ملخص
بعد أكثر من 60 عاماً على صدور رواية "أربعة أفراس حمر" للروائي اللبناني الرائد يوسف حبشي الأشقر (1929-1992) عن المكتبة العصرية ونفادها من المكتبات، أعادت دار النهار نشر هذه الرواية، في مبادرة إعادة نشر أعماله الأخرى. وتشكل هذه الرواية حجر الأساس وأولى ثلاثية الأشقر التي يأتي من بعدها "لا تنبت جذور في السماء" (1971) و"الظل والصدى" (1989). ومن الجدير ذكره أن هذه الثلاثية صدرت على امتداد 27 عاماً متناولة في فضائها السردي، المجتمع اللبناني وهمومه وشبابه وصراعاته.
عرف الأدب العربي والعالمي منذ سنوات الكلاسيكية، الرواية الفلسفية، وهي بتعريفها الرواية التي يطعم كاتبها سرده وشخصياته وحبكته بطروحات فلسفية ونظريات وأفكار. تأتي الرواية الفلسفية إذاً عملاً خيالياً فيه سرد وحبكة وشخصيات لكن بنزعة فكرية فلسفية، فيجمع هذا الفن الروائي بين جزالة السرد وتشويقه وعمق الفلسفة وجديتها. وتكمن صعوبة الرواية الفلسفية في أنه يترتب على كاتبها المزج بين جفاف الفلسفة العلمي والنظري وديناميكية سرد أحداث الواقع من دون أن تخسر الفلسفة عمقها ولا السرد توهجه، لتتحول الشخصيات نفسها إلى الحجج والبراهين الحية عما يريد الكاتب طرحه والغوص فيه.
ويحضر هذا الخطاب الفلسفي أو الثقل الفلسفي في روايات كثيرة نالت نجاحاً باهراً ورواجاً كبيراً على مر العصور، بدءاً بـ"حي بن يقظان" لابن طفيل (حوالى سنة 1150)، وطبعاً "كانديد" (1759) للفيلسوف والشاعر الفرنسي فولتير، وكذلك "جاك القدري" التي نُشرت بعد وفاة صاحبها الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو (1796).
أما في القرن الـ19 فقد شاعت الرواية الفلسفية بأبعادها الإنسانية مع فيودور دوستويفسكي في رائعته "الجريمة والعقاب" (1866م)، كذلك في الفترة نفسها ظهرت رواية لويس كارول "أليس في بلاد العجائب" (1865م)، ومن بعدهما رواية أوسكار وايلد الوحيدة "صورة دوريان غراي" (1890م) التي تعالج مسألة الشباب والخلود والروح البشرية والخطيئة.
أما القرن الـ20 فشهد توجهاً لافتاً نحو كتابة الرواية الفلسفية مع فلاسفة الوجودية والعبثية والسريالية، فقد وضع فرانز كافكا "المسخ" أو "التحول" (1915) وهي من أشهر أعماله إلى جانب "المحاكمة"، ووضع كذلك جان بول سارتر "الغثيان" (1938)، ليأتي من بعدهما ألبير كامو بروايته القصيرة "الغريب" (1942). في النصف الثاني من القرن الـ20 شاعت الرواية الفلسفية مع جورج أورويل "1984" (1949)، وأمبرتو إيكو "اسم الوردة" (1980) وطبعاً ميلان كونديرا "كائن لا تحتمل خفته" (1984).
فلاسفة كثر توجهوا إلى كتابة الرواية الفلسفية على رأسهم فريدريك نيتشه في روايته "هكذا تكلم زرادشت" (1883-1891)، أو أولئك الذين روجوا لتياراتهم الفكرية الوجودية أو العبثية التحررية كمثل سارتر وسيمون دو بوفوار وبروست.
عرف العرب بدورهم الروايات الفلسفية وقد وضعها فلاسفة مالوا إلى الأدب أو أدباء ملكوا رؤى فلسفية خاصة بهم، فجاءت مؤلفاتهم مرآة لآرائهم ورؤاهم. ونذكر على رأس هؤلاء اللبنانيين جبران خليل جبران (1883-1931) وميخائيل نعيمه (1889-1988) وطبعاً نجيب محفوظ في روايته "أولاد حارتنا" (1969) التي مُنعت أول صدورها، التي أعادت قراءة تاريخ البشرية الديني والميثولوجي. أما في عصرنا اليوم فلا يمكن أن نتجاهل رواية "عزازيل" ليوسف زيدان التي نالت الجائزة العالمية للرواية العربية والتي تندرج ضمن قائمة الرواية التاريخية الفلسفية.
الجريمة والعقاب/ الجريمة والغفران
بالعودة إلى رواية يوسف حبشي الأشقر "أربعة أفراس حمر"، يلاحظ القارئ أن الكاتب جبل الرواية الفلسفية بطريقته الخاصة، فشخصياته وحواراتها هي الفلسفية وليس الحبكة. هذه الرواية فلسفية بطريقة مختلفة، فحبكتها وشخصياتها وأحداثها وزمانها وواقعها وأحداثها حقيقية وواقعية ومنطقية لكن الحوارات التي فيها والصراعات التي يعيشها الأبطال هي ما يمنحها طابعها الفلسفي العميق المميز.
الأربعة أفراس في هذه الرواية هم فعلياً أربعة شبان من الأصدقاء يشكلون شلة واحدة تتجادل وتتناقش في أمور الأدب والإنسان والفكر. البطل والراوي هو يوسف الخروبي (على اسم الكاتب) وهو موظف في الدولة يسيطر على السرد في معظم فصوله ويكون محور الكلام بالقضايا الفلسفية التي يطرحها. يوسف هو الذي يجعل هذه الرواية فلسفية وهو الذي يحمل أحداثها على التطور وهو الذي يعيش الصراعات العميقة من خلال علاقته بأمه ميليا التي تساكن رجلاً غير زوجها، الذي يعجز عن الغفران لها، ومن خلال علاقته بمها حبيبته المثلية التي كانت على علاقة بجانين معلمتها والتي يعجز عن الغفران لها هي الأخرى.
يتحول يوسف الخروبي بطل يوسف حبشي الأشقر إلى قرين راسكولنيكوف بطل دوستويفسكي ومناقضه، فالأول أي يوسف، يغوص في الجريمة والغفران ويبحث في مسائل العدالة من باب الغفران، بينما الثاني أي راسكولنيكوف ينتظر العقاب بعد الجريمة باعتباره العدالة الوحيدة.
يجسد يوسف بعلاقته بوالدته وبحبيبته صراعات داخلية كثيرة يطرقها الكاتب عبره، فتظهر موضوعات العدالة والخطيئة والغفران والزنى والحرية والمثلية والحب والزواج والضمير والأدب، وهي بالنظر إليها في ستينيات القرن الـ20 مواضيع ساخنة وجريئة وصادمة. يطرق يوسف حبشي الأشقر موضوع المساكنة والمثلية بكل جرأة وبلاغة أدبية لكنه يطوي هذه الثيمات تحت جناح الفلسفة والصراعات البشرية مما يخفف من وقعها على القارئ الذي لم يعتد هذه الموضوعات بعد آنذاك.
من بعد يوسف البطل يأتي الأصدقاء الأربعة: إسكندر مخول وهو مستخدم في شركة الكهرباء، وخليل العالي موظف في الدولة أيضاً وأديب في أوقاته ومتزوج حديثاً، وفؤاد سمرا صحافي في صحيفة "الأشياء"، ليبقى الأستاذ عدنان الذي يعلم الصديق الرابع. يشكل هؤلاء الأربعة الذين يرمز إليهم العنوان نوعاً من الحلقة الفكرية ليوسف الخروبي "أفلاطون" الرواية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والجميل في هذه الرواية أنها تخرج عن كونها درساً في الفلسفة أو الأخلاق وتخرج عن جفاف الغوص في الأفكار واللاهوت المسيحي وعلم الأخلاق، فتمنح الحوارات الفلسفية كثيراً من الطرافة والتشويق واللامتوقع، فيكتب الأشقر مثلاً: "فقال خليل: أنا المرض/ قال إسكندر: أنا الجوع/ وهمس يوسف: أنا الموت". ورد كذلك مثلاً في موضع من السرد حديث عن الموت أتى بين إسكندر ويوسف اللذين يقولان: "الزمن لا يعترف إلا بحدوده، وحدوده الموت/ هذا فلك نسبي؛ كله سجن.../ ما يهمني من المطلق عندما أعرف أن لي حدوداً، مهما ابتعدتُ!/ هل يفنى الزمن بعد موتي؟/ يفنى زمنك أنت، الذي هو أنت، والذي لا يوجد، خارجاً عن إحساسك به".
يلاحظ القارئ أن "أربعة أفراس حمر" هي رواية فلسفية من حيث الحوارات وتصرفات الشخصيات وطريقة تفكيرهم ورؤيتهم للحياة وطريقة تعاملهم مع بعضهم وحكمهم على بعضهم. على عكس كافكا أو أورويل أو كامو أو عدد من كتاب الرواية الفلسفية الذين خلقوا فضاء فلسفياً متخيلاً أو حالة غريبة، انطلق يوسف حبشي الأشقر من الواقع بأحداثه الرتيبة وقصصه اليومية ليحول شخصياته إلى نماذج مصغرة عن أفلاطون والمشائين الذين يتحاورون بالفلسفة. والملفت أن الشخصيات لم تتوانَ في الاستشهاد بوضوح بفلاسفة عالميين في طريقة تفكيرها، فيقول الكاتب مثلاً في أحد حوارات شخصياته: "الحب هو الإيمان. هل قرأت كركيغارد؟ عندما طلب الله من إبراهيم أن يأخذ إسحق إلى الجبل ويقتله؟...".
إلى جانب المفاهيم الكبرى كالعدالة والخطيئة والغفران والعبثية، تظهر في سرد هذه الرواية تفاصيل من الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأبطال، فيفهم القارئ كيف كانت الأمور تسير آنذاك ويدرك قيمة المال ومكانة الموظف وتراتبية العمال. حتى الوطن لا يسلم من الحوارات، فيقول يوسف جملة رائعة يفتتح فيها أحد الفصول: "ما أصغر هذه البلاد، إنها لا تتسع لدقيقة من الحلم".
"أربعة أفراس حمر" من أجمل الروايات العربية بمفاهيمها وشخصياتها وأحداثها وحواراتها وعمقها الفلسفي، وإعادة طبعها بعد نفادها من السوق عمل رائع ومحمود سيتيح للقارئ المعاصر إعادة اكتشاف رائعة من روائع الأدب اللبناني من القرن الماضي.