ملخص
تتراجع في الانتخابات النصفية حماسة الفئات التي أوصلت الرئيس الأميركي إلى السلطة، في حين يكون خصومه أكثر اندفاعاً إلى التصويت. ويكون الرئيس الفائز قد استنفد جزءاً من التعبئة العاطفية التي أحاطت بوصوله، بينما يدخل أنصار الحزب الخاسر الانتخابات التالية برغبة في الانتقام أو تعطيل برنامجه.
لا ينتخب الأميركيون رئيساً في الانتخابات النصفية، والمحددة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لكنهم يصوتون في الغالب على أدائه في الحكم.
فهذه الانتخابات، التي تجرى بعد عامين على دخول الرئيس البيت الأبيض، تتحول تاريخياً إلى استفتاء على طريقته في الحكم، وعلى الاقتصاد، وعلى مستوى الرضا أو الغضب في البلاد. ولا يحتاج الناخب إلى إسقاط الرئيس مباشرة، بل يكفي أن يجرده من غالبيته في الكونغرس، فيحوله خلال النصف الثاني من ولايته، من رئيس يفرض أجندة معينة، إلى رئيس يدافع عنها.
واليوم، لم تعد الحرب الأميركية - الإيرانية شأناً خارجياً بعيداً من حسابات الداخل الأميركي، بعدما انتقلت تداعياتها من ميادين المواجهة إلى الاقتصاد والأسواق وكلفة المعيشة. فالاضطراب في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط ينعكسان مباشرة على أسعار الوقود والسلع، ويضعان إدارة دونالد ترمب أمام اختبار داخلي لا يقل صعوبة عن المواجهة العسكرية.
وبذلك تدخل الولايات المتحدة انتخابات الثالث من نوفمبر، والحرب حاضرة بقوة في خيارات الناخبين، وقد تصبح عاملاً حاسماً في تحديد مصير الغالبية الجمهورية في الكونغرس.
الحرب الإيرانية على أبواب الصندوق الأميركي، هل تنقذ ترمب أم تغرق الجمهوريين؟
عندما تتحول الحرب إلى تضخم
المشكلة الأساسية التي يواجهها دونالد ترمب اليوم ليست الحرب بمعناها العسكري فقط، بل تداخلها مع الاقتصاد. فقد أدت الاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب إلى رفع أسعار النفط والنقل والتأمين، وانتقلت الكلفة تدريجاً إلى الوقود والسلع والقطاعات الزراعية والصناعية.
وبحسب تقديرات القيادة المركزية الأميركية، بلغت الكلفة المباشرة للحرب حتى مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري نحو 43.6 مليار دولار، في ظل استهلاك كبير للصواريخ الاعتراضية والذخائر، ومطالبات بتمويل عسكري إضافي. وهذه الأرقام لا تبقى داخل موازنة البنتاغون، بل تتحول إلى سلاح انتخابي في يد الديمقراطيين، وسؤال لماذا تنفق عشرات المليارات خارج البلاد فيما يعاني الأميركيون ارتفاع الأسعار؟
ربما سيرد ترمب، بأن ترك إيران تفرض سيطرتها على الممرات الاستراتيجية أو تهدد القوات الأميركية، وحلفاء واشنطن، كان سيكلف الولايات المتحدة أكثر على المدى البعيد. وسيحاول تقديم الحرب باعتبارها مواجهة فرضت عليه لحماية الأمن الأميركي وإعادة تثبيت الردع، لا مغامرة اختارها من أجل تغيير الأنظمة أو احتلال دولة جديدة.
لكن قوة هذه الحجة ستقاس بسعر الوقود أكثر مما ستقاس بالبيانات العسكرية، فغالبية الناخبين لا تفصل بين التضخم والسياسة الخارجية عندما تصبح الحرب أحد أسباب ارتفاع كلفة المعيشة.
من "ووترغيت" إلى حرب العراق
تتقاطع انتخابات اليوم مع محطات سابقة من دون أن تتطابق معها، ففي عام 1974 عاقب الناخبون الجمهوريين على أزمة ثقة خلفتها فضيحة "ووترغيت"، وفي 1994 واجه بيل كلينتون رفضاً واسعاً لسياساته الداخلية، بينما تحولت حرب العراق عام 2006 إلى عبء أسقط سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس. أما في 2010، فدفعت المخاوف الاقتصادية والاعتراض على توسع دور الحكومة بالديمقراطيين إلى خسارة 63 مقعداً في مجلس النواب.
ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت الولايات المتحدة 20 انتخابات نصفية، بدءاً من انتخابات عام 1946 وحتى انتخابات عام 2022، وفي 18 منها، خسر حزب الرئيس مقاعد في مجلس النواب، فيما شكلت انتخابات 1998 في عهد بيل كلينتون وانتخابات 2002 في عهد جورج بوش الابن الاستثناءين الوحيدين.
وإذا اعتمدنا انتخابات 1946، وهي أول انتخابات نصفية بعد الحرب، وشهدت تحولاً كبيراً، إذ سيطر الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ للمرة الأولى منذ عام 1932، وذلك بسبب الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية بعد الحرب، كالتضخم ونقص السلع، وذلك في عهد الرئيس الديمقراطي هاري ترومان. ولكن هذه القاعدة لا تعني أن كل انتخابات نصفية تنتهي بتغيير الأكثرية، بل إن مجلس النواب غير غالبيته في ما يزيد قليلاً على ثلث الانتخابات النصفية عبر التاريخ.
لماذا يخسر حزب الرئيس عادة؟
هناك أكثر من تفسير لهذا النمط، لكنها جميعاً تلتقي عند فكرة واحدة، تحمل الانتخابات الرئاسية رئيساً إلى السلطة ومعه ائتلاف انتخابي واسع، بينما تأتي الانتخابات النصفية لتصحيح ميزان القوة والحد من اندفاعة ذلك الائتلاف. وعادة، ما يعاقب الناخب الحزب الذي يملك السلطة لأنه يتحمل مسؤولية الواقع القائم، فإذا ارتفعت الأسعار، أو تراجعت الثقة بالاقتصاد، أو اندلعت حرب غير شعبية، أو تورطت الإدارة في فضيحة، يكون حزب الرئيس هو العنوان الأكثر وضوحاً للمحاسبة، حتى عندما تكون أسباب الأزمة أوسع من صلاحيات البيت الأبيض. كما أنه تتراجع في الانتخابات النصفية حماسة الفئات التي أوصلت الرئيس إلى السلطة، في حين يكون خصومه أكثر اندفاعاً إلى التصويت. ويكون الرئيس الفائز قد استنفد جزءاً من التعبئة العاطفية التي أحاطت بوصوله، بينما يدخل أنصار الحزب الخاسر الانتخابات التالية برغبة في الانتقام أو تعطيل برنامجه.
إضافة إلى أن بعض الأميركيين يصوتون بصورة واعية، أو شبه واعية لمصلحة حكومة منقسمة، فالناخب الذي اختار الرئيس قبل عامين قد لا يكون راغباً في منحه سيطرة غير محدودة على الرئاسة ومجلسي الكونغرس والشيوخ، ولذلك يستخدم الانتخابات النصفية لإعادة التوازن بين المؤسسات.
وعليه، يكون حزب الرئيس في العادة مكشوفاً انتخابياً بعد انتصاره الرئاسي، إذ يكون قد فاز قبل عامين بدوائر متأرجحة ومقاعد هامشية بفضل موجة الرئيس، ثم يعجز عن الاحتفاظ بها عندما يغيب اسمه عن ورقة الاقتراع.
من الانتخابات المحلية إلى الاستفتاء الوطني
ولم تبق طبيعة الانتخابات النصفية ثابتة، ففي العقود الأولى التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان للمرشح المحلي وهويته وعلاقته بدائرته وزن أكبر. وكان ممكناً أن ينتخب الناخب رئيساً من حزب، ثم نائباً أو سيناتوراً من الحزب الآخر، من دون أن يرى في ذلك تناقضاً.
لكن الانقسام الأيديولوجي والجغرافي بين الحزبين جعل الانتخابات أكثر وطنية وأقل محلية، وتراجع عدد الديمقراطيين المحافظين في الجنوب، والجمهوريين المعتدلين في الشمال الشرقي، وأصبح التصويت لمرشح الكونغرس مرتبطاً بصورة أوضح بالموقف من الرئيس ومن القضايا الوطنية. وانتقل الجنوب تدريجاً إلى المعسكر الجمهوري، بينما عزز الديمقراطيون حضورهم في المدن الكبرى وبين الناخبين السود والشباب وحملة الشهادات الجامعية. وفي المقابل، ترسخ التفوق الجمهوري بين البيض غير الجامعيين وفي المناطق الريفية والبلدات الصغيرة. وفي انتخابات 2022، استمر الشباب والسود وسكان المدن في الميل إلى الديمقراطيين، في مقابل تفوق الجمهوريين بين الأكبر سناً والبيض وسكان الأرياف.
ويتعلق التغيير الآخر بالمشاركة، إذ كانت الانتخابات النصفية تقليدياً انتخابات منخفضة الإقبال، يحسمها الناخبون الأكبر سناً والأكثر انتظاماً، لكن مرحلة دونالد ترمب رفعت منسوب الاستنفار لدى الحزبين. وبلغت المشاركة عام 2018 نحو 49 في المئة، وهي الأعلى في انتخابات نصفية منذ 1914، ثم بقيت مرتفعة عام 2022 مقارنة بمعظم انتخابات العقود السابقة. وهذا يعني أن الانتخابات النصفية لم تعد مجرد استحقاق باهت بين انتخابين رئاسيين، بل أصبحت معركة وطنية كاملة حول هوية البلاد، والمحكمة العليا، والإجهاض، والهجرة، والسلاح، والاقتصاد، وحتى شرعية النظام الانتخابي نفسه.
1974 "ووترغيت" تعاقب الحزب بعد سقوط الرئيس
وقعت انتخابات 1974 النصفية بعد ثلاثة أشهر فقط على استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون، بسبب ما يعرف بفضيحة "ووترغيت"، التي كشفت عن تورط أشخاص مرتبطين بحملة الرئيس ريتشارد نيكسون بالتجسس على حملة الديمقراطيين، ومحاولات من البيت الأبيض للتستر على القضية.
الرئيس خرج حينها من البيت الأبيض، لكن الفضيحة بقيت داخله، وبقي الحزب الجمهوري يدفع ثمنها. ولم ينظر الناخبون إلى "ووترغيت" بوصفها جريمة فردية انتهت باستقالة نيكسون، بل باعتبارها دليلاً على توسع السلطة التنفيذية، وغياب الرقابة، واستعداد الإدارة لاستخدام أجهزة الدولة لحماية الرئيس.
وجاء قرار الرئيس الجديد جيرالد فورد بالعفو عن نيكسون، في سبتمبر من ذلك العام، ليعمق الانطباع بأن المؤسسة السياسية تحاول إغلاق الملف قبل محاسبة المسؤولين عنه.
وتزامنت الأزمة السياسية مع تضخم مرتفع وتداعيات أزمة النفط، فتحول التصويت إلى عقاب مركب على الفساد والاقتصاد معاً. وكسب الديمقراطيون حينها 49 مقعداً في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ، ليرفعوا غالبيتهم إلى 291 مقعداً في مقابل 144 للجمهوريين، وهي ما عرف تاريخياً بكتلة "أطفال ووترغيت"، ووسعوا غالبيتهم في المجلسين.
لكن أهمية النتيجة لم تكن في عدد المقاعد وحده، بل في نوعية النواب الذين دخلوا الكونغرس، فقد ظهرت كتلة كبيرة من النواب الديمقراطيين الجدد، وحمل هؤلاء معهم ثقافة سياسية أكثر تشدداً في الرقابة على الإدارة، وأكثر رفضاً لهيمنة القيادات التقليدية داخل الكونغرس. ودفعوا باتجاه مزيد من الشفافية، وأعادوا النظر في سلطات رؤساء اللجان النافذين، وأسهموا في نقل جانب من القوة داخل مجلس النواب من شبكات الأقدمية المغلقة إلى الأعضاء والكتل الحزبية.
وكانت الرسالة أبعد من نيكسون، بمعنى أن استقالة الرئيس لا تمحو مسؤولية الحزب، والعفو القانوني لا يلغي الحكم السياسي. كما أثبتت الانتخابات أن فضيحة البيت الأبيض يمكن أن تعيد تشكيل الكونغرس نفسه، لا أن تكتفي بإسقاط ساكنه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
1994 الثورة الجمهورية تنهي 40 عاماً من الهيمنة الديمقراطية
وصل بيل كلينتون إلى البيت الأبيض عام 1993 بوصفه وجهاً ديمقراطياً جديداً، وممثلاً لتيار "الديمقراطيين الجدد"، لكنه اصطدم خلال عاميه الأولين بمعارضة شرسة لمشروعه الصحي، وبانطباع متزايد لدى المحافظين بأنه يدفع البلاد بسرعة نحو اليسار. واستثمر النائب الجمهوري نيوت غينغريتش هذا المناخ، وحول انتخابات الكونغرس من مجموعة سباقات محلية إلى حملة وطنية موحدة. وقدم الجمهوريون وثيقة "العقد مع أميركا"، وهو برنامج تعهدوا من خلاله بخفض الضرائب والإنفاق، وتشديد السياسة الجنائية، وإصلاح عمل الكونغرس وتقليص دور الحكومة الفدرالية. وكانت النتيجة زلزالاً سياسياً، حيث كسب الجمهوريون 54 مقعداً في مجلس النواب وثمانية في مجلس الشيوخ، وسيطروا على المجلسين للمرة الأولى منذ انتخابات 1952، وانتزعوا مجلس النواب الذي ظل في قبضة الديمقراطيين 40 عاماً متواصلة.
هنا لم تكن انتخابات 1994 مجرد تصويت ضد كلينتون، فقد كشفت عن تحول بنيوي أعمق، خصوصاً في الجنوب، وانتقلت دوائر كانت تنتخب ديمقراطيين محافظين إلى الحزب الجمهوري.
وأدرك كلينتون بعد الصدمة أن ولايته لن تستمر بالصيغة نفسها، فأعاد تموضعه نحو الوسط، وتبنى شعار انتهاء عصر "الحكومة الكبيرة"، ودخل في مواجهة ثم تسوية مع الكونغرس الجمهوري. ونتج من الصدام إغلاقان للحكومة الفدرالية، لكنه انتهى أيضاً بتفاهمات، أبرزها إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية عام 1996.
وهكذا لم تنه "الثورة الجمهورية" رئاسة كلينتون، لكنها أعادت صياغتها، فقد خسر غالبيته، لكنه استثمر اندفاع الجمهوريين وصدامهم معه كي يظهر في موقع الوسطي، وفاز بولاية ثانية عام 1996.
2006 العراق يسقط الأكثرية الجمهورية
وبعد هجمات الـ11 من سبتمبر عام 2001، استفاد جورج بوش الابن من التفاف داخلي واسع حول الرئاسة، ومن أولوية الأمن القومي. لكن بعد ثلاث سنوات على غزو العراق، انقلبت الحرب من رصيد سياسي إلى عبء ثقيل.
كان العنف يتصاعد، والخسائر الأميركية تتزايد، ومبررات الحرب المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل قد انهارت. وبدأت قطاعات واسعة من الأميركيين ترى أن الإدارة لا تملك استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، وأن خطابها المتفائل لا ينسجم مع الوقائع الميدانية.
وتحولت انتخابات 2006 إلى استفتاء على حرب العراق وعلى إدارة بوش لها، أكثر مما كانت منافسة على البرامج المحلية للمرشحين. وكسب الديمقراطيون نحو 31 مقعداً في مجلس النواب وستة مقاعد في مجلس الشيوخ، وانتزعوا السيطرة على المجلسين، لينهوا 12 عاماً من الهيمنة الجمهورية على مجلس النواب. وفي اليوم التالي للانتخابات أعلن بوش رحيل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، في اعتراف عملي بأن السياسة القائمة لم تعد قابلة للاستمرار سياسياً.
وقد ارتبط الانتصار الديمقراطي بصورة مباشرة باتساع المعارضة الشعبية للحرب، وبعد ذلك أطلقت الإدارة مراجعة لاستراتيجيتها وانتهت إلى زيادة القوات الأميركية في العراق عام 2007. لكن التحول الأساسي كان قد وقع داخل واشنطن، وأصبح الكونغرس أكثر قدرة على استدعاء المسؤولين والتحقيق في إدارة الحرب، وفرض على البيت الأبيض العمل في ظل رقابة لم تكن موجودة عندما كان الجمهوريون يسيطرون على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأثبتت انتخابات 2006 أن الناخب الأميركي قد يمنح الرئيس مساحة واسعة للتحرك العسكري في لحظة الخوف، لكنه يعود لمحاسبته عندما تطول الحرب وتغيب النتائج. كما أثبتت أن السياسة الخارجية لا تبقى خارج صندوق الاقتراع، عندما تتحول كلفتها البشرية والمالية إلى شأن داخلي يومي.
2010 من شعبية أوباما إلى انتفاضة "حزب الشاي"
دخل باراك أوباما البيت الأبيض وسط موجة شعبية استثنائية، حاملاً وعود التغيير بعد الأزمة المالية وحربي العراق وأفغانستان. وامتلك الديمقراطيون غالبيات قوية أتاحت لهم تمرير حزمة إنقاذ اقتصادي وإصلاح النظام الصحي المعروف باسم "أوباما كير"، لكن الشعبية الرئاسية لا تنتقل تلقائياً إلى انتخابات الكونغرس، فالتعافي الاقتصادي كان بطيئاً، والبطالة بقيت مرتفعة، فيما نجح الجمهوريون في تصوير إصلاح الرعاية الصحية والإنفاق الحكومي، باعتبارهما توسعاً غير مسبوق للدولة وزيادة في العجز.
وفي الوقت نفسه، ظهرت حركة "حزب الشاي"، التي جمعت بين رفض الضرائب والإنفاق، والغضب من واشنطن، والتعبئة المحافظة ضد أوباما. ولم تكن الحركة مجرد احتجاج خارج المؤسسات، بل دخلت الانتخابات التمهيدية الجمهورية، وأطاحت بمرشحين تقليديين، ثم دفعت إلى الكونغرس كتلة أكثر أيديولوجية وأقل استعداداً للتسويات. وخسر الديمقراطيون 63 مقعداً في مجلس النواب، في أكبر انقلاب لمقاعد المجلس منذ انتخابات 1948، بينما كسب الجمهوريون ستة مقاعد في مجلس الشيوخ، من دون أن يتمكنوا من انتزاع غالبيته، ووصف أوباما الهزيمة حينها بأنها "انتكاسة قوية".
غيرت النتيجة مسار رئاسة أوباما، وتعطلت قدرته على تمرير مشاريع تشريعية كبرى، وبدأ الاعتماد يتزايد على الأوامر التنفيذية والسلطات التنظيمية للرئيس، خصوصاً في ملفات الهجرة والمناخ والسياسة الخارجية. لكن انقلاب 2010 ترك أثراً أبعد من أوباما، فقد منح الجمهوريين نفوذاً واسعاً في حكومات الولايات ومجالسها التشريعية عشية إعادة رسم الدوائر بعد تعداد السكان، مما أتاح لهم تثبيت مكاسبهم في عدد كبير من الخرائط الانتخابية. كما وفتح الباب أمام صعود جناح جمهوري أكثر صدامية، مهد لاحقاً للتحول الشعبوي داخل الحزب ووصول ترمب.
الاستثناءان... لماذا نجا كلينتون وبوش؟
في عام 1998، كسب حزب كلينتون خمسة مقاعد في مجلس النواب، خلافاً للقاعدة، وكانت البلاد تتمتع باقتصاد قوي وبطالة منخفضة، فيما رأى كثير من الأميركيين أن الجمهوريين تجاوزوا حدودهم في ملاحقة كلينتون تمهيداً لعزله على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي، وعوقب الحزب الذي قاد المواجهة بدل أن يعاقب حزب الرئيس.
وفي عام 2002، كسب الجمهوريون مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ، وجرت الانتخابات بعد عام تقريباً على هجمات الـ11 من سبتمبر، وذلك في ظل ارتفاع شعبية جورج بوش والتفاف الناخبين حول القيادة في زمن الخطر. كانت لحظة استثنائية عطلت منطق المحاسبة التقليدي، وحولت الانتخابات إلى تصويت على الأمن والوحدة الوطنية، لكن انتخابات 2006 أظهرت أن مفعول الاستثناء محدود، فالتفاف ما بعد الهجمات منح بوش نصراً في 2002، إلا أن حرب العراق أعادت وبعد أربع سنوات تشغيل آلية العقاب بأشد صورها.
السيناريو الذي ينقذ الجمهوريين اليوم
يستطيع ترمب اليوم قلب المعادلة إذا نجح قبل الانتخابات في تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة، خفض التصعيد، وإعادة الاستقرار للممرات النفطية، وانتزاع تفاهم يستطيع تقديمه بوصفه خضوعاً إيرانياً لشروطه. ولا يحتاج الأمر إلى اتفاق سلام شامل، ويكفي وقف الهجمات على القوات الأميركية وحلفائها، وضمان الملاحة، وتراجع أسعار النفط، وفتح مسار تفاوضي حول البرنامج النووي والصواريخ والأذرع الإقليمية. عندها يستطيع القول إن القوة الأميركية أجبرت إيران على العودة للطاولة، وإنه أنهى الحرب من موقع المنتصر لا من موقع المنسحب.
وإذا انخفضت أسعار النفط وتحسنت المؤشرات الاقتصادية خلال الأسابيع الأخيرة، فقد يستعيد جزءاً من الناخبين المستقلين والمترددين. فترمب يمتلك قدرة كبيرة على تسويق النتائج، وعلى اختزال حرب معقدة في رسالة بسيطة، أي ضغطنا، وواجهنا، ثم فرضنا الصفقة.
السيناريو الأخطر على ترمب
أما إذا بقيت الحرب مفتوحة حتى نوفمبر، واستمرت أسعار النفط والتضخم مرتفعة، وأضيفت خسائر بشرية أميركية جديدة، فسيصبح من الصعب على الجمهوريين فصل أنفسهم عن الرئيس. وسيتمكن الديمقراطيون عندها من جمع رسالتين في حملة واحدة، ترمب لم يخفض كلفة المعيشة، وأدخل البلاد في حرب جديدة بلا نهاية واضحة.
في المحصلة، تقول التجربة الأميركية إن الانتخابات النصفية لا تحسم عادة بالسؤال، من هو المرشح الأفضل في هذه الدائرة؟ بل بالسؤال الأكبر، ماذا يريد الناخب أن يفعل بالرئيس؟ ولكن العقاب لا يعني بالضرورة نهاية الرئيس، فقد دفع كلينتون إلى الوسط وفاز بولاية ثانية، ودفع أوباما إلى تعديل أدوات حكمه ثم أعيد انتخابه أيضاً. فالناخب الأميركي قد يسحب من الرئيس الكونغرس من دون أن يسحب منه البيت الأبيض، وقد يعاقب البرنامج من دون أن ينهي صاحبه. لهذا لا تمثل الانتخابات النصفية مجرد محطة بين انتخابين رئاسيين، بل هي الآلية التي يستخدمها النظام الأميركي لاستعادة توازنه. إنها اللحظة التي تتحول فيها الحماسة التي أوصلت الرئيس إلى السلطة إلى محاسبة، وتتحول فيها الغالبية من تفويض للحكم إلى اختبار لحدوده.