Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرح القتل المجاني في "أقمار مالي ألميدا السبعة"

السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا الفائز بـ"البوكر" يروي مآسي الحرب الأهلية

الروائي السريلانكي الفائز بالبوكر شيهان كاروناتيلاكا (موقع البوكر)

ملخص

صدرت حديثاً ترجمة عربية لرواية "أقمار مالي ألميدا السبعة" للكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، وهي الفائزة بجائزة "بوكر" البريطانية عام 2022، وتتقصى مآسي الحرب الأهلية السريلانكية، وسردياتها الدموية العبثية، على مدار أكثر من ربع قرن.

قد يُبالغ الأحياء في وصف قسوة الحياة وتصوير عنفها ووحشيتها، فماذا إذا استرجع تفاصيلها الكابوسية شخص ميت، قُتل ذات يوم غدراً؟ هذه شهادة لا تقبل التشكيك، فالجثة في عالمها البرزخي، ما بعد الموت وما قبل النور العظيم، لا تملك أن تكذب أو تراوغ في لحظات المكاشفة. وهي لا تكاد تفقه الألم أو تستشعره مرة أخرى، وإن كانت قادرة على أن تتذكره، مثلما تتذكر بدقة كل شيء كما حدث بالضبط في الحياة الأولى، ذلك المسرح المرعب، المجهّز للقتل المجاني على الهوية.

في رواية "أقمار مالي ألميدا السبعة"، التي صدرت ترجمتها العربية عن دار صفصافة للنشر في القاهرة عام 2026 بترجمة المصري ميسرة صلاح الدين في 400 صفحة، يقيم الكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا عام 1975 لعبته الروائية من خلال نسجه كوميديا سوداء، تتماس على نحو ما مع ملحمة دانتي في مرحلة المطهر. وإن كان الانتظار في رواية شيهان هو انتظار ما قد لا يجيء أبداً من محاسبة وثواب وعقاب. فليس هناك أحد يُعنى بأن يترقب مصيره في المستقبل، وإنما الحاضرون جميعاً، من الضحايا، شغوفون باسترجاع ما جرى لهم في دنياهم القاسية، فقط ما جرى، لمحاولة تفسيره. لعلهم يعرفون أسباب اختطافهم وترويعهم وتعذيبهم وقتلهم والتنكيل بهم.

الواقع والسحر

تطل الرواية على مرارة الواقع من نافذة السحر المدهش، تتعاطى مع أشلاء المذابح الجماعية كما لو أنها أطياف فانتازية. تتخذ الصور الفوتوغرافية وسيلة لتسجيل ما يستحيل تصوّره من حماقات وفظائع وأهوال لا تليق بالكائن الآدمي في أسوأ ممارساته المتوقعة. بضمير المخاطب "أنتَ"، لا ينفك الراوي الوحيد، الذي صار عليماً بعد اغتياله، يتحدث ويتحدث، يقذف حمم براكينه الداخلية غضباً من كل ما عاصره في بلاده خلال حياته القصيرة التي لم يجد فيها غير النكاية والشر. يسائل رفاقه وأصدقاءه وشركاءه في النزيف، ويقترب أيضاً من جلاديه بغير خوف، تصير اعترافات الجميع كوارث جديدة، تؤكد أن الغد في البلاد لن يختلف كثيراً عن الماضي، في استبداده وظلمه وإظلامه.

إنه السيد "مالي ألميدا"، الراوي على طول الخط، والمخاطَب في الوقت نفسه للتقرب من المتلقي، يبدأ رحلته العجائبية في عالمه الجديد الغامض. هو المصوّر المتجول المحترف، الذي طالما عمل على توثيق يوميات الحرب الأهلية الشرسة (1983-2009) في ربوع جزيرة سريلانكا، وإدانة جميع أطرافها من المتناحرين والانتحاريين والقتلة المأجورين بالتقاط صور فوتوغرافية لهم أثناء ارتكابهم المذابح والأفعال المروعة، والاحتفاظ بها في صندوق سري أسفل السرير، فلعل هذه الصور ذات يوم تكون سبباً في الإطاحة بالحكومة أو تقديم المتورطين في الجرائم إلى العدالة.

يفيق المصور مالي ألميدا، المقامر والمثلي والملحد أيضاً، بعد قتله وتمزيق جثته وإلقائها في بحيرة "بيرا" قبل بلوغه الأربعين، ليحكي بطلاقة، ويكتشف من فضائه الأكثر تحرراً ورحابة جنون المتصارعين على السلطة، الذين لا يتورعون عن إزهاق أرواح عشرات الآلاف من البشر فقط للحفاظ على مصالحهم. لقد علم ألميدا أخيراً أن الذين قتلوه بدم بارد أثناء وجوده المسالم في أحد الكازينوهات هم مسؤولو النظام، في حين تخلص رجال القمامة العاملون في فرقة الموت من جثته، خوفاً من الصور السرية التي يحتفظ بها، والتي تدين شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى.

لم تكن هناك مهلة كبيرة لمالي ألميدا في برزخه ليركب فيها الريح "وسيلة النقل العامة للموتى"، وليعرف خلالها كل ما جرى في عالمه الأول. فقط هي "سبعة أقمار"، بمعنى سبعة أيام بلياليها، ولكنها كانت كافية جدّاً ليبحر فيها خلف الحقيقة والعدالة، ويثبت أن النسيان لا مكان له في العالم الآخر، متحدياً أولئك الزبانية الذين يحاولون تسميم العالم الآخر أيضاً مثلما زيّفوا العالم الأول وشوّهوه "حتى الحياة بعد الموت، مُصمَّمة لإبقاء الجماهير في حالة من الجهل. يجعلونك تنسى حياتك السابقة، ويدفعونك نحو ذلك النور. كلها أدوات برجوازية في يد الاستبداد. ويخبرونك أن الظلم جزء من خطة كونية كبرى، وذلك ما يمنعك من التمرد عليها".

تفكيك فني

من موضعه الجديد، يتمكن الراوي (الإنسان – الشبح)، ببساطة وبراعة، من تفكيك شبكة الصراعات الدموية والعبثية في آنٍ، في الحرب الأهلية السريلانكية، حيث تنقسم الأمة إلى أعراق، وتنقسم الأعراق إلى فصائل، وتتحارب الفصائل فيما بينها. ومن يكون في المعارضة "يرفع شعارات التعددية الثقافية، ثم يفرض هيمنة السنهالا البوذية مقابل الحصول على السلطة". ومن خلال السخرية الهزلية، السمة الغالبة على النص، يعد مالي ألميدا ورقة صغيرة يسمّيها "قائمة الاختصارات"، لتكون بمثابة تلخيص للأوضاع يفيد الزوّار الأجانب من الصحافيين وغيرهم.

على رغم صغر هذه الورقة، وسذاجتها، فإن ما فيها من عبارات قليلة يجزم بأن المأساة السريلانكية مربكة، ويستحيل إصلاحها، لأنها مهزلة حقيقية. والأطراف الرئيسة في هذا المشهد هم كل من: نمور تحرير تاميل إيلام (التنظيم العسكري الانفصالي المسلح الذي يسعى إلى إقامة دولة تاميلية مستقلة)، وهؤلاء "مستعدون لذبح المدنيين التاميل والمعتدلين من أبناء جلدتهم لتحقيق هذا الهدف!"، والجبهة الشعبية للتحرير (الهادفة إلى إسقاط الدولة الرأسمالية)، وأعضاؤها "لا يتورعون عن قتل أبناء الطبقة العاملة أثناء محاولتهم "تحريرهم!".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهناك أيضاً "حزب الوحدة الوطنية" (الذي يُعرف شعبياً باسم حزب العم وابن الأخ، في إشارة إلى التوريث العائلي في قيادته)، وأعضاؤه "متورطون في الحروب الأهلية"، وقوّة المهام الخاصة التابعة للحكومة، وهي "تقوم بالاختطاف والتعذيب بحق أي شخص يُشتبه في كونه عضوًا في نمور التاميل أو الجبهة الشعبية للتحرير أو متعاوناً معهما!".

وتتقصى عيون المصوّر ألميدا، بأناة وتكثيف أيضاً، تلك الأدوار المريبة لأيدي الأجانب طوال فترة الحرب الأهلية السريلانكية، وعلى رأسها: قوات حفظ السلام الهندية "المستعدة لحرق القرى لتحقيق مهمتها"، والأمم المتحدة التي لديها مكاتب كثيرة في كولومبو، ولكن "التعامل معها صعب ومزعج"، وجناح الأبحاث والتحليل أو جهاز المخابرات الهندي "الموجود من أجل تسهيل صفقات مشبوهة، ومن الأفضل تجنبه"، إضافة إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، التي "توجد على شواطئ جزر دييجو جارسيا، وتحمل منظارات قوية جداً!".

منصة للتعمق

إن ما يميز رواية "أقمار مالي ألميدا السبعة"، في حقيقة الأمر، أن شيهان كاروناتيلاكا لم يكتبها بمنظور المؤرخ أو جامع المعلومات بشأن موجات الصراعات الأهلية السريلانكية التي خلفت قرابة مئة ألف قتيل، وإنما تأتي هذه الأحداث العنصرية كلها في العمل الفني كمنصة للانطلاق نحو معالجات فلسفية متعمقة حول الطبائع والسلوكيات الإنسانية، وجدلية الحياة والموت، وجوهر معنى الذاكرة التي لا تُمحى، إلى جانب الغوص الداخلي في النفس واستكناه مواضع القوة والضعف والشراهة والطمع فيها، فضلاً عن تتبع المصائر البائسة التي يؤول إليها البشر والمخلوقات والكائنات، مع توسعة الرؤية إلى مدارات كونية أكثر شمولاً "أعمدة بوذا الحجرية من المعبد العائم تحدّق بالجثث الطافية بلا اكتراث ولا انزعاج. تزحف السحالي المائية بجانب الجثث أثناء غطستها الصباحية، وتتشاجر طيور الأنهار على أولوية التهام الأعين".

وتبقى الإشارة إلى ارتياد المترجم أيسر الطرق وأبسطها تعبيريّاً ولغويّاً لاستيعاب تدفقات السرد الروائي، الأحادي في أغلبه، بسيولة تتسق مع فيض الاعترافات والاستجوابات المنهمر منذ بداية الرواية حتى نهايتها. وتكمّل الهوامش التوضيحية الموجزة معطيات المتن في التعريف بكل ما هو شعبي وخاص ومتعارف عليه في جزيرة سريلانكا، من مأكل ومشرب وملبس ومركب ولفظ عامي دارج، وغير ذلك من مقومات الحياة وسماتها، ومنظومة العادات والتقاليد، والتمظهرات الاجتماعية المتنوعة والمعقّدة في الثقافتين المحلية السريلانكية، والجنوب آسيوية، على السواء.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة