ملخص
المعرفة تفقد بريقها تدريجياً، وتكتسب سمعة سيئة باعتبارها عائقاً أكثر من كونها ميزة، وحاملها شخص غريب الأطوار لا عظيم القدرات، ومعرقلاً للتطور والبناء والابتكار لا ميسراً لها، وامتلاكها عبئاً لا ميزة.
حمل المعرفة ثقيل، وتبعاتها منهكة، وسطوتها مميتة، ولأن التخلص منها شبه مستحيل، فإن التعايش السلمي معها، وبأقل أضرار ممكنة أصبح ضرورة. طبيب أورام يمرض. التحاليل والأشعات تشير إلى إصابته بالسرطان. يجد زميله المعالج صعوبة بالغة في التعامل معه، وفشل سُبل الطمأنة وزرع الأمل التي يتبعها مع المرضى غير المتخصصين. معرفة الطبيب المريض تحول دون جهود زرع الأمل.
خبير اقتصاد مشهود له بالخبرة والحنكة والمهارة، يستمع إلى الوزير وهو يسرد معدلات النمو والتضخم والناتج المحلي الإجمالي والدين العام والداخلي والبطالة ويذيلها بتأكيدات أن الاقتصاد في أزهى عصوره، والنمو في أبهى حلله، والرغد قادم لا محالة، لكنه لا يرى إلا تلاعباً بالأرقام، وتطويعاً للزيادات، وتمويهاً للإخفاقات، وأن مشكلات اقتصادية طاحنة واقعة لا محالة، وأياماً صعبة قادمة من دون شك.
أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية محنك يتابع مجريات العالم وحروبه وصراعاته، يسمع تأكيدات زعماء الدول الكبرى على أنهم يخوضون معارك من أجل خير البشرية وإعلاء السلام والعدل والمساواة، لكنه لا يرى أمامه سوى تطاحن على موارد طبيعية، وتكسير عظام شعوب من أجل الهيمنة.
قائد سيارة في مدينة تضرب الفوضى قواعد السير فيها. السير العكسي والتوقف المفاجئ والاجتياز الخطأ عقيدة مرورية. يرى في كل تجاوز حادثاً مميتاً يوشك على الوقوع، إن لم يكن اليوم فغداً، حيث ضرب عرض الحائط بقواعد وقوانين السير لا يعني إلا حادثاً ينتظر الوقوع.
متى تصبح المعرفة حملاً ثقيلاً؟
ثقل المعرفة، وعبء حملها، واستحالة تجاهل صاحبها لها يجعل منها أحياناً سلاحاً ذا حدين، الأول فوائد الإدراك والعلم والفهم، والثاني مغبة كل ما سبق حين يدرك الشخص أنه عاجز عن محو أو تجاهل ما يرى من سخافات، ويكشف من أكاذيب، ويعي من ضلالات، ويكتشف أن الجهل الذي حُرِم منه نعمة لا يراها إلا المثقلين بالمعرفة.
ما لا يقال إلا في أضيق الحدود بين علماء وخبراء النفس والاجتماع هو أن الجانب الخفيّ من المعرفة هو أنها تتحول في حالات المعرفة القصوى إلى لعنة.
لهذه اللعنة تعريفات وأوجه عدة، أبسطها وأسهلها عدم قدرة صاحب المعرفة على تخيل نفسه مكان من هم أقل معرفة منه، وأحياناً لا يعي من الأصل أن ما يحمله من معرفة هو الاستثناء، وأن القاعدة، إما معرفة أقل، أو أكثر سطحية، أو غير موجودة. وينتج عن ذلك خلافات وصعوبات في التواصل واتخاذ القرارات، حيث الجميع يعتقد أنهم على مستوى معرفي واحد، في حين أن الواقع مختلف تماماً.
قليلو المعرفة يعتقدون أن معرفتهم قياسية ومعاييرها موحدة. وكثير المعرفة يجد صعوبة أو استحالة في النظر إلى مشكلة أو وضع ما من منظور الأشخاص الأقل دراية.
روشتات كثيرة وضعها خبراء تنمية بشرية بالتعاون مع علماء نفس لمساعدة غزيري المعرفة على التغلب على معضلتهم، وتوسيع قاعدة تواصلهم مع بسطاء المعرفة ومحدوديها. تتراوح النصائح بين بناء قدر أوفر من التعاطف، وتبسيط وتوضيح طريقة الكلام والكتابة، وطلب الملاحظات من الآخرين، والعمل على بناء ثقافة قوامها التعلم المستمر، واستخدام أدوات الشرح للآخرين مثل الرسوم البيانية والصور والفيديوهات بغرض التبسيط وغيرها، لكن يبقى صاحب المعرفة في جزيرة منعزلة، لا سيما بعد أن يعي أن ما كان يعتقد أنها بديهيات معرفية، وأبجديات إدراكية، هي بالنسبة للآخرين معارف معقدة ومعلومات معمقة وقدرات خارقة على الفهم والفطنة.
الأدهى من ذلك أن قدرة غزيري المعرفة على فهم كيفية تفاعل الأجزاء، أو تطور الأحداث المختلفة، لكن بنمط متكرر، ما يمكنهم من معرفة ما ستؤول إليه الأوضاع، يسميها الآخرون "تنبؤات"، وبينهم من يعدها "كرامات"، أي أمور خارقة يحدثها الله على أيدي "أوليائه الصالحين" والمتقين تكريماً لهم.
أمّا "الكرامات" بمعنى المهارة الذهنية المتمثلة في تلقي كميات كبيرة من المعلومات المتفرقة والمعقدة من مصادر متنوعة، وفهمها، ودمجها لتكوين صورة كلية متماسكة لوضع ما، أو القدرة على الربط بين المعطيات حيث معلومات تبدو إنها غير مترابطة، لكن تجمع بينها علاقات أو ملامح خفية تربط بينها، أو القدرة على الاستشراف الاستراتيجي، حيث معلومات وخبرات تستخدم لتحليل المجريات من حروب أو صراعات، فليست حكراً على أولياء الله الصالحين، بل أوليائه العالمين والملمين بالمعارف.
الطريف، وربما المؤسف، أن غزيري المعرفة غالباً لا يعرفون ذلك، بل عادة يعتريهم شعور بعدم الثقة في قدراتهم المعرفية. في المقابل، يعتري قليلي وعديمي المعرفة ثقة عارمة في معارفهم، تضفي عليهم مصداقية أمام الآخرين.
عالما النفس دانيال دانينغ وجاستن كروغر عندما شرحا أسس ما يعرف بـ"تأثير دانينغ – كروغر" في عام 1999 وضعا عديمي المعرفة في وضع محرج، ونبها إلى مفارقة مذهلة في مسألة الجهل والمعرفة. شرح دانينغ وكروغر في بحثهما المهم المنشور تحت عنوان "عديم المهارة وغير مدرك لذلك: كيف تؤدي الصعوبات في إدراك عدم الكفاءة الذاتية إلى تقييمات مبالغ فيها للذات" كيف يمكن للثقة أن تكون بديلاً للمعرفة، ولو كانت الأولى مبنية على أسس غير موجودة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استنتاج العالمين المبنيّ على أبحاث ميدانية ونظريات علمية أثار قدراً أكبر من القلق بتأكيد أن الثقة بدلاً من أن تكون دليلاً على الكفاءة، أصبحت تتناسب معها عكسياً، أي كلما قلّت معرفتك، زاد اعتقادك بأنك تملك المعرفة، والعكس صحيح.
في مقال عنوانه: "لماذا قد تعوقك المعرفة المفرطة؟ والحجة لصالح قليل من الجهل" (2018) كتب جاك فيرداي في "ذو فيلومنيست" (موقع مخصص لتطبيق الفلسفة والعلوم الإنسانية على الاقتصاد والعمل): "لو تساءلت يوماً كيف تتمكّن حفنة من الجهلة الحمقى من الوصول إلى السلطة، فربما تكمن الإجابة الأفضل في أوساط "الغائبين الكبار". إنهم أولئك الأفراد المتمتعين بمهارات عالية وتواضع جم، والذين يفضلون البقاء على الهامش، عكس من يتمتعون بمهارات ضعيفة أو لا يتمتعون بمهارات من الأصل، لكنهم يقفزون إلى دائرة الضوء والقرار والعمل والسلطة".
يطرح فيرداي مقترحاً قوامه أن قليلاً من الجهل لا يضر. يقول إنّ قليلاً من الجهل فيه مميزات عدة، مثل كونه يدفع البعض للإقدام والابتكار، فلو كان كل المخترعين ورواد الأعمال على دراية فائقة بكل الأرقام والمعلومات المتعلقة باحتمالات الفشل، وطبيعة السوق ومخاطره، والتعقيدات البيروقراطية مثلاً، لما أقدموا على تأسيس شركاتهم. قليل من الجهل هنا مفيد، لأنه يجعل الشخص غير مدرك لفكرة المستحيل.
كما أن المعرفة المفرطة والعلم الوفير والقدرة على ربط الأشياء والأحداث ببعضها طيلة الوقت تؤدي إلى حالة مزمنة من الإجهاد الذهني الحاد، وهو ما يجعل الانتفاع من اللحظة الراهنة، عبر اتخاذ قرارات مناسبة، أمراً غير وارد.
نعمة الجهل
المعرفة تفقد بريقها تدريجياً، وتكتسب سمعة سيئة باعتبارها عائقاً أكثر من كونها ميزة، وحاملها شخص غريب الأطوار لا عظيم القدرات، ومعرقلاً للتطور والبناء والابتكار لا ميسراً لها، وامتلاكها عبئاً لا ميزة.
"عبء المعرفة" عنوان اختاره أستاذ مشارك في القانون في جامعة جورجيا الأميركية كريستيان تيرنر في ورقة بحثية طرح فيها زاوية قانونية وأخلاقية فريدة للمعرفة والجهل. يقول إن "عدم المعرفة أحياناً تكون أفضل. ورغم مقولة "الجهل نعمة" التي يستخدمها كثيرون، فإن الأوساط الأكاديمية القانونية لم تدرس بصورة شاملة مزايا الجهل وكيفية تنظيمه قانونياً.
ومع أن توزيع المعرفة، شأنه شأن توزيع السلع الأخرى، يتأثر بالقانون سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن هناك خصائص تميز المعرفة عن غيرها من صور الملكية. وإضافة إلى بديهيات طبيعة المعرفة التي تتسم بعدم التنافسية، وعدم القابلية للاستئثار، هناك سمتان مهمتان للمعرفة تتضافران معاً لتشكلا نوعاً فريداً من المعضلات: التصاقها بمعنى أن المعرفة بمجرد اكتسابها لا يمكن التخلي عنها طواعية، وقدرتها على إلحاق أضرار أو تكاليف باهظة بحاملها من دون أن يتمكن من التحكم فيها".
يعرض تيرنر أربعة أمثلة للمعرفة التي قد يرغب الأفراد في عدم امتلاكها: الاطلاع على التركيبة الجينية والاستعدادات الوراثية للفرد، ومعرفة الجهة المقرضة بعرق أو إثنية الشخص المقترض، واكتشاف المحامي زيف شهادة وكيله، ومعرفة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (إيدز).
ورغم اختلاف أسباب تفضيل عدم المعرفة في هذه الحالات، بين الخوف من تأثيرها على سلوك الشخص أو قراراته، أو حتى لا تعيق الشخص عن الاستمتاع بحياته، فإن تيرنر بحث في كيفية الاستجابة القانونية للمصالح المرتبطة بالجهل. ويوضح أن قرار الشخص أن يكون جاهلاً بأمر ما، ربما يؤثر في مصالح وحياة آخرين، وهو ما يجب أن يوضع في الحسبان. وخلص إلى ضرورة الوصول إلى منطقة وسط توازن بين اختيارات الأفراد في المعرفة أو الجهل من جهة، والآثار الواقعة على آخرين نتيجة هذا القرار في حالات عدة، مع الأخذ في الاعتبار حقيقة واقعة، وهي أنه بمجرد اكتساب الشخص المعرفة، لا يمكن مطالبته بنزعها أو محوها.
التعدادات الرسمية التي تجريها الدول لا تتضمن نسبة أصحاب المعرفة العميقة والضحلة من مجموع السكان، لكن كثيراً من الدول تدرك أيضاً أن السيطرة على أصحاب المعرفة الضحلة، وتوجيههم أسهل بكثير من أصحاب المعارف العميقة، لكن على المدى القصير، أما البعيد فيبقى في علم الغيب وعلم أصحاب المعارف.
أما كيفية الإبقاء على الأفراد خارج نطاق المعرفة، فالأمر سهل، والأدوات كثيرة. إقحام الدين في كل كبيرة وصغيرة، وتنصيب رجاله مشرفين على الفكر ومراقبين على الاجتهاد، وتجميد التعليم واعتماد الحفظ والتلقين منهجاً أساسياً، وتصدير التفاهة وحماية الضحالة وتكريم الحماقة.