ملخص
يقدم المخرج والمؤلف علي يونس في عمله الجديد "أسطورة السيد ميت" قصة رمزية عن طفل يولد بلا رخصة ولادة، فيحكم عليه بالموت حسب قوانين البلاد. وتقام له جنازة وهمية، على أن يبقى بلا قيود أو تاريخ ميلاد كي يحظى بالحياة، ويصبح اسمه السيد ميت (عبدالوهاب عيان). يكبر الطفل ويشب على مقارعة سلطة بلاده التي يديرها حاكم وهمي يدعى صاحب القبع
تبدأ أحداث مسرحية "أسطورة السيد ميت" (مسرح المركز الثقافي - اللاذقية) وفق مجابهات كاريكاتورية بين الشعب وحاشية فاسدة، تعمل على نهب الثروات وتبذيرها على مصالحها الشخصية.
ينجز مخرج العرض السوري ومؤلفه محاكاة ساخرة من سلطة مستبدة تتخفّى خلف ستار حاكم متخيل، لتسود البلاد وتحكمها بالخوف. مفارقة لا تلبث أن تتداعى، ثم تتكشف خيوطها عن هذه الحاشية التي يمثلها القائمون على العرض بشخصيات تقارب في هيئاتها المهرجين والبهلوانات. سيرك سياسي تقوده شخصية تدعى سيد الختم (بسام سلكان) ويسانده صاحب المال (أحمد مشاعل) وصاحب البوق والعصا (هادي سليمان) وذو العرف (جعفر درويش). وبعد أن تصدر هذه الطغمة قرارها بإقامة جنازة لطفل ولد بلا رخصة، تمضي الأيام ويكبر المولود الجديد ليصبح من ألد خصوم النخبة الحاكمة، ويشرع في تفكيك تحالف المال والسياسة بروح تحريضية ثائرة على الظلم واحتكار السلطة.
يشتد الصراع بين السيد ميت وخصومه بعد أن يصدروا حكماً عليه بالموت، لكن "السيد ميت" لا يأبه لذلك. فكيف لمحكمة أن تصدر حكماً بالإعدام على رجل ميت؟ يقيم الشاب المتمرد في قبر ويجاوره في قبر آخر متهم (مؤيد العلي) بالثورة على الظلم. يتعاهد الشابان على الوفاء لمبادئهما ويشرعان في تنفيذ خطتهما للقضاء على الاستبداد في بلادهما. في الوقت نفسه يتآمر الطغاة على بيع الشعب مستخلصات كيماوية فاسدة للقضاء على حشرات تهاجم السكان، ويعلنون عن جوائز مادية مجزية لكل من يجمع أكبر قدر من الحشرات الميتة.
لكن سرعان ما تتكشف هذه المكيدة بعد أن يقوم السيد ميت بفضح الحاشية الفاسدة التي تحكم باسم طاغية لا وجود له. ومن أجل ذلك يقرر سيد الختم أن من يتقلد شؤون البلاد عليه أن يحكم لأربعة أعوام. ثم يختار بين أن يُقتل أو يتم نفيه خارج البلاد. وبالفعل يتعاقب على منصب سيد القبعة الكثير من الحكام، فمنهم العجوز الذي يموت قبل أن يتم المدة الدستورية (إيفان جاموس). ومنهم المجنون الذي يعتلي صهوة حصان خشبي (ميرنا شحادة)، إلى أن يتسلم السيد ميت شؤون الحكم. فيقوم بتهريب الذهب إلى واحة مهجورة، ويبني مدينة جديدة يوزع فيها الثروة على أفراد الشعب بالتساوي، وينهي أعواماً من الفساد والطغيان.
لكن السيد ميت سوف تنتهي ولايته، فيطالبه الحرس القديم بالاستقالة وتسليم مفاتيح المدينة. وعند ذاك يفصح (ميت) عن تغيير جذري في بنية الحكم، إذ يخاطب شعبه: "أعلن أمامكم أن سيد الختم في مملكتي هو العقل، وذو البوق فيها هو الصدق، وصاحب مالها هو العدل، وصاحب العصا هو الأخلاق". عندها يخرج بطل العرض من المدينة يتبعه الناس، فيما تضرم النار في المدينة الفاسدة بمن تبقى فيها من طغاة وقتلة مأجورين.
سينوغرافيا ضوئية
اعتمد علي يونس على توزيع ممثليه وفق بقع مضاءة (قيس زريقة) تفصل كل واحدة منها الشعب عن حكامه. فواحدة تمت إنارتها بإضاءة فوسفورية فاقعة، وأخرى فضية، فيما استغل المخرج عمق الخشبة لنشر كراس ملونة ومثبتة أعلى ووسط الخشبة (بسام جديد)، كترميز لسلطة وهمية صنعها الخوف ليس إلا. معالجة تضافرت مع إدارة ممثل وتعاون فني للفنان عبدالناصر مرقبي الذي عمل مع مخرج العرض على تكوينات حركية جسدت الجوقة فيها تصاعداً درامياً ومواجهة مستمرة بين الجموع والساسة من جهة، وبين السيد ميت ورفاقه لمجابهة بطش الديكتاتور الخفي.
ويمكن القول إن هذه المقاربة وضعت العرض كمراجعة نقدية لتركيبة جمهورية الخوف، إذ يتناول علي يونس تشريح هذه البنية الغيبية عبر دمج التراجيديا بالسخرية من حاشية تحكم بثياب ملونة، فيما الشعوب (الجوقة) ترتدي السواد على الدوام (أليسار كوسا). هيئات غرائبية لكنها في حدة حركتها وتخطيطها الدائم لإنتاج نظريات الإلهاء العام بصيد الحشرات وشراء المبيدات الفاسدة، تقدم ما يشبه رسماً كاريكاتورياً لمسوخ تبدد الثروة وتخترع نظامها الوحشي عبر توليد مفارقات تدمج بين الكوميديا والعنف.
وعوّل مخرج "أسطورة السيد ميت" على الراوي كأسلوب لاستدعاء المهرج الملحمي وتعليقه على الأحداث. تغريب مقصود بين القصة وشخوصها (دراماتورجيا أنور محمد)، ليس بهدف الاندماج العاطفي مع المتفرج، بل من أجل تخليق مسافة بين الشخصيات والجمهور، وإتاحة فسحة من التفكير العقلاني بمصير الشخصيات ومآلاتها على الخشبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اتكأ الإخراج على التغريب هذا المفهوم المسرحي، المرتبط بالكاتب والمخرج الألماني برتولد بريخت (1898-1956)، الذي أطلقه في كتابه "الأرغانون الصغير للمسرح" ونشره عام 1948، مبيّناً فيه نظريته في المسرح الملحمي، قافزاً فوق منهج التطهير catharsis الذي أسسه أرسطو في كتابه "فن الشعر"، ومن ثم كرسه وتبناه قسطنطين ستانسلافسكي (1863-1936) في منهجه عن الاندماج الواقعي أو المعايشة.
وظف "أسطورة السيد ميت" التغريب البريختي معيداً النظر في الأسس التي يقوم عليها النص وأداء الممثل وطريقة الإخراج والسينوغرافيا. فكان التغريب في العرض بهذا المعنى داعياً إلى التغيير وعدم التسليم بالحقيقة الواقعية الواحدة، كما اعتدنا أن نراها في العروض التي تعتمد مبدأ المعايشة عند ستانسلافكي. بل حاول القائمون على العرض النظر إلى الحقائق من زاوية أخرى، عبر كسر الإيهام وتثوير الواقع من خلال تغيير طريقة التلقي، والتفاعل مع الممثلين والمشاركة معهم، بحيث يكون المُشاهد جزءاً من الفرجة، غير منفصل عنها وغير منفعل بها في الوقت ذاته، بل فاعل وشريك، ويكون التلقي من طريق العقل، وليس القلب والعواطف، كما يحدث في المسرح الأرسطي.
هكذا قدم المخرج علي يونس التغريب ليس كفلسفة وتكنيك وحسب، بل كاستخدام مختلف وغير مألوف للنص والمكان والأغراض والشخصيات والحوارات، وذلك للفت الانتباه إليها وإثارة التفكير فيها، لا التعاطف معها وتصديقها.