ملخص
في سيرة الرجل فصل آخر أقل ذيوعاً، أثناء دراسته في هارفارد، اشترك مع طلاب آخرين في تجربة نفسية أشرف عليها الأستاذ هنري موراي، وكان يطلب فيها من المشارك أن يدافع عن فلسفته الشخصية أمام محاور يهينه ويسخر منه عمداً، بينما تسجل انفعالاته.
تصل الطرود إلى البيوت عادة بما هو عادي: كتاب، هدية، فاتورة متأخرة. وبين عامي 1978 و1995 صار الصندوق الورقي في أميركا يحمل احتمالاً آخر، لأن رجلاً يقيم وحيداً في كوخ خشبي بين جبال مونتانا كان يكتب على أجهزة صنعها بيديه أسماء أناس لا يعرفهم.
يفتتح فيلم Unabomber بهذا التفصيل المنزلي: بيت في نيوجيرسي، وأب يحمل علبة إلى غرفة جانبية، وأم تلاعب طفلتها في غرفة أخرى، وكاميرا تقترب من نصل السكين وهو يشق شريط اللاصق. المشهد محكم، يشد الأعصاب إلى أقصاها، ولا يستطيع أحد أن يتهمه بالضعف. غير أن سؤالاً يبقى معلقاً بعد انتهائه: ماذا يفعل الفيلم بخوف هؤلاء الناس؟ هل يتأمله أم يستعمله؟ الجواب يتشكل ببطء في ما يتلو من مشاهد.
القصة
ثيودور كاتشينسكي طفل استثنائي في الرياضيات، قفز بين الصفوف الدراسية ودخل هارفارد في الـ16 من عمره عام 1958. نال الدكتوراه، وعمل أستاذاً شاباً في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، ثم ترك كل شيء وانتقل إلى كوخ بلا كهرباء ولا ماء جار.
من هناك بدأ حملته التي أودت بثلاثة أشخاص وأصابت 23 آخرين، أطلق مكتب التحقيقات الفيدرالي على الفاعل اسماً مشتقاً من أولى ضحاياه، وكانوا يعملون في الجامعات وشركات الطيران، فصار يعرف باسم Unabomber.
ظل المحققون سنوات يطاردون ظلاً بلا ملامح، ومن ثم عرض الرجل صفقة غريبة: ينشر بيانه الطويل "المجتمع الصناعي ومستقبله" ويكف عن القتل. نشر النص في صحيفتين كبريين في سبتمبر (أيلول) 1995، فتعرف شقيقه ديفيد على نبرته وعباراته وأبلغ السلطات، وهو يعلم ما سيترتب على بلاغه. اعتقل كاتشينسكي في أبريل (نيسان) 1996، وأقر بالذنب عام 1998 ليحكم عليه بالسجن المؤبد، وتوفي في سجنه عام 2023.
وفي سيرة الرجل فصل آخر أقل ذيوعاً، أثناء دراسته في هارفارد، اشترك مع طلاب آخرين في تجربة نفسية أشرف عليها الأستاذ هنري موراي، وكان يطلب فيها من المشارك أن يدافع عن فلسفته الشخصية أمام محاور يهينه ويسخر منه عمداً، بينما تسجل انفعالاته. أعطي كاتشينسكي في ملفات التجربة اسماً رمزياً هو "Lawful"، أي "الملتزم بالقانون"، وهي مفارقة لو وردت في رواية لاتهم كاتبها بالتكلف.
هارفارد
أقوى ما في الفيلم يقع في الماضي، إذ يؤدي الكندي جاكوب ترمبلاي، الذي عرفناه طفلاً في Room، شخصية مراهق يسبقه ذكاؤه بخطوات عن قدرته على حماية نفسه. حين يصمت الفتى أو يتلعثم أو يحدق في الأسلاك الموصولة بصدره، نصدقه.
ويقل إقناعه نسبياً حين يتحول الارتباك إلى تشنج واحد النبرة، وكأن الورق لم يترك للشخصية سوى مساحتين. أما راسل كرو فيمنح موراي دفء الأستاذ الذي لم يسأله أحد عما يخلفه عمله: نظارة نصفية، وأبوة معلنة، وحسابات باردة. هذا النوع من الأدوار من صميم ما يجيده الممثل، وإن بدا في بعض اللحظات كأنه يكتفي بحضوره عن بذل الجهد.
هل صنعت التجربة القاتل؟
هنا يبلغ الفيلم أهم منعطفاته، ويتعثر عنده كذلك. يرسم السيناريو الذي كتبه سام تشالسن ونلسون غريفز صبياً مرتبكاً قبل الجلسات وناقماً بعدها، فتغلق السببية بإحكام: أستاذ يحطم تلميذاً، وتلميذ يحطم لاحقاً من يشبه أستاذه.
قراءة مريحة درامياً، وهي ليست بلا سند. فقد استندت دفاعات قانونية عن كاتشينسكي إلى هذه التجربة، وخلص مقيمون نفسيون في المحكمة إلى تشخيص فصام بارانويدي، وإن رفض هو نفسه الدفع بالجنون وحاول الاستغناء عن محاميه حتى لا يصور مريضاً.
لكن الفيلم يمضي أبعد من هذه الاحتمالات، كاتشينسكي نفسه قال إن التجربة كانت مزعجة ولم تصنعه، وسيرته تحمل قبلها عزلة طويلة وتفوقاً مبكراً جعله غريباً بين أقرانه، فهل يحق لفيلم يحمل أسماء حقيقية أن يقدم الفرضية القابلة للجدل بوصفها حقيقة واقعة؟
يمكن الدفاع عن صانعي العمل بأنه ليس وثائقياً، وأن الدراما تختار زاوية وتمضي فيها. وهذا اعتراض وجيه لا يستهان به، غير أن الدفاع يضعف حين نلاحظ أن الاتهام، بعد أن يوجه، لا يجد من يحاسب أمامه.
يخرج موراي من الفيلم كما دخله، بلا مواجهة ولا ثمن ولا مشهد يسائله. وهنا تكمن الفرصة الضائعة الكبرى: كان في حوزة الفيلم ما يكفي لعمل جاد عن أخلاقيات البحث في الجامعات الكبرى، وعلاقتها بمؤسسات الأمن في سنوات الحرب الباردة، حين كانت أبحاث التحكم بالنفس البشرية تجري بتمويل لا يعلن دائماً.
ومن المفارقات أن بيان كاتشينسكي نفسه موجه ضد النظام التقني الذي يتحكم بسلوك الإنسان، وكان بإمكان الفيلم أن يجعل من هذا التقاطع قلب حكايته، لكنه اكتفى بالسبب الأقرب إلى اليد.
في التسعينيات
تؤدي الأميركية شايلين وودلي دور جوان ميلر، عميلة ترى أن لغة البيان بصمة يمكن تتبعها، وأن البروفايل النفسي المعتمد لدى المكتب قديم وخاطئ. الشخصية متخيلة، وهذا مألوف في الأفلام المبنية على وقائع.
المشكلة في ما يبنى حولها: زملاء مشككون، وإدارة متحفظة، وامرأة تصيب وحدها حيث يخطئ الجميع. تبذل وودلي جهداً ظاهراً لتمنح ميلر دفئاً وتماسكاً يتجاوزان ما كتب لها، وهي في أحيان كثيرة أقرب إلى الحياة من الشخصيات الحقيقية المسماة حولها. أما الخلاف مع زميلها ليو، الذي يؤديه ألكسندر لودفيغ في دور ضيق لا يمنحه فرصة، فيبدو مصنوعاً لإبراز تمييز تلك الحقبة أكثر مما هو لبناء توتر حقيقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويبلغ التبسيط ذروته حين تتجه ميلر وحدها إلى مونتانا لتستطلع الكوخ، المشهد مصمم ليبدو شجاعة، لكنه يقرأ مجازفة بلا سند، إذ يصعب تصديق محققة بخبرتها تقتحم مكاناً قد يكون مفخخاً.
والواقع أن الحكاية الفعلية للقبض على كاتشينسكي كانت أغنى من هذا الاختصار، فقد تناولها مسلسل Manhunt: Unabomber بتفصيل أوسع في ثماني حلقات، أما فيلم Ted K الذي أدى فيه شارلتو كوبلي الدور عام 2021 فقد اقترب من الرجل بمنهج مختلف تماماً: ترك غموضه على حاله، فبدا أكثر إزعاجاً.
الصنعة والمزاج العام
يقدم المخرج الإيرلندي يانوس ميتز بيدرسن، عملاً مصقولاً يشاهد بسهولة. الإيقاع منضبط، والانتقال بين الزمنين سلس تقنياً، والمونتاج يعرف متى يشد الخيط. هذه السلاسة نفسها تخدم قالباً مألوفاً من الدراما الإجرامية المصنوعة للمنصات: صورة داكنة، وموسيقى تعلن الخطر قبل وقوعه، ومقدمة تلخيصية تقول للمشاهد المستعجل ما يحتاج إلى معرفته. وبعد أن يعيد الفيلم تمثيل مقتل توماس موسر بتلك الدقة، لا يعود للضحايا ولا يمنحهم موضعاً في بنيته، فيبقون خلفية لأحداث تهم غيرهم.
يملك العمل مادة ثرية وممثلين جيدين وشقاً يستحق الانتظار، ينقصه ما ينقص كثيراً من أفلام هذا اللون: الجرأة على ترك السؤال مفتوحاً. يريد أن يفسر رجلاً لم يفسر بعد، وأن يطمئن المشاهد إلى أن في الماضي سبباً واضحاً لما جرى لاحقاً.
ومن يعرف النهاية سلفاً لن يجد فيه غير ما يعرفه، باستثناء مشاهد من هارفارد تظهر ما كان بإمكان الفيلم أن يكونه لو جعل التجربة موضع مساءلة، لا مجرد مفتاح يدار فيفتح الباب.