ملخص
يبدأ ملك بريطانيا تشارلز الثالث اليوم الثلاثاء جولة تستمر 9 أيام في جزر البهاما وغيانا وأنتيغوا وباربودا، ويلقي خلالها 3 خطابات بارزة فيما تتردد تحذيرات من أن الجولة قد تسرّع مساعي إقصائه عن رئاسة عدد من دول المنطقة إن لم يذهب أبعد في مواجهة صلات التاج التاريخية بالعبودية.
قبل هبوط طائرة الملك تشارلز الثالث في جزر البهاما قال وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز إن التعويضات عن العبودية "ليست طلباً معقولاً". وأضاف في تصريح نقلته صحيفة "ديلي ميرور" أنه لا يرى مشروعية في توجيه هذا الطلب إلى المملكة المتحدة بالنظر إلى الأجيال الحالية. وفي ناساو، كان الكاهن الأكبر ريتشموند ماكيني يستعد لقيادة احتجاج ينظمه أتباع حركة "راستافاري" على مدى يومي الزيارة. وماكيني نفسه شارك في تظاهرات ضد الملكة إليزابيث الثانية في ثمانينيات القرن الماضي. وقال لصحيفة "الغارديان" إن الصرخة لم تتغير، وإن أسف الملك "ليس كافيا"، مطالباً إياه باعتذار كامل.
يقضي الملك ثلاثة أيام في البهاما، يزور خلالها حديقة كليفورد التي رُفع فيها علم البلاد للمرة الأولى قبل أكثر من نصف قرن، ثم ينتقل إلى غيانا في زيارة دولة تتزامن مع الذكرى الـ60 لاستقلالها عن بريطانيا، قبل أن تنضم إليه الملكة كاميلا في أنتيغوا وباربودا لحضور اجتماع رؤساء حكومات "الكومنولث" (تشوغم) بين الأول والرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. والملك تشارلز (77 سنة) لا يزال يتلقى العلاج من السرطان، وهذه زيارته الأولى إلى الكاريبي منذ رحلته إلى باربادوس عام 2021، حين أزاحت الجزيرة الملكة إليزابيث عن رئاسة الدولة.
أغلق قصر باكنغهام باب الاعتذار قبل انطلاق الجولة. وقال متحدث باسمه إن هذه المسائل شأن يعود للحكومات بالدرجة الأولى، وإن تصريحات الملك السابقة كانت قاطعة حين وصف العبودية بأنها "فظاعة" تلطخ التاريخ إلى الأبد. وأضاف أن برنامج الزيارة لن يتجنب "أحلك أيام ماضينا". سيلتزم الملك في خطاباته الثلاثة مشورة الحكومة بعدم تقديم اعتذار رسمي. وقال وزير الخارجية إد ميليباند، الذي يرافق رئيس الوزراء آندي بيرنهام إلى القمة، إنه لا يرى في التعويضات حلا.
في المقابل، اتسعت دائرة الضغط إلى ما هو أبعد من الناشطين. فقد قالت الأمينة العامة لـ"الكومنولث" شيرلي أيوركور بوتشوي لقناة "سكاي نيوز" إن اعتذار الملك "لن يضر". وأوضح رئيس غيانا محمد عرفان علي، مضيف الملك في المحطة الثانية، أنه يريد تقدماً نحو التعويضات يبدأ بالاعتذار. وعلى رغم خلو جدول أعمال القمة من أي بند رسمي في شأن التعويضات، أكد رئيس لجنة التعويضات في مجموعة "كاريكوم" هيلاري بيكلز أن الملف سيكون "البند الأول على الطاولة" لكل المشاركين من الكاريبي وأفريقيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من البهاما، قالت رئيسة "اللجنة الوطنية للتعويضات" نيامبي هول كامبل-دين إن بلادها تنفق مئات آلاف الدولارات لاستضافة من تحمّله مسؤولية استعباد الأجداد واستعمارهم، متسائلة عما تجنيه في المقابل. وأضافت أن الاحتجاجات تحمل رسالتين: تذكير الملك بأن المطالبة بالتعويضات قائمة، ودفع البهاميين إلى مساءلة علاقتهم بالتاج.
وفي بريطانيا، رأى المؤرخ الثقافي باتريك فيرنون، ممثل "مجلس الشتات الجامايكي العالمي" في المملكة المتحدة، أن الزيارة تضع "الكومنولث" أمام "أكبر مفترق طرق منذ تأسيسه". وتساءل عن جدوى البقاء في رابطة لا يتسع فيها المجال حتى لحوار حقيقي في شأن جريمة اعترف بها المجتمع الدولي. وذهبت النائبة العمالية بيل ريبيرو-آدي، رئيسة المجموعة البرلمانية لجميع الأحزاب المعنية بتعويضات أفريقيا، إلى أن تعاقب المفردات من "الفظاعة" و"الندم العميق" و"الحزن" إلى "أحلك الأيام" لم يعد كافيا. وقالت إن الناس ما كانوا ليكرروا مطالبهم لو كان ما يفعله الملك قريبا من الكافي، وإنها واثقة من أنه لا يريد أن يكون العاهل الذي تنهار في عهده الرابطة.
غير أن الصورة المتداولة عن ملك يُخيَّر بين الاعتذار والإقصاء تحتاج إلى تفكيك في ثلاث نقاط. الأولى أن الملك لا يملك قرار الاعتذار باسم بريطانيا، فهو يتصرف بمشورة وزرائه، والقصر نفسه أحال المسألة إلى الحكومات. والمفارقة أن تشارلز ملك على البهاما وأنتيغوا ويتصرف فيهما بمشورة حكومتيهما، لكن الاعتذار المطلوب منه يصدر باسم الدولة البريطانية التي يرفض وزراؤها منحه.
والنقطة الثانية أن التحذير من تسريع الإقصاء يصدر عن ناشطين ونواب، لا عن حكومات اشترطت رسميا الاعتذار لإبقاء الملك، إضافة إلى أن مسارات الانفصال عن التاج سابقة على هذه المعركة. فبحسب مذكرة لمكتبة مجلس العموم نُشرت أمس، وعد رئيس وزراء أنتيغوا وباربودا غاستون براون عام 2022 باستفتاء على الجمهورية خلال ثلاث سنوات، ولم يُجر بعد. وفي البهاما، قال رئيس الوزراء فيليب ديفيس إن الاستفتاء "مطروح دائما"، ولم يُعقد أيضاً. وفي جامايكا، يحتاج مشروع قانون الجمهورية المقدم في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 إلى غالبية الثلثين في مجلسي البرلمان ثم استفتاء شعبي. فالاعتذار المرفوض يعمل كمسرّع لمسارات قائمة، لا كزناد يطلقها.
أما النقطة الثالثة فقانونية، وهي ما يفسر صلابة الموقف البريطاني. ففي السابع من سبتمبر (أيلول) الماضي قدمت جامايكا عريضة إلى الملك تطلب منه إحالة ثلاثة أسئلة إلى اللجنة القضائية لمجلس الملك الخاص (برايفي كاونسل) استنادا إلى قانون عام 1833. وتتناول الأسئلة ما إذا كان استعباد الأفارقة مشروعا وفق القانون الإنجليزي، وما إذا كان منافيا للقانون الدولي، وما إذا كانت على بريطانيا التزامات قانونية بالإنصاف. وفي الـ22 من سبتمبر الماضي، أعلنت وزيرة الثقافة الجامايكية أوليفيا غرانج أن الملك أحال العريضة إلى اللجنة، ومن المقرر النظر فيها في مارس (آذار) 2027. ومع قضية منظورة، يصبح أي اعتذار رسمي وثيقة قد تُستخدم أمام القضاء، وسبق أن حذر خبراء دستوريون من أن الاعتذار قد يضع الحكومة في موقع قانوني حرج.
لموقف لندن منطق يتجاوز الحسابات القانونية. فالحكومة تقول إنه لا يجوز تحميل الأجيال الحالية تبعات ماض بعيد، وترفض تصنيف الجرائم ضد الإنسانية في سلّم. وحين امتنعت بريطانيا عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في الـ25 من مارس الماضي، أقرت بما سببته العبودية من بؤس لملايين البشر، لكنها حذرت من "خلق تراتبية بين الفظائع التاريخية". وقد أُقر القرار الذي اقترحته غانا بغالبية 123 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات وامتناع 52 دولة.
ولا تبدأ القصة مع هذه الجولة. ففي قمة كيغالي عام 2022، تحدث تشارلز وهو ولي للعهد عن عمق حزنه الشخصي من دون أن يعتذر. وجاء ذلك بعد جولة لنجله وليام وزوجته كيت في الكاريبي، أثارت فيها صور الزوجين يصافحان أطفالاً جامايكيين من خلف سياج شبكي انتقادات واسعة. وأبلغهما رئيس وزراء جامايكا أندرو هولنس يومها أن بلاده "ماضية" نحو تحقيق طموحاتها.
وتكررت الصيغة في كينيا عام 2023، حين تحدث الملك عن "أعظم الحزن وأعمق الندم" من دون اعتذار. وفي قمة ساموا عام 2024، قال إن أحدا لا يستطيع تغيير الماضي، لكن الجميع قادر على التعلم من دروسه. وانتهت تلك القمة ببيان وقّعته الدول الـ56 كافة، ومنها بريطانيا، يدعو إلى "نقاشات حول العدالة التعويضية"، ثم أكد رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر أنها لن تكون "عن المال". والسابقة المعاكسة هولندية، إذ اعتذر الملك فيليم ألكسندر عام 2023 عن دور بلاده في تجارة الرقيق، وهي سابقة تستحضرها ريبيرو-آدي بقولها إن "عالمهم لم ينتهِ".
يضيق الرأي العام البريطاني هامش المناورة أمام أي حكومة. فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "يوغوف" نُشر في الـ26 من مارس الماضي أن 60 في المئة من البريطانيين يعارضون مبدأ دفع التعويضات، مقابل 24 في المئة يؤيدونه، لكن الأرقام تنقسم حاداً، إذ يؤيدها 71 في المئة من البالغين السود، فيما لا يتجاوز التأييد ثمانية في المئة لدى من تخطوا الـ65. ويرفضها 82 في المئة من ناخبي حزب المحافظين و90 في المئة من ناخبي "ريفورم".
والاعتذار وحده يحظى بقبول أوسع. ففي استطلاع موّلته "حملة ريبير" المؤيدة للتعويضات وشمل أكثر من ألفي شخص، أيد 63 في المئة تقديم اعتذار رسمي، مقابل 40 في المئة يؤيدون التعويض المالي. إلا أن الحزب الذي ينافس على الحكم تبنّى الموقف الأكثر تشددا، إذ أعلن "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج في أبريل (نيسان) الماضي أنه سيمنع التأشيرات عن مواطني الدول المطالبة بتعويضات. ووصف بيكلز المقترح بأنه "إرث عنصرية سامة".
إزاء هذه المعطيات، قد يمضي القصر، ومن خلفه داونينغ ستريت، في أسف متدرج إن جاز التعبير، أي تعميق لغة الحزن عبر رموز ميدانية من دون كلمة "اعتذار". والخيار الثاني هو اعتذار ملكي يقتصر على دور التاج نفسه، تمييزاً له عن مسؤولية الدولة، يلبي هذا المسار جوهر المطلب الموجه إلى التاج، لكنه يتطلب مشورة وزارية حجبها الوزراء صراحة، ويفتح ثغرة قانونية قبل أشهر من الجلسة.
المسار الثالث هو مخرج يتجاوز ثنائية الاعتذار والرفض. ويقترح عالم اللاهوت في جامعة ولفرهامبتون البروفيسور روبرت بيكفورد أن يدعم الملك لجنة وطنية للحقيقة والمصالحة تدرس دور بريطانيا في العبودية والاستعمار بوصفهما نظامين للاستخراج. ويلتقي ذلك مع دعوة براون، رئيس القمة المقبلة إلى إطار داخل "الكومنولث" لمناقشة الملف وحله. ويتيح هذا المسار للملك أن يتحرك تحت مظلة حكومية من دون إقرار قانوني بالمسؤولية، لكنه يحتاج إلى موافقة حكومة أعلن وزراؤها رفضهم الواضح، وسيمنح "ريفورم" مادة للتعبئة.
الإشارة الحاسمة لأي من المسارات الثلاثة ستكون في البيان الختامي لقمة أنتيغوا لا في نبرة الخطابات، وتحديدا فيما إذا كانت التعويضات الغائبة عن جدول الأعمال الرسمي ستدخل نص البيان بآلية تتجاوز عبارة "النقاشات" التي وُقّعت في ساموا. فإن حدث ذلك، يكون الاعتذار قد أُجّل ولم يُدفن.