Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كعب أعلى خلف المنصة الرسمية... هل غيرت السلطة صوتها؟

المتحدث الجيد ليس رجلاً أو امرأة هو شخص عليه أن يمتلك المعلومات قبل الميكروفون

السلطة تبحث دائماً عمن يتحدث أفضل بما يخدمه، على رغم بعض المحاولات لإظهارها تعاطفاً مع المرأة (اندبندنت عربية)

ملخص

لا يملك ميكروفون السلطة جنساً، لكن المجتمع كثيراً ما يمنحه معايير جندرية حين تمسك به امرأة. والنساء والرجال لا يختلفون جوهرياً في القدرة على الكلام باسم السلطة، وإن ظهرت فروق محدودة في بعض مهارات التواصل والقيادة.

زي رسمي ألبسته السلطة لصوتها زمناً طويلاً، بدلة رجالية داكنة بربطة عنق أنيقة، ورجل مصقول العبارات يقف خلف الميكروفون ليبيع موقفها لزبائنها الإجباريين من المواطنين والصحافيين، لكن الرداء النسائي وجد طريقه أخيراً إلى المنصة، وصار للصوت الرسمي كعب أعلى ونبرة أكثر نعومة، لكن البضاعة بقيت هي نفسها، وبقي السؤال إن كان تغيير جندر البائع قد يغير شيئاً في طريقة بيع السلطة لنفسها.

من الهمس في أذن الحاكم إلى الكلام في الميكروفون باسمه، احتاجت السلطة إلى قرون طويلة لتسمح للمرأة بهذا الانتقال، كانت المرأة في الظل، قريبة بما يكفي لتؤثر، وبعيدة بما يكفي كي لا تظهر في الصورة الرسمية، وهذا السيناريو كان مرضياً ومريحاً جداً للرجل.

وتنقلت صور حضور المرأة حول السلطة بين النفوذ الشخصي والأدوار الدينية والبلاط والقرابة السياسية، قبل أن تفتح الدولة الحديثة أمامها مواقع مؤسسية في الاستشارة والوزارة والاتصال الرسمي، لتصل أخيراً إلى المنصة التي يقف خلفها شخص مسؤول يشرح للناس لماذا اتخذت الحكومة قراراً ما، أو لماذا لم يحدث ما وعدت به، أو لماذا عليهم ربما ألا يصدقوا تماماً ما رأوه بأعينهم.

من يحسن الكلام باسم السلطة أكثر الرجل أم المرأة؟

سؤال يطرح اليوم على منصة يعود شكلها المؤسسي في البيت الأبيض إلى عام 1929، حين أنشأ هربرت هوفر منصب السكرتير الصحافي رسمياً، قبل أن يسهم الصحافي والمسؤول الحكومي ستيفن إيرلي في عهد الرئيس السابق فرانكلين روزفلت في بلورة الدور الحديث للمنصب عام 1933.

أما حديثاً فقد أعلنت قبل أسابيع كارولين ليفيت، أصغر من تولى منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض في تاريخ الولايات المتحدة، مغادرتها المنصب لتتفرغ لطفلتيها. غادرت وهي في الـ29 من عمرها، بعدما دخلت التاريخ من بابه العريض، ووصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها واحدة من أكثر مساعديه ثقة، خرجت بابتسامة واثقة بعد ولادة طفلتها الثانية، مفضلة قضاء وقت أكبر مع طفليها وعائلتها. يخفي هذا المشهد الختامي الهادئ وراءه حسرة ربما، فهل كان رجل في موقعها سيسأل أصلاً إن كان بإمكانه التوفيق بين الأبوة والمنصب؟

قبلها سيدات كثيرات آثرن الانسحاب من موقع القرار لمصلحة العائلة، أو تم الدفع بهن بشكل غير مباشر تحت وطأة الضغوط الاجتماعية والسياسية المزدوجة، فحين أعلنت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن عام 2023 أنها لن تسعى إلى ولاية جديدة، قالت إنها لم تعد تملك "ما يكفي في الخزان" لتؤدي المهمة كما تستحق، وأشارت إلى تطلعها إلى أن تكون إلى جانب ابنتها عندما تبدأ المدرسة.

وعام 2019 غادرت سارة هاكابي ساندرز موقعها كمتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد دونالد ترمب، معلنة أن أهم وظيفة ستشغلها في حياتها هي أن تكون أماً لأطفالها الثلاثة، وأن الوقت حان للعودة إلى المنزل وقضاء مزيد من الوقت معهم. وغادرت جين ساكي، المنبر نفسه عام 2022 في عهد الرئيس السابق جو بايدن، بعدما وضعت منذ البداية سقفاً زمنياً لبقائها في وظيفة تلتهم اليوم بكامله، وكان وجود طفلين صغيرين جزءاً من حساباتها الشخصية.

من السمع إلى النطق

تطورت وظيفة المرأة في محيط السلطة من سماع أسرار الحاكم إلى مساعدته في صنعها، وأخيراً إلى النطق بها وشرحها للصحافيين والرأي العام، وقد يبدو الأمر ترقية وظيفية أسهم الزمن والظروف في إثباتها، فالمرأة التي تقف اليوم خلف منصة رسمية تبدو أكثر قوة من عشيقة ملك كانت تحرك الخيوط من غرفة خاصة، لقد صار لديها لقب وبطاقة وظيفية وميكروفون وملايين المشاهدين، لكن لديها أيضاً ما لم يكن لدى سابقتها من النساء، كاميرات مسلطة وصحافيون يسألون بصرامة، وجمهور يستطيع أن يعيد المقطع آلاف المرات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ثم أضاف المجتمع للمتحدثة مهمة صغيرة أخرى، قد تكون من باب التسلية أو ربما التحدي لإثبات ذاتها، إذ عليها أن تؤدي كل ذلك من دون أن تكون حادة أكثر من اللازم ولا لينة، ولا غاضبة ولا باردة ولا كثيرة الابتسام ولا جدية بالكامل، وعليها أن تكون قوية بطريقة لطيفة، وحاسمة بشكل غير مخيف، وواثقة من دون غرور، إضافة إلى أن تكون جميلة بما يكفي، لكن ليس إلى درجة تجعل الناس يتحدثون عن جمالها بدلاً من كلامها، في حين كان يكفي للرجل، في معظم الأيام، أن يصل مرتدياً بذلة سوداء وربطة عنق.

هكذا تصبح المقارنة بين الرجال والنساء في الحديث باسم السلطة أكثر تعقيداً من مباراة بين جنسين، فالمتحدث الرسمي هو آخر حلقة ظاهرة في سلسلة طويلة من صناعة القرار والمعلومات والإخفاء والانتقاء والصياغة، وقد يكون ممتازاً في مهنته وسيئاً في خدمة الحقيقة، أو ضعيفاً أمام الصحافة ومخلصاً للوقائع، ويستطيع أن يحمي رئيسه ويخذل الجمهور في الجملة نفسها. ويقدم جوزيف غوبلز المثال التاريخي الأكثر تطرفاً على تعريف المتحدث الناجح، فقد كان وزير الدعاية في ألمانيا النازية واحداً من أشهر مهندسي الاتصال السياسي في القرن الـ20، لكن كفاءة الآلة التي أدارها لم تجعلها أكثر صدقاً.

من وسادة الملك إلى أذن الدولة

قبل الوصول إلى المتحدثة الرسمية، كانت لدى السلطة نسخة أقدم وأكثر إثارة، وهي العشيقة السياسية، لم تكن مدام دو بومبادور في بلاط الملك لويس الـ15 في فرنسا مجرد امرأة محظية تتنقل بين المرايا والفساتين كما اختصرتها المخيلة الشعبية، لقد كانت شخصية ذات نفوذ ثقافي وسياسي ودعمت الفنون والفلاسفة، وحافظت على مكانتها حتى بعد علاقتها بالملك، لأن قربها منحها الوصول إلى أذن صاحب القرار.

سبقتها في فرنسا ديان دو بواتييه، التي نافست بنفوذها على الملك هنري الثاني موقع الملكة كاترين دي ميديشي. ويمكن قراءة هاتين الشخصيتين بطريقة أكثر عمقاً من رواية تختصر المرأة النافذة في إغوائها للرجل، كانت المسألة معرفة مزاج الحاكم، ومن يقرب ومن يبعد، أي بمعنى آخر إدارة اتصال بمفردات العلاقات العامة الحديثة.

ولم يختفِ هذا النموذج مع الملكيات، لقد تغير أثاث الغرفة فقط مع الجمهوريات والدول، ففي عام 1919 في الولايات المتحدة، بعد إصابة الرئيس وودرو ويلسون بجلطة تحكمت زوجته إديث ويلسون إلى حد مهم في ما يصله من ملفات وأشخاص، إلى حد أصبحت فيه الرئيسة السرية تقريباً، إذ يكفي فهم معنى حراسة الباب، إذ من يقرر ما يصل إلى الحاكم يشارك حتماً في تشكيل العالم الذي يراه. وانتقلت المرأة تدريجاً من النفوذ الشخصي إلى أدوار أكثر مؤسسية، وذلك بفضل نضال وتعليم وعمل سياسي مستقل أيضاً، إلى أن تحول شكل النفوذ نفسه من امرأة تؤثر في الكلام قبل أن يقال، إلى امرأة مطالبة بقوله أمام الجميع في تصريح مكتوب أو مرتجل.

الكاهنات الناطقات

وفي أول نص أدبي موقع في التاريخ، لم يكن بطله ملكاً ولا كاتب بلاط، إنما لامرأة اختارها أبوها لتكون صوت الآلهة على الأرض، ففي أور الأكادية (مدينة وحضارة عراقية قديمة ظهرت في جنوب بلاد الرافدين)، في القرن الـ23 قبل الميلاد، ترسل إنخيدوانا ابنة الملك سرجون الأكدي من بلاط أبيها إلى معبد ننا القمري في الجنوب السومري، لتحكم من موقع الكاهنة العليا، وقد أراد لها أبوها أن تكون الجسر الذي يوحد لغتين وشعبين ودينين تحت تاج واحد.

وتكررت هذه الظاهرة في حضارات لا صلة مباشرة بينها، ففي مصر القديمة حملت نساء من العائلة المالكة لقب "زوجة الإله آمون"، هذا اللقب الديني، كان أداة يستخدمها الفرعون نفسه ليثبت سلطته على كهنوت آمون، واتسع هذا الدور حتى غدت حاملته، في العصر المتأخر موازية للفرعون وليست تابعة له.

إلى السلطة قبل الميكروفون

عام 1960 وصلت سيريمافو باندارانايكا أول رئيسة وزراء في العالم إلى رأس الحكومة في سيلان، المعروفة بسريلانكا اليوم، قبل أن تصبح المرأة خلف ميكروفون السلطة مشهداً مألوفاً. ما بدا بأن المرأة تستطيع أن تقود دولة، فيما تبقى دول أخرى تتأمل طويلاً في إمكان تكليف امرأة بشرح ما قرره الرجال! غير أن رئاسة الحكومة شيء، والنطق باسمها شيء آخر، ففي الأولى تملك المرأة نصيباً وافراً من صناعة القرار، وفي الثانية قد يصلها القرار جاهزاً مرفقاً بتعليمات بتجميل عباراته وتجنب الحديث عن آثاره الجانبية.

ومن المحطات الموثقة في انتقال النساء إلى مهمة النطق باسم السلطة، أسماء لسيدات حول العالم من جورجينا دوفوا الناطقة باسم الحكومة الفرنسية عام 1984، إلى لي جينهوا على منبر الخارجية الصينية عام 1987، وعام 1993، دخلت دي دي مايرز التاريخ بوصفها أول امرأة تتولى منصب المتحدثة الصحافية باسم البيت الأبيض، وفي الهند أصبحت نيروباما راو أول ناطقة باسم وزارة الخارجية عام 2001، وتولت خليدة تومي النطق باسم الحكومة الجزائرية عام 2002، إلى جانب حقيبة الثقافة والاتصال. وعلى مراحل متفاوتة أخذ الميكروفون الرسمي يفقد احتكاره الذكوري وينقل صوتاً أنثوياً.

المنصة التي تحجب المعلومات والضوء

في أميركا تبلور منصب السكرتير الصحافي للبيت الأبيض عام 1929، لكن الرئاسة الأميركية انتظرت حتى عام 1993 كي تقف امرأة للمرة الأولى في الموقع رسمياً، فكانت دي دي مايرز، في إدارة الرئيس بيل كلينتون، لقد احتاجت الرئاسة الأميركية إلى أكثر من ستة عقود من المؤتمرات والحروب والفضائح، من الكساد الكبير وصولاً إلى ووترغيت، قبل أن تقتنع بأن النساء يستطعن الإجابة عن سؤال صحافي.

لكن المشكلة في وصول مايرز إلى المنصة تجلت في مقدار وصولها إلى المعلومات، فقد تحدثت لاحقاً عن صعوبات واجهتها في الحصول على المعلومات والدعم الضروريين لأداء المهمة، في صورة ستكرر لاحقاً وكأن الأيدي الذكورية الخفية تحاول وضع العراقيل لتثبت عدم جدارة المرأة في هذه المهمة، فتعين لتكون وجه المؤسسة، ثم تمنع من الدخول إلى رأسها.

بعدها أصبح حضور النساء في المنصب أقل استثنائية، وتعاقبت في البيت الأبيض أسماء مثل سارة ساندرز وستيفاني غريشام وكايلي ماكيناني وجين ساكي وكارين جان بيار، وصولاً إلى كارولين ليفيت. هذا التقدم في التمثيل أعطى للمرأة حق الوصول إلى المنصب من دون أن يقرر مدى النجاح فيه أو الفشل وفق المعايير نفسها.

وفي سابقة لا تقل دلالة، تولت اللبنانية - البريطانية فرح دخل الله في مارس (آذار) 2024 منصب المتحدثة الرسمية باسم حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لتصبح أول شخصية من أصول عربية تتولى هذا الموقع منذ إنشاء الجهاز الإعلامي للحلف، لكنها لم تكن أول امرأة تقف خلف ميكروفون "الناتو"، فقد سبقتها أوانا لونغيسكو، لكنها كسرت سقفاً مختلفاً بأن يحمل الصوت الرسمي لأكبر تحالف عسكري غربي اسماً وجذوراً عربية، من دون أن يرافق تعيينها ربع الاهتمام الذي رافق أي متحدثة أميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

النساء يكتبن الرسالة والرجال يقرأون

تشكل النساء بحسب مكتب إحصاءات العمل الأميركي أكثر من 60 في المئة من متخصصي العلاقات العامة، وتصل النسبة في بعض المسوح إلى ثلاثة أرباع العاملين في الحقل، لكن الصعود إلى القمة يسلك مساراً معاكساً، فلقد وجد مسح "المرأة العالمية في العلاقات العامة" أن نحو 78 في المئة من الرؤساء التنفيذيين في أكبر 30 وكالة علاقات عامة في العالم هم رجال، على رغم أن النساء يشكلن ثلثي القوى العاملة في القطاع نفسه.

فالنساء موجودات بكثافة حيث تصنع الرسالة، يكتبن البيانات ويحضرن الأسئلة المتوقعة كما يدربن المسؤول، وهو مشهد مألوف في المؤسسات، حيث تعمل عشرات النساء لساعات على المؤتمر، ثم يصل المسؤول قبل 10 دقائق ويسأل ماذا سيقول، فيعطينه الأوراق ويظهر على الشاشة بوصفه الرجل الذي أدار الأزمة، وهكذا فإن التأنيث العددي للمهنة لم ينعكس تأنيث السلطة داخلها، والنساء يملأن قاعدة الهرم الذي يصاب فجأة بالذكورة كلما اقتربنا من قمته.

وبلمحة سريعة سنجد رجالاً سرقوا تعب زميلاتهم وزوجاتهم ونسبوا الاختراعات والاكتشافات والأدب لأسمائهم، ماحين اسم المرأة، بحجة أن المجتمع لا يأخذها بالجدية الكافية لتكون في المقدمة، فكان الحل العبقري أن تؤخذ أعمالها بجدية شرط أن يحذف اسمها عنها، وهكذا نشر هنري غوتييه المعروف بـ"ويلي" في فرنسا عام 1900 روايات زوجته كوليت باسمه ردحاً من الزمن، وباع والتر كين لوحات زوجته مارغريت بوصفه صاحب الموهبة وبنى شهرته حتى وصل النزاع إلى المحكمة عام 1986، وحاز جوشوا ليدربرغ جائزة نوبل عام 1958 وبقي الاعتراف بمساهمة زوجته عالمة الوراثة إستر أقل بكثير من استحقاقها، في مشهد لرجال حصدوا النصيب الأكبر من المجد عن إنجازات لم يصنعوها وحدهم.

النساء أفضل في التواصل؟

في الواقع لا توجد أدلة علمية تقول إن النساء أفضل من الرجال في الحديث باسم السلطة، كذلك لا توجد أدلة تثبت العكس، لكن توجد فروق متوسطة صغيرة تستحق النظر من دون تحويلها إلى أساطير جندرية، فقد وجد تحليل إحصائي نشر 2025، وشمل 1011 دراسة وما يزيد على 837 ألف مشارك، تفوقاً متوسطاً صغيراً للإناث في قراءة إشارات الانفعال من الوجه والجسد والصوت، مما يعني أن ليس كل امرأة تقرأ مشاعر الآخرين أفضل من كل رجل، ولا أن هذه القدرة تجعلها تلقائياً متحدثة أفضل، فالتداخل بين الجنسين كبير والفروق الفردية هي الأهم.

لكن تبقى قراءة الانفعال مفيدة في الاتصال، فالسؤال الغاضب قد يخفي خوفاً، والمتحدث الذي يفهم الحاجة خلف السؤال يملك فرصة أفضل لتقديم جواب مناسب.

القيادة بين الهرمون والغضب

تزداد الصورة تعقيداً عند أبحاث القيادة نفسها، ففي تحليل لنتائج دراسات أشرفت عليه الباحثة أليس إيغلي حول فاعلية القيادة، لم يظهر تفوق عام لجنس على آخر، وسجلت النساء في بعض التقييمات نتائج أفضل، بينما كان الرجال أكثر ميلاً إلى تقييم قيادتهم الذاتية بصورة أعلى، أي إن للرجال موهبة إضافية إذا صح القول، الثقة بنتيجة الاختبار قبل تصحيحه، لكن الأهم أن الكفاءة القيادية لا تختصر بالجنس، فالمتحدث الجيد يحتاج إلى معرفة وسرعة بديهة وضبط انفعالي وإصغاء، وقبل كل شيء حق الوصول إلى معلومات صحيحة.

لكن النساء لا يدخلن هذا الاختبار بالشروط نفسها، إذ تشرح "نظرية توافق الأدوار"، المرتبطة بإيغلي وستيفن كاراو عام 2002، التوتر بين صفات القائد المتوقعة، أي الحزم والسيطرة، وصفات المرأة المتوقعة اجتماعياً، أي الدفء واللطف، فتدخل المتحدثة مأزقاً سمته دراسة مؤسسة "كاتاليست" عام 2007 بـ"المأزق المزدوج"، فإن كانت لينة قيل إنها ضعيفة، وإن كانت حازمة قيل إنها عدوانية، وحتى الغضب لا يحصل على المعاملة نفسها، فقد أظهرت تجارب في علم النفس الاجتماعي أن المرأة الغاضبة قد تتعرض لعقوبة أكبر في تقييم مكانتها من الرجل الغاضب، لأن غضب الرجل يفسر بالظروف، في حين ينسب غضب المرأة إلى شخصيتها وهرموناتها.

هذا الإجحاف يجعل المتحدثة تؤدي مهمتين في آن، إدارة الأزمة وإدارة نظرة الجمهور إليها وهي تديرها.

المتحدثة تبتلع رسالتها

أثناء تحضيري لرسالة الدكتوراه عن الحرب النفسية بين "حزب الله" وإسرائيل، لفتتني خلال فترة تولي العميد ميري ريغيف منصب الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي بين عامي 2005 و2007 النظرة الذكورية للناطقة من المجتمع الإسرائيلي، وقد عبرت ريغيف في عدد من التصاريح والمقابلات التي جمعتها على لسانها "إنني لم أولد أمام الكاميرا، وأنه من الصعب على البعض حتى داخل المؤسسة العسكرية تقبل وجود امرأة في منصب أمني... وإن جانباً من النقد ما كان ليوجه تجاه رجل لو تصرف مثلي تماماً".

ومما لا شك فيه أن الدعاية لا تتحول أكثر أخلاقية لأن امرأة تقولها، كما لا يصبح التضليل أكثر صدقاً لأن رجلاً يقوله بصوت جهوري، واليوم مع تسلم الرائد إيلا واوية المنصب نفسه للجمهور العربي خلفاً لأفيخاي أدرعي، يتكرر الاختبار في سياق أكثر تعقيداً، إذ تواجه امرأة جمهوراً لا يثق أصلاً بالمؤسسة، بصرف النظر عن جنسها أيضاً.

والرجال يخطئون أيضاً!

يخطئ الرجال الناطقون باسم السلطة وأحياناً أمام الكاميرا وبثقة تكفي لتغطية الخطأ نفسه. من محمد سعيد الصحاف الذي كان ينفي تقدم القوات الأميركية فيما كانت بغداد تسقط خلف خطابه، إلى آري فلايشر الذي دافع عن يقين إدارة جورج بوش الابن بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق، وروبرت غيبس الذي اعتذر باسم إدارة باراك أوباما بعد التسرع في قضية شيرلي شيرود (موظفة في وزارة الزراعة تمت إقالتها بسبب تصريحات مجتزأة على شريط مصور) وصولاً إلى شون سبايسر ومعركته الشهيرة مع الصحافة حول حجم حشود تنصيب ترمب عقب تنصيبه عام 2017، لكن أحداً لم يستدع الجندر حينها إلى غرفة الإحاطة ليبحث في أهلية الرجال للنطق باسم السلطة، فحين يخطئ الرجل، يسجل الخطأ غالباً باسمه، وحين تخطئ المرأة يسهل أن يستدعى جنسها شاهداً إضافياً في القضية.

قوة "لا أعرف"

على الطرف الآخر، تقدم جين ساكي نموذجاً مختلفاً، فقد عرفت باستعدادها منذ عام 2021 للقول إنها لا تملك الإجابة ثم العودة إليها لاحقاً، ولم تكن الأولى في ذلك، فلقد فعلها قبلها روبرت غيبس، المتحدث باسم أوباما، الذي كان يجيب أحياناً ببساطة بـ"لا أعرف" ثم يعد بالتحقق، وكذلك آري فلايشر في عهد جورج بوش الابن.

تبدو هذه مهارة بديهية، لكنها نادرة في السياسة، إذ يصاب بعض المسؤولين بحساسية مزمنة تجاه جملة "لا أعرف"، وكأن المعرفة الشاملة مدرجة في الوصف الوظيفي. على رغم أن الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً إذا تبعته متابعة فعلية، والادعاء بمعرفة كل شيء أقصر طريق إلى قول شيء غير صحيح، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول عبارة "سأعود إليكم" من وعد بالتحقق إلى مقبرة رسمية للأسئلة غير المرغوب فيها، وهذه طريقة قد ينتهجها بعض المتحدثين. 

وفي السياق العربي تقدم حنان عشراوي نموذجاً مختلفاً تماماً، فلقد برزت متحدثة باسم الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر مدريد عام 1991، آتية من خلفية أكاديمية وحقوقية واضحة، وقوة حضورها لم تكن في طلاقتها اللغوية فحسب، فلقد تميزت ببنية فكرية تشرح القضية لجمهور لا يشاركها مقدماتها السياسية ولا خلفياتها العقائدية، وهي مثال أن المتحدث الأفضل هو من يفهم القضية بما يكفي ليخرج من النص ويعرف كيف يعود، وليس من يحفظ ما أرسله المستشار أو فريق العلاقات العامة، واللافت أن عشراوي استقالت لاحقاً من موقع وزاري احتجاجاً على مسائل إصلاحية، وهي نقطة تحسب في تقييم أي متحدث، وتدل إن كان مجرد موظف أو يملك قراره الخاص.

نبرة الصوت

تدخل نبرة الصوت نفسها في لعبة المتحدثين باسم السلطة، وتشير دراسة نشرت عام 2012 إلى أن الأصوات المنخفضة تربط لدى الرجال والنساء على حد سواء بالقيادة والسلطة، وهي نتيجة لافتة لأنها تكشف عن أن الجمهور يبدأ تقييم المتحدث قبل أن يسمع مضمون الجملة، لكن يجب الحذر من القفز إلى وصفة ساذجة كقول صاحبات الصوت المنخفض قائدات أفضل، فالعلم هنا لا يزال متجادلاً، والصوت لا يصنع الحقيقة مهما علا أو انخفض، ولغة الجسد ليست جهازاً دقيقاً لكشف الكذب، إذ يمكن لمدرب أن يقول كلاماً مضللاً بثقة مذهلة، ويمكن لصادق أن يتلعثم لأنه خائف أو حريص على اختيار كلماته، وحين نخلط الثقة بالصدقية، يربح الممثل القادر على التحكم بانفعالاته ولغة جسده.

كذلك فإن القول إن النساء أفضل في التواصل لأنهن أكثر حناناً و"أمومة" هو كلام يبدو مديحاً ولكنه مضلل، فالمرأة ليست مطالبة بأداء دور الأم كي تكون قائدة جيدة، والمتحدثة الرسمية ليست أم الصحافيين، وليس عليها توزيع حنان حكومي في مؤتمر صحافي.

ويبقى أن التعاطف المهني استجابة لمخاوف الناس بالمعلومات والإجراءات هو واحد من عدة العمل.

الميكروفون لا يملك جنساً

من غرف فرساي الفرنسية إلى غرف الإحاطة الحديثة حول العالم لا تمنحنا الأدلة سبباً مقنعاً لإعلان فوز جنس على آخر في بطولة الكلام باسم السلطة، قد توجد فروق متوسطة في بعض المهارات، وتحيزات اجتماعية حقيقية في تقييم القيادة والغضب والصوت، لكن الكفاءة التواصلية تظل فردية بدرجة كبيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن النساء اضطررن طويلاً إلى إثبات أنهن يستطعن التحدث أصلاً، ثم اكتشفن عند وصولهن إلى المنصة أن الاختبار يحمل أسئلة إضافية لم تكن في نسخة زملائهن الرجال، ومع ذلك من الخطأ تحويل وجود كل امرأة خلف الميكروفون إلى انتصار نسوي يستحق التصفيق، فالمرأة تستطيع أن تكون متحدثة ممتازة أو رديئة أو صادقة أو مضللة كالرجل.

أما السلطة فمعيارها مختلف تماماً، فهي تبحث دائماً عمن يتحدث أفضل بما يخدمه، على رغم بعض المحاولات لإظهارها تعاطفاً مع المرأة أو تقدماً باتجاه وجود النساء في واجهتها الإعلامية.

وبالخلاصة، فإن المتحدث الجيد ليس رجلاً أو امرأة، هو شخص عليه أن يمتلك المعلومات قبل الميكروفون، ويجيب عن السؤال بدل استعراض مهارته في الهرب منه، ويميز بين ما يعرفه وما يجهله، ويصحح الخطأ بوضوح، ويملك داخل مؤسسته مساحة ليقول لصاحب القرار إن الجملة التي يريدها على التلفزيون غير صحيحة أو غير مقنعة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات