ملخص
تشكل "جيران 5" جيلاً من طائرات روسية مسيرة جديدة تعمل بمحركات نفاثة، وهي بمثابة أحدث تطور في الحرب الجوية فوق سماء أوكرانيا اليوم. وفي السياق ذاته، أكدت أوكرانيا أنها "لا تستطيع أن تعترض سوى 60 في المئة من هجمات طائرة "جيران 5" المسيّرة الجديدة، مقارنة بنسبة اعتراض تصل إلى 95 في المئة تحققها الدفاعات الجوية الأوكرانية ضد أنواع أخرى من الطائرات المسيّرة".
في سياق حرب المسيّرات، وعقب خوض أول مواجهة بالزوارق المسيّرة في البحر الأسود، وبعد أن تكبدت روسيا خسائر في أسطولها البحري، أدخلت القوات الجوية الروسية حديثاً سلاحها الجديد وهو مسيّرات "جيران 5" إلى ساحة المعركة ونجحت بإرهاق سلاح الطيران الجوي الأوكراني. ويمكن القول إن حرب أوكرانيا وروسيا وصلت الآن إلى مرحلة حرجة، إذ تدور منذ أغسطس (آب) الماضي مواجهات عنيفة عبر حرب المسيّرات جواً وبحراً، وهي مواجهات ذات كلفة زهيدة مالياً ولكنها مكلفة من ناحية الخسائر البشرية من الطرفين.
وفي هذا السياق، أكدت وكالات أنباء عالمية ومواقع حوار ومحادثة بريطانية أن الطائرات المسيّرة أصبحت "الأداة المهيمنة للقوة الجوية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا"، إذ تشكل "جيران 5" جيلاً من طائرات روسية مسيّرة جديدة تعمل بمحركات نفاثة، وهي بمثابة أحدث تطور في الحرب الجوية فوق سماء أوكرانيا اليوم. وفي السياق ذاته، أكدت أوكرانيا أنها "لا تستطيع أن تعترض سوى 60 في المئة من هجمات طائرة "جيران 5" المسيّرة الجديدة، مقارنة بنسبة اعتراض تصل إلى 95 في المئة تحققها الدفاعات الجوية الأوكرانية ضد أنواع أخرى من الطائرات المسيّرة".
وفقاً لموقع "محادثة" البريطاني، فإن "تصميم طائرة ’جيران 5‘ بهيكلها الأسطواني وأجنحتها المستقيمة، يشبه تصميم صاروخ ’كروز‘ أكثر من تصميم الطائرات المسيّرة التقليدية"، إذ يصل مداها إلى 1000 كيلومتر، ويبلغ أقصى ارتفاع تشغيلي لها نحو 6000 متر، وتتميز أيضاً بسرعة قصوى تقدر بقرابة 600 كيلومتر في الساعة. وزودت المسيّرة كذلك بقدرات مضادة للتشويش، مما يجعل اعتراضها صعباً للغاية على الدفاعات الجوية الأوكرانية الأرضية".
تاريخ ظهورها
في أغسطس (آب) الماضي، استخدمت القوات الروسية طائرة "جيران 5" للمرة الأولى خلال العمليات القتالية، لما تتميز به من سرعة فائقة ومدى أطول. وفي وقت سابق من عام 2025، ظهرت طائرة "جيران 4" النفاثة في سماء أوكرانيا للمرة الأولى بسرعة قصوى تبلغ 500 كيلومتر في الساعة ومدى يصل إلى 850 كيلومتراً. وفي بدايات عام 2025 نشرت القوات الروسية أول طائرة مسيّرة نفاثة وهي "جيران 3" التي كانت أسرع بكثير من "جيران 2"، إذ بلغت سرعتها 330 كيلومتر في الساعة، مقارنة بـ185 كيلومتر في الساعة لـ"جيران 2". وعلى رغم أن مداها كان أقصر بكثير، إذ بلغ 600 كيلومتر فقط، مقابل 2500 كيلومتر لـ"جيران 2"، فإنها كانت قادرة على التحليق على ارتفاعات أعلى، مما قلل من تعرضها للدفاعات الجوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعبر تقنية المحرك النفاث، حلّت القوات الروسية مشكلة المسيّرات الكبرى وهي البطء والطيران لمسافات بعيدة، ويقول موقع "المحادثة" في هذا الصدد "حتى تاريخ إنتاج وتصنيع ’جيران 5‘ كانت مشكلة النماذج الأولى من الطائرات المسيّرة البعيدة المدى تكمن في سهولة إسقاطها نسبياً، لأنها تعمل بالمراوح، مما يجعلها بطيئة"، مضيفاً أن "لأعوام عدة، كانت طائرات ’جيران 1‘ و’جيران 2‘، المزودة بمحركات مروحية، هي الطائرات الروسية الرئيسة البعيدة المدى، وهي نسخ روسية مطورة من طائرة ’شاهد 136‘ الإيرانية".
دخولها الخدمة
تؤكد موسوعات علمية أوروبية أن الحرب شهدت منذ أغسطس (آب) الماضي، وهو وقت دخول "جيران 5" الخدمة، ارتفاعاً كبيراً في معدل الضربات الصاروخية وعمليات الطائرات المسيّرة، إذ كانت المدن البعيدة من الجبهة هي الأكثر تضرراً خلال هذه المواجهات، مع ارتفاع ملحوظ في عدد القتلى بسلاح المسيّرات. ووفق تقارير بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الانسان في أوكرانيا (HRMMU)، سُجل في أغسطس وحده 372 قتيلاً مدنياً في أوكرانيا و198 قتيلاً مدنياً في الجانب الروسي. ويعود ارتفاع عدد الضحايا بالمسيّرات في أغسطس تحديداً، إضافة إلى دخول "جيران 5" الخدمة، لكون الحرب شهدت أيضاً خلال هذا الشهر اندلاع أول مواجهات بين البلدين بالزوارق البحرية المسيّرة على جبهة البحر الأسود.
وفي هذا السياق أكد خبراء عسكريون أوكرانيون أن قواتهم اضطرت إلى استخدام "مكثف للغاية" لطائراتها المقاتلة منذ أن بدأت روسيا استعمال "جيران 5".
ومن الصعب على روسيا لولا مساعدة عدد من الدول الصديقة تصنيع هذه المسيّرة المتطورة أثناء الحرب وتحت حال الحصار التي تفرضها دول غربية تمتلك التقنيات المطلوبة جميعها. وفي هذا السياق أشارت مواقع علمية أوروبية إلى أن "أحدث طرازات الطائرات المسيّرة الروسية تتكون من كثير من المكونات الأجنبية الصنع".
بدوره نشر جهاز الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تفاصيل مكونات طائرة "جيران 5" المسيّرة، مسلطاً الضوء على مدى اعتماد سلسلة إمدادها على التقنيات الأجنبية، إذ تشمل هذه المكونات "محركاً نفاثاً صيني الصنع ومعالِجات رقمية أميركية وترانزستورات ألمانية". وتشير قائمة المكونات إلى أن روسيا أنشأت سلاسل إمداد مرنة، "تمكنها من الالتفاف على العقوبات الغربية والحصول على التقنيات المتوافرة تجارياً من دول متعددة، قبل تصنيع النظام النهائي محلياً".
وعلى رغم العقوبات، أكدت التقارير أن روسيا قادرة على إنتاج هذه الطائرات المسيّرة النفاثة الجديدة بكميات كبيرة. كذلك، تفيد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية بأن روسيا تعطي الأولوية لإنتاج طائرتي "جيران 4" و"جيران 5" لتكوين مخزونات احتياطية استعداداً لحملة الخريف والشتاء ضد أوكرانيا.
عواقب وخيمة
وخلال مقالة نشرت في الـ25 من سبتمبر (أيلول) الجاري تحت عنوان "طائرات روسية مسيّرة جديدة تعمل بمحركات نفاثة تشكل أحدث تطور في الحرب الجوية فوق أوكرانيا"، أكد الكاتبان مارينا ميرون ورود ثورنتون أن أوكرانيا "تعاني نقصاً حاداً في مخزونها من صواريخ ’باتريوت‘ أرض- جو وجو- جو المورَدة غربياً. وربما تكون لهذا الأمر عواقب وخيمة"، إذ تُعد هذه الصواريخ بمثابة الوسيلة الوحيدة الفاعلة لإسقاط طائرة "جيران 5" المسيّرة من دون اللجوء إلى أسطول الطائرات الحربية المقاتلة.
وتقول ميرون، وهي باحثة ما بعد الدكتوراه في قسم دراسات الحرب لدى "كلية كينغز لندن" إن "الحرب الجوية بين روسيا وأوكرانيا تطورت باستمرار منذ بداية النزاع. ويُعد نشر روسيا لنوع جديد من الطائرات المسيّرة النفاثة البعيدة المدى أحدث مثال على ذلك، إذ يؤثر بصورة كبيرة في قدرة أوكرانيا على الدفاع عن مدنها ضد الهجمات الجوية".
ووفق ثورنتون، وهو محاضر أول في الدراسات الدولية والدفاع والأمن، فإن المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية صرّح خلال مقابلة أجريت في الـ14 من سبتمبر الجاري إلى صحيفة "فايننشال تايمز" بأن "أوكرانيا لا تعترض سوى 60 في المئة تقريباً من هجمات طائرة ’جيران 5‘ المسيّرة الجديدة، فيما يقارن هذا بنسبة اعتراض تصل إلى 95 في المئة تحققها الدفاعات الجوية الأوكرانية ضد أنواع أخرى من الطائرات المسيّرة".
ما بعد القنابل الانزلاقية
وابتداءً من عام 2023، بدأ الروس على وجه الخصوص باستخدام القنابل الانزلاقية على نطاق واسع، وهي قنابل يمكن إطلاقها من الطائرات على بعد نحو 70 كيلومتراً من هدفها، خارج نطاق معظم الدفاعات المضادة للطائرات، وهي مزودة بأجنحة تثبيت وأجهزة ملاحة. ومثلت هذه القنابل لفترة قصيرة وسيلة أقل خطورة لإيصال الذخائر إلى ساحة المعركة. بعد ذلك، أصبحت الطائرات المسيّرة الأداة المهيمنة للقوة الجوية، "فهي لا تتطلب طواقم، ونظراً إلى بساطتها النسبية، يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وبكلفة منخفضة". وفي هذا السياق تشير ميرون وثورنتون إلى أن "الجانبين استخدما نماذج أصغر من الطائرات المسيّرة قرب خطوط المواجهة، بينما استهدفت طائرات مسيّرة أكبر حجماً وبعيدة المدى مثل ’جيران 5‘ أهدافاً في عمق الأراضي الأوكرانية والروسية".
لذلك أكد الكاتبان أن "فاعلية ’جيران 5‘ تتجاوز سرعتها ومدى طيرانها". وبحسب الخبير العسكري الروسي يوري كنوتوف تتضمن هذه الطائرات المسيّرة "نظام رؤية آلية مرتبطاً بخريطة رقمية للتضاريس، مما يمكنها من تحديد الأهداف واختيارها بصورة مستقلة".
بعد الهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا عام 2022، سارت الحرب الجوية فوق سماء أوكرانيا وفق التوقعات، إذ اعتمد كلا الجانبين بصورة كبيرة على الطائرات المقاتلة. وكان لهذه الطائرات وفق ميرون وثورنتون، دوران محددان هما "الاشتباك المباشر مع طائرات العدو، وضرب الأهداف لدعم القوات البرية". لكن الوضع سرعان ما تغير بسبب تزايد الخسائر التي ألحقتها أنظمة الدفاع الجوي بالطائرات من الجانبين. وانطلاقاً من هذه الفكرة ترى ميرون وثورنتون أن الحرب الجوية فوق أوكرانيا "اتخذت طابع المواجهة بالمسيّرات، لذا لجأ الجانبان إلى تكتيكات بعيدة المدى".
والكاتبان ميرون وثورنتون هما أستاذان جامعيان في "كلية كينغز لندن"، ويركز بحث الدكتورة ميرون على دراسة استراتيجيات حرب المعلومات التي تستخدمها روسيا والصين. وتشارك ميرون في مشروع بحثي ممول من الأكاديمية البريطانية يستكشف التدابير المضادة الفاعلة التي يمكن للعالم الغربي تبنّيها رداً على هذه الاستراتيجيات. ويشمل بحثها الجوانب النظرية لحرب المعلومات وآثارها العملية، ولا سيما في مجالات مثل الفضاء والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي.
بدوره يتخصص رود ثورنتون في دراسة الجيش الروسي، ولا سيما تركيزه على أنشطة الحرب مثل العمليات السيبرانية والنفسية. وخدم ثورنتون لمدة تسعة أعوام في فوج مشاة بالجيش البريطاني، وخلال خدمته أمضى أربع سنوات في ألمانيا وثلاثة أعوام في إيرلندا الشمالية.