ملخص
الصبر الأميركي يقترب من حده، فعندما تصبح أبسط مقتضيات تطبيق القانون بحاجة إلى اتصال من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزاف عون، يكون الأول قد حدد المطلوب، وأصبحت النتيجة هي التي ستقرر قيمة الرد اللبناني. وإذا قابلت السلطة هذا التحذير بمزيد من التأجيل، فإنها تخاطر بتراجع الثقة والدعم والقدرة على طلب تدخل واشنطن لحمايتها من التصعيد.
تتزاحم الأزمات فوق لبنان، ولكن السلطة تديرها بالتأجيل، وتدفع استحقاقاتها من أسبوع إلى آخر، وكأن البلد يملك ترف انتظار ما ستنتجه الانتخابات الأميركية والإسرائيلية.
بدءاً بالاعتداءات في الجنوب، مروراً بشحنة متفجرات "حزب الله" وتهديداته للمؤسسات، ووصولاً إلى التدخل الإيراني والضغط الأميركي، تتراكم ملفات تحتاج إلى قرارات، فيما تسعى السلطة اللبنانية إلى نقل مسؤولية حسمها إلى الخارج، وربط معالجتها بتسوية إقليمية لم تتضح معالمها بعد.
تتصرف الدولة اللبنانية كأن مرحلة الوقت الضائع تمنحها فرصة لتجنب المواجهة مع الحزب، وانتظار تبدل ما في الأفق، قد يخفف عنها كلفة القرار أو يعفيها منه.
لكن ما تؤجله السلطات اللبنانية يتحول مع الوقت إلى قيود إضافية عليها، فالحزب يستثمر التردد لتثبيت سلاحه واستثنائه من القانون، وإيران تتمسك بنفوذها، وإسرائيل تواصل فرض الوقائع على الأرض. ويدخل البلد المرحلة المقبلة مثقلاً بأزمات بفعل المماطلة، انتظاراً لما سيقرره الآخرون، وهنا تكمن مسؤولية هذه السلطة، أنها تراهن على نتائج الخارج، فيما تتآكل قدرتها على التأثير في الداخل، ثم تعود لتقدم عجزها باعتباره انعكاساً للظروف الإقليمية.
الضغوط الخارجية... إيران والولايات المتحدة
وفي هذا التوقيت، برز معطيان مهمان، وهما اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، برئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، فيما تزامن اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس عون، مع وصول مساعده سعيد خطيب زادة إلى بيروت، ولهذين المعطيين أهمية تتجاوز التواصل الدبلوماسي.
وبحسب ما أعلنته رئاسة الجمهورية اللبنانية عن اتصال عراقجي، تحدث الأخير عن "التوافق على ضرورة دعم الحلول الدبلوماسية باعتبارها أفضل الحلول لوضع حد للنزاعات في المنطقة". وقالت مصادر صحافية إن عراقجي أبلغ عون تمسك طهران بمذكرة التفاهم الإيرانية-الأميركية، وضرورة تطبيق جميع بنودها، بما فيها البند المتعلق بوقف الحروب المشتعلة على كافة الجبهات، ومنها لبنان، وحمّل الولايات المتحدة المسؤولية حيال عدم تنفيذها بوضعها "شروطاً تعجيزية كلما اقتربنا من التطبيق"، مضيفاً أن "الوسطاء لم يكفوا عن التدخل لإقناعها بضرورة العودة إلى المفاوضات، بدلاً من اللجوء إلى تهديدنا بمعاودة الحرب".
أما المواقف المنقولة عن مساعد وزير الخارجية الإيراني، فتضمنت التشكيك بجدوى التفاوض اللبناني مع إسرائيل والتمسك بضرورة استمرار سلاح الحزب ما دام الاحتلال قائماً. وخلال لقاءاته بعدد من الصحافيين، نُقل عنه قوله إنه "لا جدوى من التفاوض، ونحن نستعد لأسوأ الاحتمالات، والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لن تصل إلى نتيجة، لأن الأخيرة كيان مغتصب، وتريد استخدام المفاوضات كخطوة تمهيدية لتوسيع هيمنتها على المنطقة، وصولاً إلى تحقيق ما يُعرف بـ'إسرائيل الكبرى'"، وأنه "ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً في جنوب لبنان، فإن 'المقاومة' تبقى موجودة، وسيظل السلاح ضرورياً، وينبغي لكل غيور على مصلحة لبنان أن يدعم هذا التوجه". ولدى سؤاله عن العلاقة بين إيران و"حزب الله"، قال خطيب زادة "إنها ليست علاقة تراتبية من الأعلى إلى الأدنى. إيران لا تتدخل في الشؤون اللبنانية، وهي متروكة لأصحابها".
إيران تريد تثبيت موقعها في أي ترتيبات لبنانية مقبلة
وعليه تواجه الدولة اللبنانية خطاباً إيرانياً يؤيد الدبلوماسية في العموم، فيما يعترض على المسار الذي اختارته المؤسسات اللبنانية لمعالجة الحرب والسلاح. ويبدو واضحاً أن طهران تريد من هذا الحراك تثبيت موقعها في أي ترتيبات تخص لبنان، ومنع التعامل مع تراجع قدرة "حزب الله" باعتباره تراجعاً تلقائياً لحق بها في التأثير بالقرار اللبناني. ويضمن اتصال عراقجي بالرئاسة اللبنانية استمرار العلاقة مع رأس الدولة، فيما تمنح لقاءات مساعده مع حلفائها فرصةً لتثبيت موقفهم من السلاح والتفاوض، علماً بأن خطيب زادة التقى فقط برئيس مجلس النواب نبيه بري، ولم تُحدد له مواعيد للقاء الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام.
ولا تحتاج هذه المعطيات إلى افتراض تعليمات سرية حملها الوفد الإيراني، فالدفاع العلني عن بقاء سلاح الحزب، في لحظة تحاول فيها الحكومة إخضاعه لسلطتها، يؤدي وظيفة سياسية واضحة، إسناد ودعم موقف "حزب الله" في مواجهة قرار الدولة.
طهران تحدد للسلطة اللبنانية حدود التفاوض مع إسرائيل
وتبرز هنا المسألة الأكثر خطورة، فما نُقل عن عراقجي حول إعادة طرح مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية وما تضمنته في شأن الجبهات، يُظهر بصورة جلية أن طهران تريد معالجة الوضع اللبناني من خلال تفاهمها مع واشنطن. وعليه، لا يبدو أن طهران ستتخلى طوعاً عن أدوات تأثيرها لمجرد أن بيروت طلبت احترام سيادتها. لذلك تحتاج الدولة اللبنانية إلى سياسة تجعل استمرار التدخل أصعب وأعلى كلفة، وتمنع تحويل العلاقات الدبلوماسية إلى غطاء لعلاقة عسكرية وأمنية موازية.
فمن متفجرات ضهر البيدر إلى "بنك صادرات إيران"، هل انتهى وقت المسايرة الأميركية للبنان؟
"حزب الله" يعترف
ومنذ ضبط شحنة المتفجرات على حاجز "ضهر البيدر" (النقطة التي تربط منطقة البقاع بالعاصمة بيروت)، في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، دخلت السلطة اللبنانية في اختبار حاولت طويلاً تأجيله، أي تطبيق قراراتها على "حزب الله" وتحمل تبعات ذلك، فالحزب لا يزال ينقل متفجراته بين المناطق اللبنانية، على رغم كل ما جره سلاحه على لبنان، وخرج ليعلن أن السيارة وحمولتها تعودان إليه، وطالب بالإفراج عن الموقوفين واستعادة المضبوطات، ثم حذر السلطة من "مغبة التمادي" في إجراءاتها.
وكانت القوى الأمنية وفي منطقة "ضهر البيدر" على الطريق الدولية المؤدية إلى سوريا، أوقفت شخصين يُشتبه في انتمائهما لـ"حزب الله" أثناء نقلهما 500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، موزعة بين "250 كيلوغراماً متفجرات من نوع تي إن تي، و250 كيلوغراماً من نوع سي فور الشديد الانفجار".
وأقر الحزب على لسان عضو كتلته البرلمانية، النائب حسن فضل الله، بأن شحنة المواد المتفجرة تعود إليه، وأكد أن استخدامها كان موجهاً ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب. وقال فضل الله إن الجهات المعنية في الحزب تواصلت مع الأجهزة الأمنية والقضائية منذ لحظة توقيف السيارة، وأبلغتها بأنها وحمولتها تعودان إلى "المقاومة"، مضيفاً أن حمولة السيارة تتضمن "إمكانات تستخدمها 'المقاومة' في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا في الجنوب"، داعياً إلى الإفراج عن الموقوفين واستعادة السيارة ومحتوياتها. علماً بأن تلك الشحنة واحدة من ثلاث شحنات أعلنت السلطات اللبنانية عن ضبط متفجرات فيها منذ مطلع أكتوبر الجاري، وآخرها كان الإثنين الماضي حين أعلن الجيش ضبط نحو 200 كيلوغرام من المواد المتفجرة بمنطقة القصر قضاء الهرمل قرب الحدود مع سوريا. وقال إنها كانت معدة للتهريب إلى داخل البلاد.
وبهذا الاعتراف وما رافقه من تهديد، يضع الحزب الدولة أمام مسؤوليتها مباشرةً، ويعلن للبنانيين أنه لا يزال يعد سلاحه وعناصره وقراراته خارج أي محاسبة.
هل تحال قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي؟
ويضع طرح إحالة قضية المتفجرات إلى المجلس العدلي الحكومة أمام مسؤولية اتخاذ قرار يتناسب مع خطورة الملف، لكن الإحالة لم تُقر بعد، فبحسب التوضيح الرسمي لوزير الإعلام بول مرقص، أعلن وزير العدل عادل نصار أنه بصدد إعداد مشروع مرسوم، فيما لم تتخذ الحكومة موقفاً لعدم تقديم المشروع وإدراجه على جدول الأعمال، والتحقيقات مستمرة، مما يعني أن انتظار الإحالة لا يشكل مبرراً لتعليق الملاحقات القائمة.
أما سياسياً، فإن إبقاء الطلب معلقاً سيزيد الشكوك في قدرة الحكومة على مواجهة ضغط الحزب، والمطلوب حسمه على أساس قانوني واضح، ثم حماية التحقيق وتنفيذ قراراته. فالإحالة بحد ذاتها لا تضمن المحاسبة، وقد تتحول إلى عنوان لامتصاص الضغط إذا لم تتوافر الإرادة لملاحقة المسؤولين، أياً كانت مواقعهم.
أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين
ويترافق كل ذلك مع التطورات الخطرة التي سُجلت خلال الأيام الماضية، إذ هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومن داخل الجنوب اللبناني بتوسيع العمليات إذا انخرط الحزب في مواجهة إلى جانب إيران. وقال كاتس إن "حزب الله" سيتلقى "ضربة قاسية" إذا انضم إلى إيران في شن هجوم على إسرائيل، مضيفاً أن الحزب "سيخسر أراضي إضافية في جنوب لبنان، وتحديداً في منطقتي النبطية والليطاني، لتصبح جزءاً من المنطقة الأمنية الدائمة لإسرائيل". وأكد أن الجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ هذه العملية، متوعداً بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت واستهداف ما وصفه بـ"البنية التحتية للإرهاب" فيها، مشيراً إلى أن "أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان".
لا تسويات بالحسابات الأميركية
وخلال هذا الجو الملبد أتى اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس عون ليضع السلطة اللبنانية أمام مسؤوليتها في ملف متفجرات "حزب الله"، وليقطع الطريق على احتوائه بتسوية تعيد المضبوطات إلى الحزب وتُخرج الموقوفين من المحاسبة. فتوقيت الاتصال، وبعد إعلان الحزب ملكيته للشحنة ومطالبته باستعادتها وتحذيره السلطة من مواصلة إجراءاتها، يمنحه دلالة تتجاوز متابعة قضية أمنية. ما تريده واشنطن هو جواب عملي عن قدرة الدولة على تنفيذ قراراتها عندما يصطدم التنفيذ بإرادة الحزب، وعن استعدادها لحماية مؤسساتها من تهديداته. وقد أبرز ما أعلنه الجانبان اختلافاً واضحاً في أولويات عرض الاتصال، فالبيان اللبناني ركز على مطالبة عون بالضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات وأعمال التجريف، والالتزام باتفاق الإطار، وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم، مؤكداً أن الجيش والقوى الأمنية ينفذان القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، ومكافحة التهريب، وأن القضاء يتابع الملفات المحالة إليه، مشدداً على أنه "لن يكون هناك أي تساهل مع المرتكبين"، وأن القوانين ستُطبق "من دون أي محاباة".
أما الجانب الأميركي، فحدد القضية والأطراف المعنية بها، وبحسب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، من دون الكشف عن هويته، فقد طالب روبيو بمحاسبة كل من أمر بشحنة المتفجرات وموّلها وأدارها، وباستبعاد إعادة المضبوطات إلى "حزب الله". وتطرق روبيو إلى "قانون مقاطعة إسرائيل" اللبناني الصادر عام 1955، معتبراً أنه يُستخدم بصورة متكررة في ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية، تعوق الخطوات الرامية إلى تحقيق السلام. ووصف الوزير الأميركي القانون بأنه غير عملي، في موقف يعكس إدراج هذا الملف ضمن المحادثات الأميركية مع لبنان، ودعا إلى إقامة قنوات اتصال مباشرة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بهدف منع التصادم وفض الاشتباك، معتبراً أن هذه الخطوة من شأنها تقليل احتمالات سوء التقدير والمساعدة على المضي قدماً في التنفيذ المتسلسل "للإطار الثلاثي". وبذلك انتقل النقاش من تأكيد لبناني عام بأن المؤسسات تقوم بواجباتها، إلى مطالب أميركية يمكن متابعة تنفيذها وقياس نتائجها. وتحمل المطالبة بعدم إعادة المتفجرات رسالة شديدة الوضوح، فالحزب عد إعلانه ملكية الشحنة سبباً كافياً لاستردادها والإفراج عن ناقليها، ثم استخدم التحذير للضغط على السلطة. وجاء الموقف الأميركي ليغلق هذا المخرج، ويجعل أي استجابة لمطلب الحزب تراجعاً مكشوفاً عن التزامات الدولة. ولا يثبت ذلك أن قراراً رسمياً بإعادة الشحنة كان قد اتُخذ، لكنه يكشف عن أن واشنطن أرادت منع الوصول إليه، بعدما أصبح مطلباً حزبياً معلناً، والأهم أن روبيو لم يحصر المحاسبة بالموقوفين، فذكر أن الآمرين والممولين والمديرين أي يطال سلسلة المسؤولية التي تقف خلف نقل المتفجرات، ويمنع اختصار القضية بمن كان داخل السيارة. ذلك أن التحقيق الذي يتوقف عند المنفذين، سيترك الجهة صاحبة القرار قادرة على تكرار العملية، أما الوصول إلى من أصدر الأمر وأمّن المواد والتمويل وحدد وجهتها، فيختبر قدرة الدولة على إخضاع النشاط العسكري للحزب تحت سلطتها. ولهذا تصبح متابعة التحقيق مسألة سياسية بقدر ما هي قضائية، لأنها تتطلب حماية الأجهزة والقضاة من التدخل والضغط.
إلغاء تجريم التعامل والتواصل مع الإسرائيليين
أما عن اعتراض روبيو على استخدام قانون مقاطعة إسرائيل في ملاحقات ذات دوافع سياسية تعرقل السلام، فيكشف عن الانزعاج الأميركي من الشكوى المقدمة في حق السفيرة اللبنانية لدى واشنطن، ندى حمادة معوض، على خلفية معلومات وردت عن اتصال محتمل أجرته مع السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، والإشارة الأميركية إلى ذلك تأتي اعتراضاً على استخدام القضاء لتعطيل تواصل تجريه ممثلة الدولة في سياق عملها الرسمي. ويتجاوز الموقف الأميركي حماية السفيرة إلى المطالبة بإزالة العائق القانوني الذي يتيح تكرار هذه الملاحقات.
وفي هذا السياق، نُقل عن السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى أنه أبلغ عدداً من النواب مطلب التقدم باقتراح قانون لإلغاء تجريم التعامل والتواصل مع الإسرائيليين، بما ينسجم مع ما طرحه روبيو، فلا تستطيع الدولة المضي في التفاوض، فيما يبقى ممثلوها عرضةً للملاحقة بسبب الاتصالات التي يقتضيها هذا المسار. وتشير هذه الملفات إلى أن واشنطن تربط بين ضبط السلاح، وقدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة التفاوض، وتنفيذ التزاماتها، من دون السماح لقوة داخلية بتعطيل المسارين.
بنك صادرات إيران
تزامناً، أتى إلغاء مصرف لبنان الترخيص المحلي لـ"بنك صادرات إيران" ليكشف عن انتقال الضغط الأميركي إلى إجراءات تطاول الحضور المالي الإيراني في لبنان. فقد أعلن حاكم "مصرف لبنان" كريم سعيد أن "القرار يهدف إلى حماية القطاع المصرفي من أخطار العقوبات، والحفاظ على ارتباطه بالنظام المالي الدولي"، مؤكداً أن "لبنان لا يستطيع تحمل هذه الأخطار". وأشار إلى أن "دولاً أكبر وأقوى، بينها الإمارات وتركيا، اتخذت إجراءات لحماية مصارفها"، وأن "حساسية بعض القرارات سياسياً لا تعفي مصرف لبنان من مسؤولية اتخاذها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجاء القرار بعد المعلومات المنشورة عن إثارة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ملف البنك خلال لقائه الوفد اللبناني في واشنطن، وطلبه المساعدة في معالجته، بما فُهم آنذاك على أنه مطالبة بإقفاله. وتكمن الدلالة السياسية في أن القرار الذي تبرره مصلحة لبنانية مباشرة، احتاج إلى ضغط خارجي حتى يُحسم، فالدولة لا تزال تتردد أمام كلفة المساس بالمصالح الإيرانية، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى التحرك بعدما أصبحت كلفة الامتناع أكبر على مؤسساتها وعلاقاتها الدولية.
ومن البنك الإيراني إلى شحنة المتفجرات، تتضح أولوية أميركية، وهي تحويل التعهدات اللبنانية إلى إجراءات تطاول مصادر القوة المالية والعسكرية خارج سلطة الدولة، ومنع استخدام الحساسية الداخلية مبرراً دائماً لتأجيل التنفيذ.
تحذير أم إنذار؟
وبهذا المعنى، فإن اتصال روبيو يُقرأ على أنه تحذير أميركي مباشر، وإنذار بإقفال باب المسايرة في قضية المتفجرات، فقد حددت واشنطن ما تنتظره، وأبلغته إلى رئيس الجمهورية، ثم أعلنت تفاصيله، بما يضيّق قدرة السلطة على الاكتفاء بوعود عامة أو معالجة شكلية. وهذا هو الاختبار الذي وضعه اتصال روبيو أمامها، استكمال المحاسبة وصولاً إلى أصحاب القرار، وتحمل المسؤولية السياسية عن نتائجها.
لن يعفي الدولة القول إنها كانت تحاول حماية الاستقرار
في المحصلة، تضع المماطلة في حسم ملف المتفجرات، الدولة اللبنانية، أمام خسارة ما تبقى من صدقية تعهداتها، فإذا عجزت عن استكمال التحقيق في شحنة مضبوطة اعترف "حزب الله" بملكيتها وطالب باستعادتها، فكيف ستقنع الخارج بقدرتها على منع إعادة تسليحه أو ضبط قراره العسكري؟ وأي تسوية تُقفل القضية عند ناقلي الشحنة، ستمنح الحزب فرصة لتثبيت سلطته على المؤسسات، وستجعل التعهد بحصر السلاح عرضةً للتشكيك عند كل استحقاق جديد.
في المقابل، ستستثمر إسرائيل هذا التردد لتأكيد روايتها أن الدولة لا تمنع الحزب من ترميم قدراته، وتوسيع تدخلها العسكري بحجة القيام بما تمتنع المؤسسات اللبنانية عن تنفيذه، وتجربة الأنفاق والتحصينات في مرتفع "علي الطاهر" و"قلعة الشقيف" تكشف خطورة ترك الوقائع تتراكم إلى أن تتدخل إسرائيل لتفرض نهايتها بالقوة، وفق مصالحها وشروطها، وبكلفة يتحملها لبنان وحده، فكلما تأخرت الدولة، اتسعت قدرة إسرائيل على اختيار توقيت التدخل وحدوده وأهدافه. أما تهديد كاتس، فيضع احتمال التصعيد أمام السلطة بصورة مباشرة، خصوصاً إذا قرر الحزب الانخراط مجدداً في مواجهة دفاعاً عن إيران، وتنفيذ هذا التهديد يتوقف على القرار الإسرائيلي وحسابات المواجهة، لكن التعامل معه كمجرد ضغط كلامي، يكرر خطأ الرهان على أن الجميع يريد تجنب الحرب، لذا لن يقدم عليها أحد. هنا مسؤولية الدولة هي أن تمنع الحزب من توفير شروط جولة جديدة، وأن تنتزع بالتوازي التزاماً أميركياً بكبح الاعتداءات الإسرائيلية، قبل أن تجد نفسها مجدداً تطالب بوقف حرب لم تتخذ قرارها. وعلى ما يبدو، إن الصبر الأميركي يقترب من حده، عندما تصبح أبسط مقتضيات تطبيق القانون بحاجة إلى اتصال من وزير الخارجية الأميركي برئيس الجمهورية، يكون روبيو قد حدد المطلوب، وأصبحت النتيجة هي التي ستقرر قيمة الرد اللبناني، وإذا قابلت السلطة هذا التحذير بمزيد من التأجيل، فإنها تخاطر بتراجع الثقة والدعم والقدرة على طلب تدخل واشنطن لحمايتها من التصعيد. عندها ستواجه ضغطاً أميركياً أشد، وتهديداً إسرائيلياً مفتوحاً، وحزباً يعد تراجعها انتصاراً له، ولن يعفيها القول إنها كانت تحاول حماية الاستقرار، بعدما سمحت للمساومة على شحنة متفجرات بأن تتحول إلى مساومة على سلطة الدولة وأمن لبنان.