ملخص
الجاسوس في السينما لا يدخل الغرفة من الباب نفسه الذي يدخل منه الآخرون، يصل باسم غير اسمه، يعرف شيئاً لا يعرفه سواه، وقد يغادر قبل أن يفهم من حوله لماذا كان هناك أصلاً.
في صباح بارد من فبراير (شباط) 1962، وقف رجلان على جسر غلينيكه الذي يصل برلين مع بوتسدام، وعبر كل منهما نحو الجهة التي تنتظره، وكان أحدهما طياراً أميركياً أسقط السوفيات طائرته من طراز (U-2) فوق أراضيهم قبل نحو عامين، والآخر ضابطاً سوفياتياً أمضى أعواماً في سجن أميركي.
لم يسأل أحد في تلك اللحظة عن الحقيقة، ولا عمّا فعله الرجلان فعلاً، فقد كانا بندين في صفقة بين قوتين، وعادا بعد أن دفع كل منهما ما لم يكن يملك قرار دفعه.
لكن الجاسوس ليس اختراعاً سينمائياً، فمنذ عرفت الجماعات البشرية معنى الخصم، عرفت الحاجة إلى العين التي تُرسل إلى الجهة الأخرى خلسة، فقد خصص صن تزو في "فن الحرب" فصلاً للجواسيس، وعدّ كوتيليا في "أرثاشاسترا" شبكة العيون جزءاً من تدبير الحكم، ويروي سفر العدد أن موسى أرسل رجالاً لاستطلاع أرض كنعان، وفي العصر العباسي أدى البريد وظائف تتجاوز نقل الرسائل، إذ كان قناة لجمع الأخبار عن الولايات وأحوال الناس.
الجاسوس في السينما لا يدخل الغرفة من الباب نفسه الذي يدخل منه الآخرون. يصل باسم غير اسمه، يعرف شيئاً لا يعرفه سواه، وقد يغادر قبل أن يفهم من حوله لماذا كان هناك أصلاً.
أحياناً يكون قاتلاً محترفاً، وأحياناً موظفاً عادياً اكتشف أن المؤسسة التي يعمل فيها تخفي أكثر مما تقول، وبين الاثنين صنعت السينما عالماً كاملاً من الوجوه المزدوجة، والولاءات المتبدلة، والأسرار التي قد تكون أثمن من حياة صاحبها.
ومع الحربين العالميتين ثم الحرب الباردة، اتسعت المؤسسات الاستخباراتية وانتظم عملها وتخصصت أجهزتها، وصارت الجاسوسية جزءاً من بنية الدولة الحديثة، بعد أن كانت ممارسة سرية محدودة.
من هنا وجدت السينما مادة لا تنضب. لم تكن مهتمة فقط بما يفعله الجاسوس، بل بالسؤال الأصعب: من يكون هذا الرجل حين لا يعود قادراً على معرفة أي من وجوهه هو الحقيقي؟
هذه ليست قائمة بأفضل أفلام التجسس، بل محاولة لتتبع صورة الجاسوس كما تغيرت على الشاشة خلال أكثر من نصف قرن. من جيمس بوند الذي جعل الخطر لعبة، إلى رجل جون لو كاريه الذي اكتشف أن اللعبة لا تنتهي عندما يعود لمكتبه، ومن مراقبة الآخرين إلى فقدان الذات، ثم إلى السؤال الأشد قسوة: من يراقب من؟
From Russia with Love (1963)
في العمل الذي أخرجه البريطاني تيرينس يونغ، يعرف الجاسوس اسمه تماماً. جيمس بوند يملك اسمه وجسده ومهمته، ويعرف أن العنف جزء من المهنة، وأن الدولة ستقف خلفه ما دام ينجح.
صاغ يونغ، الذي قدم قبله بعام واحد أول أفلام السلسلة Dr. No (1962)، وعاد لها في Thunderball (1965) ، مفردات بوند الأولى: الأناقة المحسوبة، والمطاردات المضبوطة، والسخرية الجافة.
ومع ذلك فالفيلم أقرب إلى عالم الحرب الباردة الفعلي مما توحي به صورة بوند (شون كونري) اللاحقة. تدور الحبكة حول آلة فك الشفرات السوفياتية "ليكتور" في إسطنبول، المدينة التي كانت ملتقى الأجهزة المتخاصمة، وحول فخ تنصبه منظمة "سبكتر" لبوند انتقاماً لمقتل الدكتور نو.
وتتولى تنفيذ الفخ روزا كليب، ضابطة سميرش السابقة، فتخدع موظفة الشفرة في القنصلية السوفياتية تاتيانا رومانوفا، وتوهمها بأنها لا تزال تعمل لحساب الاستخبارات السوفياتية. تبدو الشفرات واللقاءات السرية والهويات المزدوجة جزءاً من العمل اليومي، قبل أن تتحول السلسلة تدريجاً إلى استعراضات لا تُنفذ إلا في السينما.
والسيدتان الأبرز في الفيلم تقعان في قلب المهمة. تاتيانا رومانوفا (دانييلا بيانكي) تُدفع إلى إغواء بوند، وهي تظن أنها تخدم بلادها، فتكون طعماً يُدار من وراء ظهرها. وروزا كليب (لوته لينيا) تحرك الخيوط من الجهة المقابلة، وفي المشهد الأخير تطلق تاتيانا النار عليها لتنقذ بوند.
يخرج بوند من الفيلم بالمرأة التي أنقذته وبالآلة التي أرادها الجميع، ولا يبدو أنه خسر شيئاً يذكر. كان ذلك ممكناً لأن الجاسوس في هذه الصورة يتقاضى أجره مقدماً من دولة تحميه، ما دام ينجح، وهو ما سيتغير في الفيلم التالي.
The Spy Who Came in from the Cold (1965)
في هذا العمل المقتبس من رواية جون لو كاريه التي صدرت عام 1963، وهو العام نفسه الذي عُرض فيه فيلم بوند الثاني، لا يبدو الجاسوس رجلاً استثنائياً بقدر ما يبدو رجلاً أنهكته المهنة.
ليماس، الذي يؤدي دوره ريتشارد بيرتون (ترشح عن الدور لجائزة أوسكار)، ليس بطلاً بالمعنى التقليدي.
إنه رجل يتقدم في العمر، يخسر رجاله، ويعود للندن من مهمة فاشلة، قبل أن يُدفع مرة أخرى إلى عملية أكثر تعقيداً مما يعتقد، وهنا لا تكمن المشكلة في أن الجاسوس يكذب على خصمه، بل في أنه لا يعرف أين تنتهي الأكاذيب وأين تبدأ الحقيقة.
خرج الفيلم الذي صوّر بالأبيض والأسود إلى العالم بعد أعوام قليلة من واحدة من أكثر ضربات الحرب الباردة إحراجاً لبريطانيا، حين فرّ كيم فيلبي، أحد كبار ضباط الاستخبارات البريطانية، إلى موسكو عام 1963، بعد انكشاف دوره كعميل سوفياتي. لم يكن لو كاريه يكتب رواية عن فيلبي، لكن عالم الخيانة داخل أجهزة الاستخبارات البريطانية، كان حاضراً بقوة في تجربته وكتاباته.
الجاسوس هنا ليس الرجل الذي ينقذ العالم. إنه الرجل الذي يمكن للدولة أن تستهلكه ثم تتركه خلفها.
The Conversation (1974)
تبدأ الكاميرا من علو، فوق ساحة يونيون سكوير في سان فرانسيسكو عند الظهيرة، وتهبط ببطء بين المارة، قبل أن تثبت على زوجين يتمشيان ويتحدثان. لا يعرف المشاهد بعد أن في أطراف المكان ميكروفونات تلتقط كلام هذين الشخصين من زوايا مختلفة.
صاحب الميكروفونات هو هاري كول (جين هاكمان)، خبير التنصت الذي يعمل لحسابه الخاص، رجل منعزل إلى حد القلق، تغلق شقته أقفال كثيرة، ويطارده عمل سابق انتهى بجريمة قتل.
كُلف بتسجيل الحديث، وحين راح ينقيه من الضجيج في مشغله ويدمج الأشرطة، ظهرت جملة تقول إن الرجل سيقتلهما لو سنحت له الفرصة، وتغير معناها بحسب الكلمة التي يضغط عليها المتحدث، وبدأ الشك يأكل عمله ونومه.
كتب فرانسيس فورد كوبولا السيناريو بنفسه، وأخرج الفيلم في الفترة الفاصلة بين جزأي The Godfather (1972 و1974)، وعده أقرب مشاريعه إلى نفسه. استلهم الفكرة من Blow Upلمايكل أنجلو أنطونيوني (1966)، فنقل السؤال من الصورة إلى الصوت: ماذا يحدث لمن يظن أنه يسجل الواقع وهو يؤوله؟
نقل كوبولا الجاسوسية من غرف العمليات إلى الحياة اليومية. لم تعد القضية عميلاً يعبر الستار الحديدي، بل جهاز تسجيل، وعدسة، وميكروفون، وصوتاً يمكن أن يتحول إلى دليل على جريمة.
ووجد الفيلم نفسه وسط فضيحة لم يقصدها. بدأ كوبولا كتابة السيناريو عام 1966 وأنهاه عام 1970، قبل أن تتصدر "ووترغيت" الصفحات الأولى، وانتهى التصوير قبل أن تظهر أخطر تفاصيلها. ثم عُرض الفيلم في نيويورك في السابع من أبريل (نيسان) 1974، وفاز بـ "السعفة الذهبية" في "مهرجان كان"، وبعد شهور قليلة، في أغسطس (آب) من العام نفسه، استقال الرئيس نيكسون، فقرأ الجمهور الفيلم تعليقاً على أجهزة التنصت التي دخلت مقر الحزب الديمقراطي، وأكد صانعه أنه لم يقصد ذلك.
وفي المشهد الأخير يتلقى كول مكالمة تُسمعه تسجيلاً حديثاً لعزفه على الساكسفون، دليلاً على أنهم يتنصتون عليه، فيقلب شقته رأساً على عقب بحثاً عن الجهاز ولا يعثر عليه، ويجلس بين الأنقاض يعزف، بينما تدور الكاميرا فوق الغرفة من علو ذهاباً وإياباً، كأنها كاميرا مراقبة.
The Bourne Identity (2002)
بعد نهاية الحرب الباردة، كان من الصعب على سينما التجسس أن تستمر في استخدام العالم القديم نفسه. لم يعد هناك خصم واحد واضح، ولا حدود يمكن اختزال الصراع داخلها، فجاء هذا العمل ليطرح سؤالاً أكثر قسوة: ماذا لو كان الجاسوس نفسه لا يعرف من يكون؟
في ليلة عاصفة بمياه البحر المتوسط، تلتقط سفينة صيد إيطالية رجلاً طافياً، في ظهره رصاصتان، وفي وركه جهاز ليزر صغير يعرض، حين يُشغل، رقم صندوق أمانات في مصرف بزيورخ. لا يتذكر الرجل اسمه ولا ماضيه، لكن جسده يتذكر: حين يتعرض في حديقة عامة لمضايقة شرطيين يتغلب عليهما بحركات لا يعرف من أين جاءت.
هذا هو جايسون بورن (مات ديمون)، بطل رواية روبرت لادلوم الصادرة عام 1980. تولى دوغ ليمان إخراج الفيلم، وكان معروفاً حتى ذلك الحين بأعمال أصغر حجماً مثل Swingers (1996) و Go (1999)، وجاء إيقاع فيلمه أقرب إلى الشارع منه إلى استعراضات بوند. وكتب السيناريو توني غيلروي ووليام بلايك هيرون.
في صندوق المصرف يجد بورن مسدساً ومالاً بعملات مختلفة و جوازات سفر عدة بأسماء مختلفة وصورته نفسها، وفي أحدها اسم جايسون بورن وعنوان في باريس. كل جواز هوية صالحة للاستعمال، وهو لا يملك واحدة منها. وتكشف المطاردة التي تلي ذلك أنه نتاج برنامج سري اسمه "تريدستون" تديره وكالة الاستخبارات المركزية، وأن مديره ألكسندر كونكلين (كريس كوبر) يريد الآن تصفيته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عرض الفيلم صيف عام 2002، بعد شهور من هجمات الـ 11 من سبتمبر (أيلول) 2021، في مناخ لم يعد فيه الخصم دولة بعينها ولا عاصمة تُعبر إليها الحدود، ولذلك بدا سؤاله أقرب إلى القلق الجديد: ماذا لو كانت المؤسسة التي صنعتك لا تحتاج إلى أن تعرف من أنت؟ ما دمت تعمل فأنت اسم في ملف، وحين تتعطل تُستبدل.
يمكن أن يُقرأ بورن نقيضاً لبوند. كلاهما ينجو من أصعب المواقف، لكن بوند يملك اسمه وتزوده دولته بما يحتاج، أما بورن فيقضي الفيلم كله في استعادة اسمه من المؤسسة التي صنعته.
Munich (2005)
آخر ما يراه المشاهد في العمل رجلان على ضفة النهر في نيويورك، وخلفهما برجا مركز التجارة العالمي. أفنير يرفض العودة لإسرائيل، ويدعو إفرايم، ضابطه السابق، إلى العشاء في بيته، فيرفض إفرايم ويمضي. اختار المخرج ستيفن سبيلبرغ أن يختم فيلماً عن 1972 بلقطة تنتمي إلى 2001.
يعود الفيلم لسبتمبر 1972، حين قتل مسلحون من منظمة "أيلول الأسود" 11 من أفراد البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونيخ، وإلى العملية السرية التي عُرفت باسم "غضب الله" لتعقب من اتهمتهم إسرائيل بالمسؤولية. يقود فريق التنفيذ أفنير كوفمان (إريك بانا)، ابن ناجية من المحرقة، وزوجته على وشك الولادة. ولا يهتم الفيلم كثيراً بصورة العميل الذي ينفذ أوامر واضحة، بل بما يحدث له بعد تنفيذها.
وقف سبيلبرغ، صاحب Schindler's List (1993) وSaving Private Ryan (1998)، وراء الكاميرا، وكتب السيناريو توني كوشنر وإريك روث، واستندا إلى كتاب Vengeance (1984) للكاتب الكندي جورج جوناس، وأحاط الجدل بالكتاب منذ صدوره.
اعتمد جوناس على مصدر قدم نفسه قائداً للفريق، وتردد أنه يوفال أفيف، وقال مسؤول إسرائيلي، لم يذكر اسمه، إن الرجل لم يعمل في "الموساد"، وإنه خدم بضعة شهور فقط حارس أمن في شركة العال. وأكد المتحدث باسم سبيلبرغ أن الكتاب مصدر واحد بين مصادر عدة. ومن الجهة المقابلة اشتكى جوناس نفسه مما عده انحيازاً للفلسطينيين في الفيلم.
وقيمة الفيلم لا تتوقف على مطابقة الوقائع. ما يشغل سبيلبرغ بعد كل عملية هو الرجل الذي نفذها. يطارد أفنير وفريقه الأسماء المطلوبة واحداً بعد آخر، وكلما نجحت عملية ازدادت التي تليها تعقيداً وتآكل شيء من يقينهم.
وتنتهي الحال بأفنير إلى الشك في زملائه ودولته وبيته، فيصير الجاسوس الذي ظن أنه يحمي أسرته غريباً عنها. وقد قرأ كثيرون اللقطة الأخيرة ربطاً بين دوامة 1972 وعالم ما بعد الـ 11 من سبتمبر 2001.
The Lives of Others (2006)
في المشهد الأول من الفيلم، يقف النقيب غيرد فيسلر أمام طلاب في مدرسة تابعة لجهاز أمن الدولة في برلين الشرقية عام 1984، ويدير لهم شريط استجواب لسجين، ويشرح لهم أساليب انتزاع الاعتراف، وحين يصف طالب أحد الأساليب بأنه غير إنساني، يضع فيسلر علامة بجانب اسمه، بلا انفعال.
الفيلم أول أعمال فلوريان هنكل فون دونرسمارك الروائية الطويلة، كتبه وأخرجه، ونال أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2007. يتابع فيسلر (أولريش موهه) وهو يراقب الكاتب المسرحي جيورغ دريمان (سيباستيان كوخ)، وحبيبته الممثلة كريستا ماريا زيلاند (مارتينا غيديك).
تبدأ المهمة روتينية، ثم يكتشف فيسلر أن الوزير هيمبف أمر بها لأنه يشتهي الممثلة. يجلس في علية فوق الشقة، يسمع الموسيقى والحب والخوف، ويبدأ في تحريف تقاريره.
هاري كول في فيلم كوبولا يتفتت تحت ما يسمعه ويحبس نفسه في بيته، أما فيسلر فيتحرك حيث ظل كول جامداً: يخفي ما يسمعه عن رؤسائه، ويكذب في تقاريره، ويقبل عاقبة ذلك في مسيرته، فينتهي به الأمر إلى قبو يفتح فيه الرسائل بالبخار، في القسم الذي يُرسل إليه المغضوب عليهم.
وللفيلم هامش يصعب تجاهله. قال بطله أولريش موهه، وهو من نجوم مسرح ألمانيا الشرقية، إنه اكتشف في ملفه لدى الشتازي (وزارة أمن الدولة) أن زوجته السابقة الممثلة جيني غرولمان كانت تتجسس عليه في الثمانينيات.
نفت غرولمان ذلك بشدة، وقالت إن الملف مختلق، وحصلت على أمر قضائي يمنعه من تكرار الاتهام في كتاب. وتوفي موهه بالسرطان عام 2007 وهو في الـ 54، وبقي الاتهام موضع خلاف.
Lust, Caution (2007)
في كثير من أفلام التجسس القديمة، كانت المرأة جزءاً من المهمة التي ينفذها الرجل، لكن في هذا العمل تنقلب المعادلة.
أخرج العمل آنغ لي، المولود في تايوان عام 1954، والحائز جائزة "الأوسكار" أفضل مخرج مرتين، عن Brokeback Mountain وLife of Pi.
يستند الفيلم إلى قصة طويلة قصيرة للكاتبة الصينية إيلين تشانغ، نُشرت عام 1979 بعد عقود من المراجعة، ويُنسب إليها أنها استلهمت محاولة اغتيال فاشلة قامت بها العميلة تشنغ بينغرو ضد دينغ موتسون، المتعاونة مع الاحتلال الياباني.
تدور الأحداث في شنغهاي المحتلة عام 1942، وبطلتها وونغ تشيا تشي (تانغ وي في أول أدوارها السينمائية)، طالبة جامعية انضمت إلى فرقة مسرح طلابية يقودها كوانغ يو مين (وانغ ليهوم). ترى المجموعة أن المسرحيات الوطنية لا تكفي، وتخطط لاغتيال السيد يي (توني ليونغ)، المسؤول في الحكومة التي أقامها اليابانيون، وتكلف وونغ بالتقرب منه متنكرة في هيئة السيدة ماك.
تتطلب المهمة علاقة جسدية، ومع الوقت تتداخل الشخصية المصنوعة مع صاحبتها حتى تغدو الحدود بينهما ضبابية. ويحرص آنغ لي على ألا يجعل الجسد مجرد وسيلة، فهو في الفيلم ساحة تتقاتل فيها الرغبة والخوف والواجب.
وتبدو وونغ في معظم الفيلم أداة في خطة صاغها آخرون، لكن الفيلم يمنحها لحظة قرار واحدة تحسم الحكاية: في محل مجوهرات تحذر هدفها، فيأمر بإعدام المجموعة.
Tinker Tailor Soldier Spy (2011)
يعود التجسس، في هذا العمل، للمكان الذي يعرفه جيداً: المكاتب والملفات والاجتماعات والذاكرة. اقتبس الفيلم رواية لو كاريه الصادرة عام 1974، وأخرجه السويدي توماس ألفريدسون، الذي اشتهر قبل ثلاث أعوام بفيلم Let the Right One In (2008)، وبقي في عمله الجديد ذلك الهدوء المثقل بالصمت.
تدور القصة داخل جهاز الاستخبارات البريطانية، المعروف في عالم لو كاريه باسم "الدائرة". يتلقى رئيسه كونترول معلومة بأن أحد كبار ضباطه عميل سوفياتي، فيضع قائمة بخمسة أسماء، يدخل فيها جورج سمايلي نفسه، ويطلق عليهم أسماء مأخوذة من أغنية أطفال إنجليزية. وبعد أن يُدفع كونترول إلى التقاعد ومعه سمايلي، يُستدعى سمايلي (غاري أولدمان، الذي رُشح عن الدور للأوسكار) ليكشف الخائن.
سمايلي رجل هادئ إلى درجة تكاد تخفي حضوره. لا ينطق أولدمان بكلمة في الدقائق الـ 15 الأولى، وأداة سمايلي أن يصغي وأن يربط التفاصيل وأن يدرك أن الخيانة قد تكون في الغرفة نفسها التي يعمل فيها الجميع. وكان الممثل ألِك غينيس قد رسخ صورة هذه الشخصية في مسلسل "بي بي سي" (1979)، وبقي الفيلم يُقاس به، وإن نجح أولدمان في أن يمنحها صمتاً خاصاً.
والخيانة في هذه القصة لها أصل في الواقع. تُنسب شخصية بيل هايدن، أحد الضباط الخمسة، جزئياً إلى كيم فيلبي، عضو "خلية كامبريدج الخمسة" الذي جندته موسكو وفرّ إليها عام 1963. وكان انكشاف فيلبي، وما ترتب عليه من تعريض عملاء بريطانيين للخطر، من العوامل التي أنهت مسيرة لو كاريه نفسه في الاستخبارات عام 1964. وهذا ما يفسر الثقل الشخصي للرواية على كاتبها.
وتتداخل الخيانة المهنية بالخيانة الشخصية، فسمايلي يكتشف في طريقه أن الرجل الذي خدع المؤسسة كان قد خدعه هو في بيته. وتُختم الحكاية على أغنية La Mer بصوت خوليو إغليسياس، مرحة على نحو غريب بعد كل ما جرى.
Argo (2012)
عُرف بن أفليك ممثلاً قبل أن يتجه إلى الإخراج، فقدم Gone Baby Gone (2007) وThe Town (2010) . وفي (Argo) تولى الإخراج والبطولة معاً.
يستند الفيلم إلى عملية إخراج ستة دبلوماسيين أميركيين من إيران بعد اقتحام السفارة الأميركية في طهران في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وهو الحدث الذي احتُجز فيه 52 رهينة نحو 444 يوماً.
لجأ الستة إلى بيتي السفير الكندي كين تايلور والدبلوماسي جون شيردوان، وبعد نحو ثلاثة أشهر جرى إخراجهم بجوازات كندية وغطاء سينمائي: طاقم يبحث عن مواقع تصوير لفيلم خيال علمي اسمه Argo.
ويعرض الفيلم عملية حقيقية بما يلزم من تعديل لصنع التشويق. أشهر التعديلات مطاردة المطار الأخيرة، إذ تلاحق سيارات الحرس الثوري الطائرة على المدرج، وهي مطاردة لم تحدث، فقد مرّ الستة عبر المطار بهدوء، بحسب ما رواه مندز نفسه في مذكراته.
ويقدم الفيلم توني مندز، ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بطلاً يكاد يخطط وينفذ كل شيء وحده، بينما يقول تايلور إن العملية كندية بتعاون من الوكالة، وإن الجوازات والأوراق جُهزت في أوتاوا، وإن مندز لم يقض في طهران أكثر من يومين. وقال الرئيس جيمي كارتر إن بطل العملية الأول في رأيه هو السفير الكندي. ونفذ مندز العملية مع ضابط آخر في الوكالة لا وجود له في الفيلم.
وكان الملحق النصي في ختام الفيلم يوحي بأن تايلور نال من التكريم أكثر مما يستحق، إذ صدر في حقه 112 قراراً وإعلان تكريم، فاحتج الكنديون، وعدّل أفليك العبارة لتقول إن تدخل الوكالة كمّل جهود السفارة الكندية.
وأعلنت إيران بعد فوز الفيلم بجوائز "غولدن غلوب" أنها ستنتج فيلمها رداً على ما رأته تشويهاً.
ومن مفارقات القصة أن ثمن النجاح كان الصمت. بقي دور الوكالة سرياً حتى رفعت إدارة الرئيس بيل كلينتون السرية عنه عام 1997، وقلد الرئيس كارتر مندز وسام نجمة الاستخبارات سراً بعد العملية، فلم يعرف الجمهور اسمه إلا بعد نحو 17 عاماً.
Bridge of Spies (2015)
يعود سبيلبرغ للجاسوسية بعد 10 أعوام من Munich (2005)، ومن باب مختلف. كتب السيناريو مات تشارمان مع الأخوين كوين، وبطل الفيلم محام متخصص في التأمين اسمه جيمس دونوفان (توم هانكس)، لا ينتمي إلى أي جهاز.
تكلّفه الدولة الأميركية بالدفاع عن رودولف أبيل، الجاسوس السوفياتي الذي اعتُقل في نيويورك عام 1957. يقنع دونوفان المحكمة بإبقائه حياً، فيُحكم عليه بـ 30 عاماً، لاحتمال أن تحتاج أميركا يوماً إلى مبادلته برجل لها، ويحدث ذلك فعلاً، بعد إسقاط طائرة (U-2) عام 1960، تطلب الوكالة من دونوفان أن يتفاوض على مبادلته بباورز، فيذهب إلى برلين، ويصر على أن تشمل الصفقة الطالب الأميركي فريدريك برايور المحتجز في برلين الشرقية، على رغم أن الوكالة لا ترى فيه أولوية.
يؤدي مارك رايلانس دور أبيل ببرودة مهذبة، ونال عنه "أوسكار" أفضل ممثل مساعد. واسم رودولف أبيل نفسه مستعار، فالرجل إنجليزي المولد واسمه الحقيقي ويليام فيشر.
الدولة حاضرة في كل زاوية، لكنها لا تبتلع الشخصيات تماماً. لا يتصرف دونوفان تابعاً لجهاز، فهو رجل يؤمن بأن القانون يجب أن يعمل حتى مع من تتهمه الدولة بأنه عدو، وأبيل يبقى خصماً من دون أن يتحول إلى كاريكاتير. وحين يفرض دونوفان ضم برايور إلى الصفقة، يخالف رغبة الوكالة التي لم تر فيه أهمية، وتأتي هذه المقاومة الصغيرة من رجل ليس جاسوساً.
النساء في اللعبة
المرأة حاضرة في معظم هذه الأفلام، والسؤال هو أين تقف. في غالبيتها تقع عند النقطة التي تضغط فيها الدولة على الرجل. تاتيانا رومانوفا في From Russia with Love طُعم يُدار من وراء ظهرها. ونان في The Spy Who Came in from the Cold زميلة ليماس الساذجة التي تستخدمها العملية دون علمها وتُقتل عند الجدار. وكريستا ماريا زيلاند في The Lives of Others ممثلة يبتزها وزير ويضغط عليها الجهاز حتى تدل على مخبأ آلة الكتابة، فتموت دهساً تحت شاحنة. أما وونغ تشيا تشي فهي، كما رأينا، أداة في خطة صاغها آخرون قبل أن تحسم القصة بقرارها.
وفي المقابل تظهر نساء في مواقع القيادة. روزا كليب في From Russia with Love هي الرأس المدبر من الجهة المقابلة. وفي Zero Dark Thirty (2012) لكاثرين بيغلو تقود مايا (جيسيكا تشاستين)، المحللة في وكالة الاستخبارات المركزية، مطاردة أسامة بن لادن عبر أعوام، وتحمل القصة حتى نهايتها.
الذي تغير بين 1963 و2012 هو موقع الكاميرا، ففي أفلام العقود الأولى تقف المرأة عند طرف مهمة الرجل، وفي Lust, Caution تُروى المهمة من جهتها، وفي Zero Dark Thirty تقودها، ويبقى أن الأفلام الـ 10 لا تضع امرأة في مركز الحكاية إلا في Lust, Caution.
حين تُوضع الأفلام الـ 10 جنباً إلى جنب يتغير الثمن من فيلم إلى آخر، ويبقى الجاسوس هو من يدفعه. يدفع من حياته حين تقرر مؤسسته أن غيره أهم منه، ومن خصوصيته وراحة باله، ومن ذاكرته، ومن ثقته بأقرب الناس إليه. وفي كل مرة يبدأ الدفع من الاسم: هوية مستعارة يعيش بها، أو هوية مفقودة يبحث عنها، أو هوية تُنتزع منه حين ينتهي دوره.
والاستثناءات قليلة. في (Argo) ينجو الجميع، لكن الرجل الذي أنقذهم بقي اسمه سراً 17 عاماً. وفي (Bridge of Spies) يخرج البطل سالماً لأنه محام وليس جاسوساً.
وأوضح صورة لهذا الحساب هي التي بدأنا بها: جسر في برلين، صباح شتوي من عام 1962، ورجلان يعبران في اتجاهين متعاكسين. كانت كل دولة قد قدّرت ما يساويه رجلها، وانتهى التبادل في دقائق، وأُغلق الملفان، أما ما دفعه الرجلان من أعوام حياتهما وأسمائهما فلم يدخل في حساب أحد.