على تجميع الصواريخ والطائرات المسيرة واستخدامها، وربطت هذه المساعدة بتطور قدرتهم على الجمع بين الهجمات البرية، والضربات الصاروخية والمسيرات.
وأورد التقرير معلومات عن نقل ضباط إيرانيين ومكونات عسكرية على رحلات لشركة "ماهان إير"، في شهر يوليو (تموز) الماضي، إلى مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن، تحت غطاء نقل ركاب وحجاج ومسؤولين، وتضمنت نقل ضباط يتبعون الحرس الثوري، إضافة إلى شحنات عسكرية شملت أجزاء ومكونات خاصة بالطائرات المسيرة، وأنظمة ملاحة وتوجيه للصواريخ، وصواعق تفجير بالاصطدام، وفق الصحيفة الأميركية.
وأدى الاشتباه بهذه الشحنات والرحلات، إلى قيام قوات متحالفة مع التحالف الداعم للحكومة اليمنية باستهداف مدرج مطار صنعاء لمحاولة منع هبوط الرحلة الثانية، وهو ما أدى إلى تصعيد ومواجهات عسكرية جديدة.
في المقابل، نفت الأطراف المعنية هذه الاتهامات، إذ وصف القيادي الحوثي محمد البخيتي المزاعم بوجود ضباط وأسلحة بأنها "مبالغات"، بينما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن طهران لا تتدخل في الشؤون اليمنية وأن الحوثيين يتخذون قراراتهم بصورة مستقلة.
ولكن تقرير "وول ستريت" وضع هذا التعاون ضمن شبكة إقليمية تتبادل الخبرات والأسلحة والأفراد، مستشهداً بما خلص إليه خبراء الأمم المتحدة عام 2024 حول إنشاء الحوثيين غرف عمليات مشتركة في لبنان والعراق لتنسيق الأنشطة. وكانت "وول ستريت" قد تناولت هذا التوسع في تقرير سابق عام 2024، عرض لانتقال الحوثيين إلى شبكة علاقات مع جماعات مسلحة خارج اليمن، وأشار إلى مراكز العمليات في العراق ولبنان ضمن أشكال التعاون العسكري بينها.
الحوثي و"حزب الله" علاقة قديمة
في الأول من مارس (آذار) 2016، وصف الأمين العام "حزب الله" السابق حسن نصرالله، خطابه في اليوم الثاني من الحرب على اليمن بأنه "أشرف وأعظم ما فعله في حياته"، وقال "هذا هو الجهاد الحقيقي"، معتبراً أن وقوف "حزب الله" مع الشعب اليمني أهم وأرقى من مواجهة حزبه لإسرائيل في حرب يوليو (تموز) 2006، وهو بذلك أعطى انحيازه إلى الحوثيين موقعاً متقدماً في أولويات الحزب، وجعل المواجهة مع السعودية قضية يتباهى بها أمام جمهوره. ولم يقتصر دور الحزب على الخطابات والتغطية السياسية، فقد وثق خبراء الأمم المتحدة عام 2024 مساهمته، إلى جانب فيلق القدس ومتخصصين عراقيين، في تدريب الحوثيين ونقل الخبرات والقدرات العسكرية إليهم، بما ساعد في تطوير تنظيمهم وتسليحهم.
ويظهر جلياً مضمون المشاركة في حرب اليمن، أي دعم جماعة مسلحة وبناء قدراتها على خوض الحرب، تحت عنوان مناصرة اليمنيين، بينما كانت هذه القدرات تعزز سلطة الحوثيين وتوسع قدرتهم على تهديد اليمن والمنطقة.
ما قبل 2015
وعليه، تعود العلاقة بين "حزب الله" والحوثيين لسنوات سبقت الحرب التي بدأت عام 2015، وتراكم فيها الدعم السياسي والتدريب العسكري ونقل الخبرات.
ففي شهر أغسطس (آب) 2013، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على القيادي في الحزب خليل حرب، وذكرت أنه كان مسؤولاً عن أنشطة الحزب في اليمن منذ عام 2012، وله دور في إدارة جانبها السياسي ونقل الأموال إلى البلاد. وتضع هذه المعطيات النشاط اليمني للحزب ضمن عمل منظم له مسؤولون وقنوات تمويل، قبل أن يصبح دعمه للحوثيين عنواناً متكرراً في خطابات نصرالله.
فيما نصرالله منح هذا الانخراط غطاء سياسياً واضحاً، عندما وصف الحرب على اليمن بأنه من أعظم ما قام به في حياته، بحيث تتكشف المكانة التي أعطاها للمواجهة في اليمن، وإصراره على دعم الحوثيين على رغم تداعيات ذلك على علاقات لبنان العربية.
وفي تقرير لوكالة "رويترز" نشر في يناير (كانون الثاني) 2024، نقل عن أربعة مصادر إقليمية ومصدرين إيرانيين وجود قياديين من الحرس الثوري و"حزب الله" في اليمن، يساعدون في توجيه الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر والإشراف عليها. ونقلت الوكالة عن مصدرين سابقين في الجيش اليمني أن عناصر من الطرفين يشاركون في التدريب والإشراف العسكري وإعادة تجميع صواريخ تدخل اليمن على شكل أجزاء. في المقابل، نفى المتحدث الحوثي حينها محمد عبدالسلام مشاركة إيران أو "حزب الله" في توجيه الهجمات، ولم يرد متحدث باسم الحزب على طلب الوكالة التعليق. واللافت في التحقيق نفسه أن عبدالسلام، مع نفيه التدخل في إدارة العمليات، أقر باستفادة الحوثيين من التجربة الإيرانية في التدريب والتصنيع العسكري وبناء القدرات، مؤكداً استقلال قرارهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما نقلت الوكالة عن قيادي ضمن تحالف الجماعات المرتبطة بإيران إقراره بأن خبراء إيرانيين ومن الحزب سبق أن ذهبوا إلى اليمن لتدريب الحوثيين وتجهيزهم، والمساعدة في بناء قدرتهم على التصنيع العسكري، مع نفيه استمرار وجودهم الميداني آنذاك.
وجاء تقرير خبراء الأمم المتحدة عام 2024 ليقدم توثيقاً أوسع لهذه العلاقة، فبحسب ما نقله الإعلام في ذلك الوقت، أسهم فيلق القدس و"حزب الله" ومتخصصون وفنيون عراقيون في تطوير القوة الحوثية عبر نقل المعدات والتكنولوجيا والتدريب. وتحدث الخبراء عن تلقي مقاتلين حوثيين تدريباً تكتيكياً وتقنياً داخل إيران ولبنان والعراق، وعن استخدام وثائق سفر مزورة، كما وأشاروا إلى اعتماد الجماعة على المساعدة الخارجية في تطوير منظومات معقدة، بينها الصواريخ والمسيرات.
تظهر أهمية نقل الخبرة في أنه يمنح الجماعة قدرة تتجاوز استخدام السلاح، الذي يصل إليها جاهزاً، فالتدريب على التجميع والتشغيل والتصنيع يتيح تراكم المعرفة داخل صفوفها، ويوسع قدرتها على مواصلة القتال وتطوير وسائل الهجوم. وربما هذا هو البعد العسكري الأبرز في علاقة الحوثيين بـ"حزب الله" الذي أسهم في بناء القدرة نفسها، ضمن شبكة دعم إيرانية تضم جهات متعددة.
مسؤولية "حزب الله" في بناء قدرات الحوثيين
أما غرف العمليات المشتركة في لبنان والعراق، التي وثقها الخبراء الأمميون، فتضيف مستوى آخر من التعاون، غايته تنسيق الأعمال العسكرية بين أطراف ما يسمى "محور الممانعة"، وهي تضع التدريب ونقل الخبرات ضمن علاقة إقليمية مستمرة، تتجاوز الصلات الثنائية بين تنظيم لبناني وجماعة يمنية، فالحوثيون استفادوا من خبرة عسكرية جرى بناؤها خارج اليمن، و"حزب الله" مارس دوراً في نقل هذه الخبرة إلى جماعة أصبحت قادرة على تهديد المنطقة والملاحة الإقليمية. ومن هنا تقرأ مسؤوليته عن المشاركة في بناء هذه القدرات، إلى جانب مسؤوليته عن الخطاب السياسي الذي برر استخدامها ووفر لها التأييد.
يحمل هذا التعاون العسكري لبنان تبعات تتجاوز حدوده، بطبيعة الحال، فمساهمة "حزب الله" في تدريب الحوثيين ونقل الخبرات إليهم تقحم البلد في مواجهة مع دول عربية من دون قرار من دولته أو موافقة مواطنيه. وتصبح مهمة الدولة أكثر صعوبة في إقناع هذه الدول بأنها قادرة على منع استخدام الأراضي والقدرات اللبنانية لتهديد أمنها، كما أن استمرار هذا الدور يضعف الثقة بلبنان، ويعقد استعادة الدعم العربي الذي يحتاج إليه، ويبقي مصالح اللبنانيين مرتبطة بنشاط عسكري يقرره الحزب وتتحمل البلاد نتائجه.
"حزب الله" يرفع من مستوى تهديداته
تأتي في هذا المجال التهديدات التي صدرت عن نواب في البرلمان اللبناني، من نواب "حزب الله" تحديداً، ضد الحكومة، لترفع من مستوى المواجهة الداخلية، وما تكشف عنه التصريحات هو رفض إخضاع قدراته العسكرية للمصادرة والملاحقة، واعتبار الإجراءات القضائية والسياسية جزءاً من استهدافه.
وهنا يطرح السؤال حول السيناريوهات المرتقبة التي ستنعكس مباشرة على لبنان، وعلى احتمالية عودة الحزب للمواجهة ضد إسرائيل وبالتالي إسناد إيران في حربها في المنطقة؟
قد يستخدم الحزب التهديد السياسي، والتعبئة الشعبية، والضغط داخل المؤسسات، لمنع توسع التحقيق في ملف شحنة متفجرات ضهر البيدر، التي أعلن ملكيته لها رسمياً، والوصول إلى مسؤولين عن الشحنة، هنا قد تكون غاية التصعيد انتزاع تراجع من الدولة، مع تجنب فتح حرب خارجية جديدة. والمؤشر الأساس هو اتجاه خطوات الحزب إلى تعطيل الإجراءات أو فرض تسوية في شأنها، وإذا انتقلت المواجهة إلى اعتراض تنفيذ قرارات قضائية، أو منع الأجهزة من أداء مهماتها، يصبح الخطر صداماً داخلياً مباشراً، وهذا مسار مختلف عن العودة للحرب مع إسرائيل، حتى لو تزامن المساران لاحقاً.
استئناف عمليات ضد القوات الإسرائيلية
ويتصل هذا السيناريو مباشرة بالرواية التي قدمها النائب عن الحزب حسن فضل الله عن وظيفة المتفجرات، التي وصفها بإنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية. وكانت نقلت "رويترز" عن مسؤول في الحزب ومصدر أمني لبناني أن شحنة المتفجرات التي ضبطها الجيش اللبناني، كانت معدة للاستخدام في طائرات مسيرة ملغومة لاستهداف قوات إسرائيلية.
ولكن إذا استأنف الحزب عمليات تحت عنوان "مواجهة الاحتلال"، فسيكون قد نقل رفض القرار الحكومي إلى تحد عسكري فعلي، وقد يسعى إلى حصر عملياته جغرافياً، لكن نطاق الرد الإسرائيلي لن يكون مضموناً، كما أن تحديد الحزب لحجم العملية، لا يمنحه القدرة على تحديد حجم الحرب التي قد تليها، وهذا ما توضح خلال حربي الإسناد 2023-2026.
العودة للقتال بالتزامن مع مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل
أما إذا استؤنفت المواجهة مع إيران وقرر الحزب المشاركة فيها، سواء تحت عنوان إسناد طهران أم الرد على تطورات إقليمية، عندها قد يتداخل خلافه مع الدولة حول السلاح، مع قرار استخدام هذا السلاح خارج المسار الذي تحدده الحكومة، وهذا الاحتمال كان موضوع تهديد إسرائيلي صريح، فقد حذر وزير الدفاع يسرائيل كاتس، من توسيع السيطرة الإسرائيلية في الجنوب، وضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، وتهجير أكثر من مليون شيعي، إذا شارك الحزب في هجوم إيراني على إسرائيل، ويوضح التهديد الكلفة التي تلوح بها إسرائيل.
وقد تأتي العودة للحرب من سلسلة ردود متبادلة، ضربة إسرائيلية كبيرة، يليها رد للحزب، ثم توسيع إسرائيلي للاستهداف. في هذه الحالة، فإن المؤشر الفاصل هو الانتقال من التهديدات إلى عمليات متكررة، واتساع الأهداف، فعملية واحدة قد تبقى محدودة، ولكنها قد تفتح ربما مواجهة أوسع. ويمكن أيضاً أن يستمر التنسيق ونقل الخبرات ضمن الشبكة المرتبطة بإيران، مع امتناع الحزب عن إطلاق هجمات من لبنان، لذلك يبقى هذا سيناريو لاستمرار الدور الإقليمي، من دون دخول معلن في مواجهة جديدة.
معالم خطر حرب إقليمية طاحنة تتجمع
في المحصلة، تضع غرف العمليات المشتركة تصعيد "حزب الله" في الداخل اللبناني، ضمن سياق أوسع من الخلاف على شحنة المتفجرات، فالحزب الذي يشارك في شبكة إقليمية للتدريب ونقل الخبرات والتنسيق العسكري، يواجه الدولة حين تحاول إخضاع سلاحه وحركته لسلطتها. وتهديد الحكومة من "التمادي" في الملاحقة يكشف حجم الصراع على القرار، هل تستطيع الدولة منع استخدام لبنان في مواجهة جديدة، أم يبقى للحزب أن يحتفظ بقدراته ويحركها وفق حساباته وارتباطاته بإيران؟
وتزداد خطورة هذا الصراع مع استمرار التصعيد الحوثي، والتهديدات الأميركية لإيران، والتلويح الإسرائيلي بتوسيع الحرب في لبنان إذا عاد الحزب للقتال. بالتالي فإن معالم خطر حرب إقليمية طاحنة تتجمع، لكن تحولها إلى مواجهة شاملة يتوقف على قرارات لم تحسم علناً بعد. فوجود التنسيق بين هذه الجبهات لا يعني أنها ستتحرك كلها في توقيت واحد، لكنه يوفر قنوات يمكن استخدامها لتوسيع المواجهة، ويجعل أي تصعيد كبير قابلاً للامتداد إلى ساحات أخرى.
ويقف لبنان أمام خطر أن يتزامن أي قرار إقليمي بتوسيع الحرب، مع عجز داخلي عن منع الحزب من المشاركة فيها، عندها تصبح المواجهة مع الحكومة حول السلاح والمتفجرات، جزءاً من معركة الاحتفاظ بحرية الدخول في الحرب. أما الدولة اللبنانية فتجد نفسها مطالبة بحماية شعبها من نتائج قرار لم تتخذه، هذه هي اللحظة التي تتحدد فيها مسؤوليتها، أن تفرض سلطتها قبل اتساع المواجهة، لأن البيانات والدبلوماسية وحدهما لن تحميا لبنان، إذا بقي قرار الحرب خارج مؤسساته.