Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حزب الله" وإيران... ماذا تغير في العلاقة بعد رحيل حسن نصرالله؟

لم تعد قيمة الحزب بالنسبة إلى طهران تقاس فقط بقدرته على تهديد إسرائيل بل أصبح عليها أن تحسب كلفة إعادة تسليحه وصعوبة الحفاظ على خطوط إمداده

أرادت إسرائيل من خلال عملية اغتيال نصرالله إسقاط المعادلة التي سمحت للحزب، برعاية إيرانية، بأن يفرض ثقله العسكري على حدودها الشمالية طوال أعوام (اندبندنت عربية)

ملخص

كان حسن نصرالله يعرف متى يرفع مستوى المواجهة، وكيف يشرح ذلك لجمهوره، وكيف يناور في الداخل اللبناني، من دون أن يُسقط بالكامل صورة الحزب بوصفه طرفاً لبنانياً. وهذا لا يعني أنه كان مستقلاً عن القرار الاستراتيجي الإيراني، لكنه كان يمتلك رصيداً يسمح له بإدارة التقاطع بين مصلحة إيران، ومتطلبات بقاء الحزب ونفوذه في لبنان.

لم يخسر "حزب الله" أمينه العام وحده من بعد اغتيال حسن نصرالله، الجمعة الـ27 من سبتمبر (أيلول) 2024، بل خسر الشخصية التي جمعت طوال ثلاثة عقود بين قيادة التنظيم، وإدارة علاقته بإيران، وتسويق دوره العسكري بوصفه جزءاً من المعادلة اللبنانية والإقليمية، وكأحجار الدومينو، تهاوت ركائز "محور الممانعة" الواحدة تلو الأخرى.

وبدأ التصدع باغتيال قادة من "حماس"، ثم جاءت الضربة الأثقل باغتيال حسن نصرالله، الرجل الذي لم يكن يقود "حزب الله" وحسب، بل كان يمسك بأهم خيوط النفوذ الإيراني في المنطقة. وبعد أشهر، سقط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، فانقطع المسار السوري الذي وصل طهران ببيروت عقوداً. وتوالت الخسائر العسكرية والقيادية، ليجد المحور نفسه أمام واقع لم يعرفه في ذروة قوته، أي حلفاء منهكون، وطرق إمداد مضطربة، وساحات دفعت أثماناً باهظة لحروب خيضت باسم "وحدة الساحات".

 

"النظام الجديد"

استهدفت طائرات إسرائيلية مقر قيادة تحت الأرض في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت، خلال اجتماع كان نصرالله موجوداً فيه مع قادة من الحزب. وبحسب الرواية التي نشرها الجيش الإسرائيلي لاحقاً، نُفذت الضربة باستخدام 83 قنبلة أُلقيت بصورة متزامنة، بوزن إجمالي قُدر بنحو 80 طناً من المتفجرات، وقُتل نصرالله وعدد من القادة الموجودين معه، في وقت أحدث القصف دماراً كبيراً في الأبنية فوق الموقع وحوله.

لم يكن اسم "النظام الجديد"، الذي أطلقته إسرائيل على عملية اغتيال حسن نصرالله، تفصيلاً دعائياً عابراً، فالضربة التي استهدفت مقر قيادة الحزب تحت الضاحية الجنوبية في ذلك اليوم من سبتمبر 2024، لم تسعَ إلى قتل أمينه العام وحسب، بل أرادت إسرائيل من خلالها إسقاط المعادلة التي سمحت للحزب، برعاية إيرانية، بأن يفرض ثقله العسكري على حدودها الشمالية طوال أعوام. في تلك المعادلة، كان "حزب الله" يمتلك ترسانة كبيرة وقدرة على تهديد إسرائيل، وشكل نصرالله مركز القرار والوجه السياسي الذي يدير المواجهة باسم الحزب، ويربطها بالنفوذ الإيراني في المنطقة.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي حينها، هرتسي هاليفي، بعد الاغتيال، "هذا ليس آخر ما في جعبتنا. الرسالة بسيطة، أي شخص يهدد مواطني إسرائيل سنعرف كيف نصل إليه". أي إن اغتيال نصرالله كان، في التصور الإسرائيلي، مدخلاً لتغيير ميزان القوة، لا نهاية العملية العسكرية. وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في ذلك الوقت، في بيان، أن "نصرالله لم يكن إرهابياً، بل كان هو الإرهابي. القضاء على نصرالله كان خطوة ضرورية نحو تحقيق الهدف الذي حددناه، وهو إعادة سكان الشمال بأمان إلى منازلهم وتغيير ميزان القوى في المنطقة لأعوام مقبلة".

 

الضربة التي قصمت ظهر "حزب الله"

غير أن اغتيال الرجل الذي أدار تلك المعادلة لم يُنهِ الحزب، بل أدخله في مرحلة أكثر هشاشة، أي قيادة مستهدفة، وقوة تحتاج إلى إعادة بناء، وعلاقة مع طهران أصبح دور "الحرس الثوري" في إدارتها العسكرية أكثر مباشرة. وبعد انقطاع المسار السوري الذي خدم نفوذ طهران في لبنان، ضاق هامش الحركة الذي كان يتمتع به الحزب، وحين دخل مجدداً في المواجهة مع إسرائيل في مارس الماضي، وعلى خلفية الحرب على إيران، ظهرت الفجوة بين الدور الإقليمي الذي لا تزال طهران تريده منه، والكلفة التي بات يدفعها داخل لبنان.

وعليه وبعد هذه المرحلة، أصبحت يد "الحرس الثوري" الإيراني أكثر حضوراً في إعادة تنظيم الحزب وتدريب كوادره وترميم قدراته، وذلك وفقاً لتقارير ومصادر أمنية. وتجاوز هذا التطور استمرار الدعم الإيراني المعتاد، وبعدما كان نصرالله يدير علاقته بطهران من موقع قوة ونفوذ شخصي، بات الحزب من بعده يعتمد عليها بصورة أكبر لاستعادة ما خسره.

كان نصرالله أحد أبرز الوجوه العربية للمشروع الإقليمي الإيراني

لم تكن علاقة حسن نصرالله بإيران علاقة تنظيم يتلقى الدعم من دولة حليفة وحسب، فخلال أكثر من ثلاثة عقود، أصبح نصرالله أحد أبرز الوجوه العربية للمشروع الإقليمي الإيراني، وصاحب قدرة استثنائية على نقل أولويات طهران إلى الساحة اللبنانية، بلغة تجعلها تبدو جزءاً من معركة لبنان نفسه. فماذا خسر كل طرف حين غاب الرجل الذي كان يدير العلاقة بينهما؟

لم ينفصل الحزب عن إيران بعد اغتيال نصرالله، ولم تتبدل عقيدته أو حاجته إلى الدعم الإيراني، والذي تغير هو ميزان القدرة داخل العلاقة. فقد خسر الحزب قائداً يملك ثقلاً سياسياً وشعبياً، وعلاقات تراكمت على مدى أعوام، وقدرة على مخاطبة اللبنانيين والإيرانيين في الوقت نفسه، وخسرت طهران شريكاً كان يستطيع تحويل قوتها العسكرية في لبنان إلى نفوذ سياسي يتجاوز حدود البيئة الحزبية.

وفي عهد نصرالله، كانت إيران حاضرة في عقيدة الحزب وتسليحه وتمويله، لكن حضوره الشخصي منح العلاقة صورة أكثر تعقيداً من صورة الأمر المباشر والتنفيذ المباشر. كان يعرف متى يرفع مستوى المواجهة، وكيف يشرح ذلك لجمهوره، وكيف يناور في الداخل اللبناني، من دون أن يُسقط بالكامل صورة الحزب بوصفه طرفاً لبنانياً. وهذا لا يعني أنه كان مستقلاً عن القرار الاستراتيجي الإيراني، لكنه كان يمتلك رصيداً يسمح له بإدارة التقاطع بين مصلحة إيران، ومتطلبات بقاء الحزب ونفوذه في لبنان. أما بعد اغتياله، والخسائر التي أصابت قيادات الحزب وبنيته العسكرية، أصبحت إعادة ترميم التنظيم أولوية عاجلة. وفي هذه المرحلة، اتسعت الحاجة إلى الخبرة الإيرانية المباشرة، ونقلت تحقيقات صحافية، استناداً إلى مصادر أمنية ومطلعة، أن ضباطاً من "الحرس الثوري" شاركوا بعد حرب عام 2024 في إعادة تنظيم كوادر الحزب العسكرية وتدريبها. وهنا بدأ يظهر أول تحول جوهري في العلاقة، فكلما تراجعت قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه بوسائله وقياداته، ازداد اعتماده على إيران. وتحولت العلاقة القديمة التي قامت على تبادل المنفعة والقوة، إلى علاقة جديدة تشكلت تحت ضغط الخسارة والحاجة إلى التعويض.

 

 

لبنان بعد نصرالله لم يعد ساحة مفتوحة كما كان

تزامن رحيل نصرالله مع تبدل البيئة الإقليمية التي أتاحت للحزب، ولأعوام، هامشاً واسعاً من الحركة. فقد سقط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهو النظام الذي شكلت سوريا في عهده ممراً أساساً لنفوذ إيران وإمدادات حلفائها إلى لبنان. وخرج الحزب من حرب عام 2024 بخسائر قيادية وعسكرية كبيرة، وارتفعت في الداخل اللبناني المطالبة بحصر السلاح والقرار الأمني بالدولة.

لهذا، لم تعد قيمة الحزب بالنسبة إلى إيران تقاس فقط بقدرته على تهديد إسرائيل، بل أصبح عليها أن تحسب كلفة إعادة تسليحه، وصعوبة الحفاظ على خطوط إمداده، وأثر ارتباطه بها في موقعه داخل لبنان.

في المقابل، لم يعد الحزب قادراً على التعامل مع أي قرار إقليمي، كما لو أن الداخل اللبناني يستطيع استيعاب نتائجه بلا حدود.

ومع ذلك، لم ينسحب النفوذ الإيراني من لبنان، بل حاولت طهران الاحتفاظ بالحزب وإعادة تأهيله في ظروف ازدادت صعوبة، لأن من مصلحتها ألا تخسر ورقة، بقيت لعقود من أهم أدوات نفوذها في المشرق، لكن الحفاظ على الورقة شيء، واستعادة فاعليتها السابقة شيء آخر.

اختبار مارس: أي قرار يحكم الحرب؟

وظهر أثر هذا التحول بوضوح في مارس (آذار) الماضي، بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في عملية جوية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، حيث أطلق "حزب الله" صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، تحت عنوان الانتقام لدم المرشد، ودخلت الجبهة اللبنانية مجدداً في حرب متصلة بالمواجهة مع إيران. وقال الحزب، في بيان حينها، الثاني من مارس، إنه "استهدف بصلية من الصواريخ النوعية وسرب من المسيرات موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخي التابع لجيش العدو الإسرائيلي جنوب مدينة حيفا"، وتابع أن إطلاق الصواريخ والمسيرات جاء "ثأراً" لاغتيال إسرائيل للمرشد الإيراني خامنئي، ودفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وأنه "لطالما أكدت قيادة المقاومة أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واغتيال قادتنا وشبابنا وأهلنا يعطينا الحق في الدفاع، والرد في الزمان والمكان المناسبين".

وكشفت هذه الواقعة عمن صاغ قرار الهجوم، فعندما بلغت المواجهة مع إيران لحظة مفصلية، دخل لبنان الحرب مرة أخرى عبر قرار لم تتخذه مؤسساته. وهنا انتقل النقاش في شأن علاقة الحزب بطهران، من الجدل حول النفوذ، إلى سؤال مباشر عن مكان اتخاذ قرار الحرب، ومن يتحمل ثمنه. ذلك أنه، وفي عهد نصرالله، كان الحزب ينجح، بدرجات متفاوتة، في تغليف ارتباطه الإقليمي بخطاب محلي قادر على تعبئة جمهوره وإرباك خصومه، لكن هذا الخطاب فقد كثيراً من قدرته على الإقناع حين أطلق الحزب صواريخه رداً على مقتل المرشد الإيراني، ثم وجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى أمام مشاهد النزوح والدمار، ولم يعد الحديث عن "وحدة الساحات" أو "إسناد إيران" كافياً لتفسير حرب يدفع لبنان كلفتها، فيما لا يملك من يفقد منزله أو عمله أي تأثير في قرار خوضها. وهكذا، بات سؤال مصلحة لبنان في هذه المواجهة، يُطرح داخل بيئة الحزب قبل أن يطرحه خصومه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إيران تحتاج إلى الحزب… والحزب يحتاج إلى مساحة لبنانية

قد يبدو من نتائج الحرب أن العلاقة أصبحت من طرف واحد، بمعنى أن إيران تقرر والحزب ينفذ، لكن هذا التبسيط يخفي مأزق الطرفين. فطهران تحتاج إلى بقاء الحزب قوة قادرة على التأثير، فيما يحتاج الحزب إلى الدعم الإيراني كي يعيد بناء قدراته. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى جمهور لبناني يستطيع أن يشرح له لماذا يُطلب منه تحمل حرب جديدة، وإلى هامش سياسي يمنع عزله بالكامل داخل الدولة. وهذا التناقض يضع القيادة التي خلفت نصرالله، أمام مهمة لم يكن هو نفسه قادراً على حسمها نهائياً، كيف يجمع الحزب بين ولائه لمحور إقليمي، وبين ادعائه أن قراره العسكري يراعي مصلحة لبنان؟ وكل جولة قتال جديدة تجعل الإجابة أكثر صعوبة، وكل توسع في دور "الحرس الثوري" في إعادة بناء الحزب، يجعل سؤال استقلال القرار أكثر إلحاحاً. وتستطيع إيران، من جهتها، أن تمد الحزب بالمال والخبرة والسلاح حيث تتوافر لها السبل، لكنها لا تستطيع أن تمنح أي قيادة جديدة مكانة نصرالله داخل بيئته، أو أن تعيد بقرار منها الظروف اللبنانية والإقليمية التي صنعت نفوذه، فالقيادة هنا ليست اسماً يُستبدل باسم، بل شبكة من الثقة والقدرة على الإقناع وإدارة التوازنات.

ما الذي تغير فعلاً؟

بناء عليه، تغيرت ثلاثة أمور مترابطة، أولاً، صار اعتماد الحزب على إيران في ترميم قوته أكثر وضوحاً، بعد خسارة قياداته ومقدراته. ثانياً، تراجع الهامش الذي كان يتيحه نصرالله لإدارة العلاقة بين مقتضيات المشروع الإيراني، وحسابات السياسة اللبنانية. وثالثاً، ارتفعت كلفة هذه العلاقة على الحزب نفسه، لأن تداعيات قراراته العسكرية باتت تعمق عزلته، وتضع شرعيته الداخلية تحت اختبار متكرر. لكن الثابت لا يقل وضوحاً، فإيران لم تتخلَّ عن "حزب الله"، والحزب لم يختر فك ارتباطه بها، التغيير إذاً ليس في وجهة الولاء، بل في شروط ممارسته وثمنه. وما أثبتته التطورات الأخيرة أن إعادة بناء القوة العسكرية، لا تكفي لإعادة بناء الموقع السياسي الذي كان يتمتع به الحزب قبل رحيل نصرالله.

لقد كان نصرالله بالنسبة إلى طهران أكثر من قائد بارز في محورها، كان الوجه الذي منح نفوذها في لبنان والإقليم، صوتاً عربياً نافذاً وقدرة على مخاطبة الداخل اللبناني والمحيط العربي. وبعده، بقي السلاح وبقي الارتباط، لكن قدرة الحزب على إقناع اللبنانيين بأن كلفة هذا الارتباط تخدم بلدهم أصبحت أضعف، تلك هي الخسارة التي لا يستطيع "الحرس الثوري" تعويضها بالتدريب، ولا تستطيع إيران حلها بمزيد من التمويل.

الاختبار الأصعب للحزب

في المحصلة، لن يُحسم مستقبل "حزب الله" بقدرته على إعادة ملء مخازن أسلحته، أو اختيار قائد جديد، بل بالقرار الذي سيتخذه في شأن دوره في لبنان. فإذا بقي سلاحه مرتبطاً بحسابات تتجاوز حدود الدولة، فستظل أي قوة يستعيدها، معرضة للاستنزاف عند كل منعطف إقليمي، وسيبقى اللبنانيون مطالبين بتحمل نتائج قرار لا يملكونه.

أما الاختبار الأصعب للحزب، فهو أن يقبل بأن المرحلة التي أتاحت له الجمع بين سلطة السلاح، والمشاركة في الدولة قد انتهت، وأن موقعه المقبل لا تحدده طهران وحدها، بل قدرته على الاعتراف بحق اللبنانيين في أن يكون قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً.

المزيد من تحلیل