ملخص
السائح المتجول في مدينة تيبازة لا يجد أثراً للسور القديم بسبب قساوة الطبيعة التي أكلت المدينة، وغرق تحت البحر جزء منها، لكن تجذبه كثرة القبور، إذ تذكر كتب التاريخ أن سكان "تيبازة الفينيقية" كانت لديهم طقوس خاصة بالموت، ومقابر خاصة بالأغنياء، وأخرى برجال الدين، أما الأيتام فكانوا لا يدفنون، بل ترمى جثثهم للأسود الموجودة في مكان خاص بها داخل القلعة الحصينة.
في الجزائر مدينة تأخذ الزائر في رحلة عبر الزمان وهو يتجول بين معالمها الأثرية المتنوعة التي لا تنتهي، وتعيده لسيرته الأولى عند التفاته إلى شواطئها الجميلة وطبيعتها الخلابة، إنها مدينة تيبازة التي أسسها الفينيقيون، وحوّلها الرومان إلى مستعمرة عسكرية، وكانت النواة المركزية لمملكة موريطانيا (مملكة قديمة في شمال غربي أفريقيا) خلال عهد الملك يوبا الثاني، ومرت عليها حضارات عدة، إنها إحدى أقدم مدن البحر المتوسط.
بناها الفينيقي
وغير بعيد من العاصمة الجزائر، تقع مدينة تيبازة، واحدة من أجمل المدن الجزائرية التي تخفي داخلها معالم أثرية تحكي تاريخاً طويلاً بدأ مع الفينيقيين الذين بنوا المدينة وطوروها، وكانت في الأصل ميناء ترسو فيه سفنهم بعد تنقلاتهم، ثم سرعان ما بدأ هذا الميناء بالتوسع حتى صار مدينة ذات أهمية كبيرة، في الفترة ما بين القرن الخامس والقرن الثاني قبل الميلاد، فقاموا بتطوير المدينة وتوسيعها.
وأطلق الفينيقيون عليها اسم "تيبازة" الذي يعني في لغتهم "الممر"، لأنها كانت معبراً لقوافل التجار والسكان والعسكريين بين مدينتي "إيكوزيم" و"إيول"، وهما الجزائر وشرشال حالياً، وأحاطوا المدينة بسور عظيم و37 مركز حراسة، خوفاً من أي غزو.
غرائب وطقوس الموت
والسائح المتجول في المدينة لا يجد أثراً للسور بسبب قساوة الطبيعة التي أكلت المدينة، وغرق تحت البحر جزء منها، لكن تجذبه كثرة القبور، إذ تذكر كتب التاريخ أن سكان "تيبازة الفينيقية" كانت لديهم طقوس خاصة بالموت، ومقابر خاصة بالأغنياء، وأخرى برجال الدين، أما الأيتام فكانوا لا يدفنون، بل ترمى جثثهم للأسود الموجودة في مكان خاص بها داخل القلعة الحصينة.
وتشير بعض الروايات إلى أن تابوتين ملتصقين، كان الأغنياء يشترونهما لقبورهم الخاصة، فيكون قبرا الزوج والزوجة متلاصقين معاً، أملاً في أن تشاركه في رحلة الموت أيضاً، وكانت هناك أيضاً قبور عادية خاصة بالخدم تحيط بالقبر الكبير الخاص بعائلة الغني.
ومن أغرب طقوس الدفن في هذه المدينة، أن يأخذ الميت معه زجاجة صغيرة وآنية فخارية، تحوي إحداهما دموعاً والأخرى عطراً، فتكون الأولى شاهدة على أيامه والثانية من أجل استعمالها خلال رحلة البعث.
حوّلها الرومان إلى مركز مسيحي مهم
أما خلال العهد الروماني، فتحولت تيبازة إلى مركز مسيحي مهم، إذ بنيت المدينة فوق ثلاثة تلال صغيرة متقابلة مطلة على البحر، فيما أقيمت السكنات في التلة الوسطى، وتحولت إلى مستعمرة تتبع روما أثناء عهد الإمبراطور كلاوديوس بين عامي 41 و54 بعد الميلاد، لكن سرعان ما أصبحت مجمعاً حضارياً للرومان، به المدارج والمسارح وغيرها من المنشآت المميزة، بعدما قطنها قادة الجيش الروماني وكبار الأثرياء الرومان، وأطلق عليها اسم "كولونيا إيليا تيباسنسيس"، ووصل عدد سكانها إلى 20 ألف نسمة في القرن الرابع الميلادي، وفقاً للمؤرخين.
وعلى رغم أنه لم يبقَ أي أثر للبيوت بسبب الحروب والعنف المناخي، سلمت ثلاث كنائس من الاختفاء، وهي "بازيليكا الكبرى" و"بازيليكا سالسا" في التلة الشرقية و"بازيليكا إسكندر" في الغربية التي تحكى حولها روايات وأساطير مثيرة.
وتقول كتب التاريخ إن "بازيليكا الكبرى" التي تحوي سبعة أجنحة، استخدمت لقرون عدة كمقلع للحجارة، واكتُشفت تحتها مقابر نحتت من الصخر الصلب من بينها قبر دائري قطره نحو 18.5 متر يتسع لـ24 جثة، وأما "بازيليكا سالسا" التي تنسب إلى إحدى القديسات، فتتشكل من الصحن الرئيس وجناحين، بينما تقع "بازيليكا إسكندر" إلى جانب "بازيليكا الكبرى" التي تُعد من أكبر المنشآت الدينية الأثرية.
البيزنطيون مروا من هنا
واستمرت مملكة تيبازة الرومانية لغاية عام 430م، عندما تعرضت للتدمير على يد متمردين من سكان المنطقة الذين ثاروا على الرومان، موازاة مع وصول قبائل الوندال إلى المنطقة، حين قام الملك الوندالي هينريك بإرسال أسقف من المذهب الأريوسي إلى المدينة، مما دفع أعداداً كبيرة من السكان إلى الفرار نحو إسبانيا عن طريق البحر، وتعرض الباقون للاضطهاد بقسوة ووحشية، إذ تتحدث المصادر التاريخية أنه تم قطع أياديهم اليمنى وألسنتهم، وتمكن البيزنطيون من إعادة بناء تيبازة بعد قرن واحد فقط.
وعام 534، احتل البيزنطيون بقيادة الإمبراطور بيزانس سيزاري مدينة تيبازة، وعاد من هاجروا إلى إسبانيا بعدما أخذت الكاثوليكية مكانتها بصورة رسمية خلال عهد هيلديريك.
الحضارة الإسلامية تجاهلتها وفرنسا دمرتها
دخل الإسلام إلى منطقة تيبازة خلال النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أو القرن الأول الهجري، أثناء الفتوحات الإسلامية لبلاد المغرب الأوسط، الجزائر، بقيادة القادة الأمويين مثل أبي المهاجر دينار وعقبة بن نافع، وعلى رغم عدم اعتمادهم على المدن الفينيقية والرومانية وتفضيلهم بناء مدن جديدة مستقلة، فإن تيبازة حافظت على السكان وعلى آثارها، إلى أن وصل العثمانيون الذين قاموا ببناء موقع "برج النابوط" الذي كان حصناً لتأمين الملاحة وحراسة المناطق الساحلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع سقوط الجزائر في يد الاحتلال الفرنسي عام 1830، سويت المدينة بالأرض مرة أخرى، قبل أن تنشأ على أطلالها المدينة الحديثة حالياً في 1857، غير أن بعض الآثار والمعالم التي قاومت وحشية الغزاة وغضب الطبيعة لا تزال شاهدة على تاريخ مدينة جزائرية امتد إلى أكثر من 26 قرناً.
من التراث العالمي إلى الإنسانية
تمتاز اليوم مدينة تيبازة الواقعة على نحو 75 كيلومتراً غرب العاصمة الجزائرية، بمناخ معتدل وطبيعة خلابة وأماكن سياحية أثرية تاريخية تمتد على مساحة تقدر بـ65 هكتاراً، تفرض عليك التوقف للاستماع إلى شروحات المرشدين أو الاطلاع على اللوحات التعريفية، إنها حتمية لا تشعر بها إلا أنها ضرورية من أجل تنمية العقول والتأمل في تاريخ مدينة استقبلت البشرية والحضارات، لكنها قاومت الغزاة وغضب الطبيعة، مما جعل منظمة "اليونيسكو" تصنفها ضمن قائمة التراث العالمي للإنسانية.
تيبازة ليست مجرد مدينة على ضفاف البحر المتوسط، إنها مزيج من حجر وموج، وتشابك بين عبق التاريخ ونسيم البحر، على رمالها الذهبية مر الفينيقيون فتركوا بصماتهم، وجاء الرومان فأقاموا مسارحهم ومعابدهم، ثم مرت حضارات وحضارات، كلّها ذابت في ذاكرة المكان، ولعل أجمل ما قيل عنها هو ما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو الذي يُعد من أبرز وجوه الأدب في القرن الـ20 "في تيبازة، أتعلّم أن أكون سعيداً".