Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يتحول شمال السودان وشرقه إلى بؤرة أخرى للنزاع؟

عقب سقوط نظام البشير في عام 2019 سنت الحكومة الانتقالية عام 2019 قانوناً لـ"الإدارة الأهلية" للحيلولة دون وقوع نزاعات قبلية

بعد استقلال السودان عام 1956 تقلص نفوذ الزعماء القبليين التقليديين السياسي جزئياً وبدأ تهميش الحكومة الوطنية لهم (أ ف ب)

ملخص

لا يزال احتمال تحول شمال وشرق السودان إلى بؤرة جديدة للصراعات على الموارد قائماً وبقوة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة نتيجة مباشرة للأزمة الحالية.

وجهت "الإدارة الأهلية" في شرق السودان نداء إلى الشباب ضمن هياكلها الإدارية في ولايات الشرق والشمال، تحثهم فيه على التحرك لحماية الموارد المعدنية، وعلى رأسها الذهب، التي تزخر بها هذه المناطق. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب حادثة المعدنين السودانيين الذين يعملون في التعدين التقليدي في منجم "حنجلية" بمنطقة "العقيدات"، بالقرب من الحدود السودانية -المصرية. ورداً على ذلك، توجه وفد من قبيلة البطاحين إلى المنطقة لدعم القبائل المحلية عقب مقتل عدد من أفرادها. وتؤكد الرسالة التي يطرحها المجتمع المحلي أن الصراع السوداني قد كشف عن بعد إضافي، إذ يتمحور في جوهره حول الموارد الطبيعية. وقد تطور الخطاب في هذا السياق، إذ بدأت مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي بالمطالبة بحقوق قبائل "البجا" في منجم أرياب بولاية البحر الأحمر شرق السودان، وبحقوق قبائل ولاية نهر النيل في ممارسة التعدين التقليدي، والاستفادة من المشاريع الزراعية المقامة على أراضيهم التاريخية.

وتسلط هذه المطالب الشعبية الضوء على احتمال تجدد الصراع بين "المركز" و"الهامش"، وهذه المرة في سياق يشمل مناطق الشرق والشمال. وتتمحور القضية حول توزيع الثروة، وهي نقطة خلافية كانت قد أدت سابقاً إلى انفصال جنوب السودان وأججت الصراع في دارفور. تعكس استجابة المجتمعات في هذه المناطق للحرب وتداعياتها سردية "المركز والهامش"، وتتشابه مع الخطاب الذي تتبناه الحركات المسلحة في دارفور، الذي يركز على ترتيبات تقاسم السلطة والثروة. ففي عام 2000، نشرت وثيقة بعنوان "الكتاب الأسود... اختلال موازين السلطة والثروة في السودان" لمؤلف مجهول، نسبت لاحقاً إلى "حركة العدل والمساواة" وزعيمها آنذاك خليل إبراهيم. وتتلخص الفكرة المركزية في أن الأنظمة السياسية في السودان ظلت دائماً تحابي منطقة على حساب أخرى، إذ استخدمت الحكومات المتعاقبة سلطة الدولة لترسيخ هيمنة منطقة الشمال، التي تضم ولايتي نهر النيل والشمالية، على بقية أنحاء البلاد. نشر الجزء الثاني من الكتاب في عام 2002، وبعد عام واحد، أي في عام 2003، اندلعت الحرب في دارفور.

سلطات متوارثة

خلال الحقبة الاستعمارية، طبقت الإدارة البريطانية نظام "الحكم غير المباشر"، مستعينة بالزعماء القبليين، مثل النظار (كبار الزعماء)، والعمد، ومشايخ ووجهاء المجتمعات، والقادة الطائفيين، للقيام بمهمات قضائية وإدارية ومالية. وقد منح هؤلاء سلطة محدودة لممارسة الحكم التقليدي على مجتمعاتهم، استناداً إلى سلطات عرفية متوارثة تطورت تاريخياً، يعود جذورها لعهد مملكة سنار وسلطنة دارفور، ثم دمجت لاحقاً في الهيكل الإداري الاستعماري بموجب قانون عام 1922.

شملت مسؤولياتهم جمع الضرائب وتوفير الأيدي العاملة وفض النزاعات القبلية، وساعد هذا النهج في خفض تكاليف الإدارة الاستعمارية، مع زيادة إيراداتها في الوقت ذاته. ومن خلال الحكم عبر مؤسسات قائمة بالفعل، مثل هياكل القيادة التقليدية، والقانون العرفي، و"الحواكير" (نظم حيازة الأراضي التقليدية)، و"الجودية" (نظام الوساطة المحلي)، تمكنت السلطات من إرساء سلطة تنفيذية ونظام قضائي حظيا بقبول السكان المحليين في ظل الحكم البريطاني. وفي المقابل، حصل هؤلاء الزعماء على الحماية ورواتب مجزية وامتيازات متنوعة واعتراف رسمي بهم كسلطات محلية.

وبعد صعود الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار، بدأ دور الزعماء القبليين التقليديين في التراجع، وبعد استقلال السودان عام 1956 تقلص نفوذهم السياسي جزئياً وبدأ تهميش الحكومة الوطنية لهم، وإن ظلت لديهم أدوار اجتماعية واقتصادية. بعد ذلك، أسس القادة الطائفيون أحزاباً سياسية، إذ أنشئت الطريقة الختمية "الحزب الاتحادي الديمقراطي"، بينما أسست طائفة الأنصار "حزب الأمة". واستمر الزعماء القبليون في أداء أدوار محدودة حتى قام الرئيس السابق جعفر النميري بحل "الإدارة الأهلية" عام 1973، واستبدلها بنظام "الحكم المحلي الشعبي". وعندما نفذ الرئيس السابق عمر البشير انقلابه في عام 1989، استغل "الإدارة الأهلية" لتأجيج الصراعات القبلية والاستقطاب السياسي. ومن خلال استغلال المكانة الاجتماعية لهؤلاء الزعماء لخدمة أجندة النظام الحاكم، أسهم في تأجيج عداء عميق الجذور بين مؤيدي النظام ومعارضيه.

وعقب سقوط نظام البشير في عام 2019، سنت الحكومة الانتقالية قانوناً لـ"الإدارة الأهلية"، بهدف تنظيم هذه الهياكل والحيلولة دون وقوع نزاعات قبلية. وعلى رغم أن هذا القانون طبق على مستوى البلاد، إلا أن الوضع في إقليم دارفور، الذي يزخر بتنوع عرقي وقبلي كبير، كان يتسم بتعقيد متجذر. وينبع هذا التعقيد من صراعات تاريخية ومتكررة حول الأراضي، وحقوق الرعي، وموارد المياه، والحدود الإدارية، ونظام "الحواكير".

نمط مستمر

يأتي شرق السودان في المرتبة الثانية من حيث الحساسية الإثنية، إذ أعرب أبناء قبائل "البجا"، ويمثلهم "المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة"، بقيادة زعيم قبيلة "الهدندوة" محمد الأمين ترك، عن معارضتهم الشديدة لـ"مسار الشرق" ضمن اتفاق جوبا للسلام، الذي وقع في فبراير (شباط) 2020، ورأوا أنه لا يمثل أصحاب الأرض الفعليين. وبعد أن كانت هذه الإدارات الأهلية تعمل في السابق كامتدادات محلية للحكومة المركزية، أصبحت هي نفسها تتبنى خطاباً يتمحور حول المظالم التاريخية والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكل ذلك في إطار قائم على أسس عرقية وإثنية.

ترى بعض الأطراف السياسية أن من مصلحتها دعم استمرار "الإدارات الأهلية"، إذ تنظر إليها كمدخل لإبداء الانفتاح على مطالب هذه المكونات، مع إمكان إعادة هيكلتها لاحقاً لتخدم أجنداتها السياسية الخاصة. ويأتي ذلك في ظل رسوخ هذه الإدارات ميدانياً في السودان، حتى في خضم الحرب، في مقابل وجود عدد من القوى السياسية التي تعمل من الخارج. وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه الإدارات بدأت تمارس نوعاً من الابتزاز، مستغلة مظالم تاريخية، كالتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم على انقسامات قبلية وإثنية، لتبرير حمل السلاح، متحولة بذلك فعلياً إلى جماعات متمردة تشبه الحركات المسلحة في دارفور. ومن اللافت أن هذه الإدارات سعت إلى استغلال تطورات سياسية متنوعة، آخرها حادثة المعدنين، مما يثير الشكوك حول احتمال توظيفها من أطراف معينة لتحقيق غايات سياسية محددة.

باتت هذه الإدارات متورطة بعمق في الاستقطاب السياسي، نظراً إلى نفوذها الكبير على النسيج الاجتماعي، وقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث وعمليات صنع القرار، فضلاً عن أثرها في العلاقات الاجتماعية وأنماط التفاعل في الأقاليم الطرفية. وقد طغت هذه الظاهرة على أدوار النخب ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة، وهي جهات أخفقت جميعها في تجاوز الولاءات القبلية والإقليمية والعرقية لصالح بناء دولة وطنية متماسكة.

ومع أن هذا الوضع يعكس تحولاً إشكالياً في وظيفة الإدارات الأهلية، إلا أنه في جوهره نتيجة طبيعية لخلل أعمق في بنية الدولة المركزية، التي تعد هيمنتها مصدراً للمظالم في الأقاليم، التي غذى تاريخها القائم على سياسات الإقصاء والتهميش نمطاً مستمراً ومتكرراً من العنف.

انطباع زائف

على رغم ضلوع نظام "الإدارة الأهلية" في الاستقطاب السياسي، وهو أمر يعد نتيجة للأزمة الهيكلية المزمنة وغير المحلولة في الدولة السودانية، إلا أن بعض الأدبيات السياسية ترى أن لهذا النظام أهمية وفائدة مستمرة. ويشير المؤرخ السوداني محمد إبراهيم أبو سليم إلى أهمية الإدارة الأهلية، مؤكداً أن الأعراف والقوانين التقليدية متجذرة بعمق في المجتمعات القبلية. فهذه الأعراف، التي تعكس الروح الجماعية للقبيلة، تنظم الشؤون الشخصية والأسرية والمجتمعية، وهي قضايا كان يتولى إدارتها والفصل فيها تقليدياً شيوخ القبائل وكبار أعيانها. وقد دعمت الحكومات السابقة هذا النظام، لأنه وفر إطاراً مقبولاً لدى هذه المجتمعات، مما ساعد في تحقيق توازن بين القوى الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار القبلي، والحفاظ على الثقافة المحلية والنسيج الاجتماعي. وفي المقابل، يرى بعض النقاد أن محاولات إضفاء الطابع الرسمي أو المؤسسي على الإدارة الأهلية ليست سوى استراتيجية للتغطية على ضعف النظام الحاكم، وذلك من خلال عقد تحالفات مع النخب التقليدية، وهي ممارسة تذكر بالأساليب التي استخدمت خلال الحقبة الاستعمارية وفي عهد نظام البشير.

وفي سياق الأزمة ذاتها، يطرح الكاتب أبكر آدم إسماعيل وجهة نظر مختلفة، إذ يرى أن استمالة بعض القادة والشخصيات البارزة من الأطراف (الهامش)، ودمجهم في مناصب داخل المركز مع إبرازهم لخلق انطباع زائف بالشمول، ومنحهم امتيازات شخصية أو عائلية، تعد نوعاً من "الترميز التضليلي" الذي يهمش القاعدة الاجتماعية والثقافية الأوسع. ويشير إسماعيل إلى أن الحروب الأهلية غالباً ما تنشأ من الكيانات الأكثر تناقضاً مع المركز، ومع أن نظام "الإدارة الأهلية"، الذي تحكمه الأعراف والتقاليد القبلية، ظل فاعلاً في معظم الولايات السودانية، إلا أنه اكتسب بروزاً خاصاً في غرب السودان، سواء خلال المرحلة الأولى من صراع دارفور أو طوال الحرب الحالية التي اندلعت عام 2023. ويجري حالياً تكرار هذا النموذج في شرق السودان وشماله، نظراً إلى التأثير الكبير الذي تمارسه هذه الإدارات في كيفية تشكيل القبائل لتحالفاتها بهدف تعزيز قوتها الذاتية. ونتيجة لذلك، فإن أية خطوة تتخذها هذه الإدارات في الوقت الراهن تنطوي على أخطار جسيمة، لا سيما في ظل وجود مظالم اجتماعية واقتصادية عميقة الجذور تزيد من تفاقم الوضع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مخاوف متفاقمة

لا يزال احتمال تحول شمال السودان وشرقه إلى بؤرة جديدة للصراعات على الموارد قائماً وبقوة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة نتيجة مباشرة للأزمة الحالية. فقد كشفت الحرب عن حالة الفوضى التي تعتري إدارة الموارد الطبيعية، لا سيما في قطاع الذهب الذي يعد مصدراً حيوياً للإيرادات وركيزة لشبكات التمويل والتجارة العابرة للحدود. وتكتسب ولايات نهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر أهمية خاصة، نظراً إلى ما تضمه من عمليات تعدين ومرافق تصدير وموانئ، وروابط تجارية إقليمية. ومع ذلك، فإن مجرد وجود الموارد لا يؤدي حتماً إلى نشوب صراع.

وتعد الاحتجاجات التي تنظمها المجتمعات المتضررة من أنشطة التعدين في السودان دليلاً على التوترات التي تظهر عندما يشعر السكان المحليون بأن أراضيهم تستغل من دون الحصول على تعويضات عادلة، أو ضمانات لحماية البيئة، أو نصيب منصف من العوائد. ويمكن استحضار سابقة تاريخية من جنوب السودان قبل انفصاله، إذ نص "اتفاق تقاسم عائدات النفط" بين الحكومة السودانية و"الحركة الشعبية لتحرير السودان" على تنمية المجتمعات المحلية في المناطق المنتجة للنفط، وهو بند لم ينفذ بصورة منصفة.

 وفي شرق السودان، تتفاقم هذه المخاوف بسبب مظالم تاريخية طويلة الأمد تتعلق بالتنمية، والتمثيل السياسي، وحقوق الأراضي لدى قطاعات من مكونات قبائل "البجا". وتزداد هذه الأخطار حدة في ظل استمرار المظالم التاريخية والشكاوى من التهميش، إذ تشير المجموعات السياسية والقبلية في المنطقة كثيراً إلى تعرضها لإقصاء اقتصادي وسياسي مستمر. وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة نظراً إلى الموقع الجيوسياسي الحيوي للمنطقة، التي تضم الموانئ الرئيسة للبلاد على البحر الأحمر. وقد حذرت حركات مسلحة في المنطقة، مثل "حركة تحرير شرق السودان" بقيادة إبراهيم دنيا، من مشاريع تثير الانقسام، مثل مشروع "دولة النهر والبحر"، ملمحة إلى إمكان الانفصال لتحقيق الحكم الذاتي وحماية موارد المنطقة، في حال فرض مثل هذا المشروع كأمر واقع.

تكمن الخطورة في تضافر عوامل عدة، تتمثل في التفاوت الاقتصادي، وانتشار السلاح، وضعف مؤسسات الدولة، وتوسع الشبكات غير الرسمية التي تربط الموارد بجهات مسلحة. وإذا ما استمرت هذه الظروف، فقد تتحول الاحتجاجات، التي تنطلق في الأصل من مطالب محددة، إلى صراعات أوسع نطاقاً، لا سيما عندما يجري تأطير المظالم الاقتصادية في سياق الإقصاء الإثني أو التنافس القبلي. ومع ذلك، لا يمكن إسقاط تجربة دارفور تلقائياً على ولايات الشمال والشرق، نظراً إلى اختلاف التاريخ الاجتماعي، وديناميكيات القوى، وطبيعة الموارد المعنية. وبناء عليه، فإن منع التصعيد يتطلب معالجة أوضاع مناطق تعدين الذهب وإضفاء الطابع الرسمي عليها، وحماية حقوق الأراضي، وضمان التوزيع العادل للإيرادات، وإنشاء رقابة بيئية مستقلة، وتأمين تمثيل حقيقي للمجتمعات المحلية في إدارة الموارد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير