ملخص
التمييز بين كاميل سان - سانس (1835 ـ 1921) بوصفه أحد الممهدين في "مقدماته" للحداثة الموسيقية الفرنسية، وكلود ديبوسي (1863 - 1918) الذي سيحول بعض تلك "المقدمات" إلى لغة جديدة ستعرف لاحقاً، وبقدر من التبسيط، باسم "الانطباعية الموسيقية"، لتكون وحدها مرتبطة بذلك التصنيف بعيداً من التعميمات
يحدث كثيراً، وأحياناً حتى لأعتى المتخصصين والعارفين، أن يعتقدوا وهم يصغون لعمل موسيقي فرنسي مثل "البحر" أو "كرنفال الحيوان" أو "بعد ظهر حيوان" أو أي عمل من هذا النوع الموسيقي المميز، أن تختلط عليه الأمور، فيعتقد نفسه إزاء عمل لكاميل سان سانس، بينما العمل لكلود ديبوسي والعكس بالعكس، وتزداد حدة هذا الواقع إن كان المستمع متأثراً بالتصنيفات الأكاديمية غير منصرف إلى الاستماع على سجيته.
لكن المستمع الحر، هاوي الموسيقى المتجرد من أية معرفة أكاديمية عميقة، قد يكون في الحقيقة أكثر قدرة على التمييز بين عالمين من الإبداع الموسيقي غالباً ما يجمعان معاً من قبل الباحثين والمؤرخين تحت عنوان واحد ينم عن أن المبدعين "انطباعيان" ولو بصورة أو بأخرى.
ونعني به التمييز بين كاميل سان - سانس (1835 ـ 1921) بوصفه أحد الممهدين في "مقدماته" للحداثة الموسيقية الفرنسية، وكلود ديبوسي (1863 - 1918) الذي سيحول بعض تلك "المقدمات" إلى لغة جديدة ستعرف لاحقاً، وبقدر من التبسيط، باسم "الانطباعية الموسيقية"، لتكون وحدها مرتبطة بذلك التصنيف بعيداً من التعميمات.
والواقع أن التقارب الزمني بين مرحلة نشاط هذين الموسيقيين الكبيرين، والتشابه في ظروف إنتاج كل منهما لموسيقاه، ناهيك باهتمامهما معاً، وغالباً على غير اتفاق، بما سيعتبر إحياء للموسيقى "الجديدة" الفرنسية، كنقيض للموسيقى التي كانت تصل فرنسا آتية من ألمانيا، وبخاصة ألحان فاغنر ذات الطغيان والكثافة، ولكن كذلك من إيطاليا متجسدة في الأعمال الأوبرالية لفيردي التي كانت تعتبر النقيض الكبير للموسيقى الأوبرالية الفاغنرية، كان يزيد في حدة الرغبة الفرنسية في خلق موسيقى تتحدى المصدرين المجاورين معاً، وتخلق لفرنسا موسيقاها بعيداً من محاكاة فاغنر من جهة (شارل غونو في "فاوست" خاصة)، أو السير على خطى فيردي (رافيل أو حتى برليوز هذه المرة).
كان المطلوب خلق موسيقى فرنسية خالصة، ومن هنا كان الدخول المزدوج والمتزامن لسان سانس وديبوسي، و... الخلط، التصنيفي في الأقل، بينهما.
المساعي الفرنسية
ففي فرنسا، إذاً، خلال العقود الأخيرة من القرن الـ19، كانت الموسيقى تعيش لحظة انتقال حاسمة. وبخاصة كما أشرنا تحت ربقة، ذلك الظل الذي يتأتى عن الإرث الرومانسي الألماني، وخصوصاً فاغنر، الذي كان قد بات شديد الحضور في الساحة الإبداعية الفرنسية - وربما تحت تأثير بودلير الذي كان من غلاة المعجبين به - وهكذا، من جهة ما، راحت الموسيقى الفرنسية تبحث عن لغة أكثر خفة ووضوحاً، تتحرر من ثقل البناء الدرامي ومن مركزية التطور اللحني كما رسختهما السيمفونيات الألمانية والميلوديات الإيطالية.
وفي هذا المناخ يظهر كاميل سان - سانس ثم كلود ديبوسي، لينصهر حضورهما معاً حتى وإن كان ثمة بينهما مسافة جمالية وفكرية كبيرة. وفي هذا السياق يمكن التوقف أولاً عند سان - سانس، الذي كان، على رغم انتمائه الواضح إلى التقليد الرومانسي، واحداً من أهم المجددين الفرنسيين. فهو لم يكن، وفي الأقل بحسب الدارسين الأكثر نباهة لأعماله الموسيقية، "انطباعياً" بالمعنى الذي ستأخذه الكلمة مع ديبوسي، بل كان أقرب إلى الوسيط بين التقليد والحداثة. وتكشف أعمال له مثل "الرقصة المقابرية" والكونشرتو الخامس للبيانو، وخصوصاً السيمفونية الثالثة، عن اهتمام شديد باللون الأوركسترالي، وبالتنويع في النسيج الصوتي، وبإدخال عناصر غير مألوفة إلى الكتابة الموسيقية، إذ في السيمفونية الثالثة مثلاً، يؤدي الأورغ دوراً يمنح النهاية اتساعاً صوتياً يكاد يخرج بالموسيقى من النموذج السيمفوني التقليدي.
انطباعات ديبوسي
الأهم في هذا كله، هو أن سان - سانس سيعتبر أول من أسهم في إعادة الاعتبار إلى الخصوصية الفرنسية في الموسيقى، في مواجهة الهيمنة الثقافية الألمانية، لكنه ظل يؤمن بالوضوح الشكلي، وبالتوازن، وبالانضباط التقني، ولذلك فإن موسيقاه، وبحسب دارسيها، مهما بلغت جرأتها أحياناً، لا تتخلى عن هيكلها الكلاسيكي.
أما مع ديبوسي فيتغير الأمر جذرياً، فالموسيقى لديه، لم تعد بالضرورة تريد أن "تقول" شيئاً أو أن تطور فكرة موسيقية وفق منطق درامي متصاعد، بات يمكنها أن تلتقط حالة، أو ضوءاً، أو حركة ماء، أو انطباعاً عابراً، وهذا هو المعنى الذي جعل النقاد يربطونها بالانطباعية في الرسم، وخصوصاً بالرغبة في الإمساك باللحظة الحسية قبل أن تتحول إلى صورة محددة.
في "بعد ظهر حيواني"، ثم بصورة أكثر وضوحاً في "ليليات" كما في رائعته "البحر"، تصبح الأوركسترا نفسها أشبه بلوحة رسم تتبدل ألوانها باستمرار. لا يعود اللحن دائماً مركز العمل، كما لا يعود التوتر الهارموني مطالباً بالوصول إلى حلول واضحة. عنده، تستعمل الموسيقى السلالم الكاملة والخماسية، والتآلفات المتوازية، والتلوينات الهارمونية غير التقليدية، فتخلق إحساساً بأن الأصوات لا تتقدم نحو غاية محددة بقدر ما تتجاور وتتبدل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مفارقة جميلة
وهنا تكمن المفارقة الجميلة بحسب الدارسين الذين يمكن تلخيص آرائهم في أن "سان - سانس مهد للحداثة من داخل النظام، بينما ديبوسي دفع الحداثة إلى إعادة النظر في النظام نفسه"... "الأول وسع إمكانات اللون الأوركسترالي من دون أن يهدم البناء التقليدي، أما الثاني فجعل اللون والنبرة والفضاء الصوتي عناصر بنائية قائمة بذاتها".
ولذلك فإن وصف ديبوسي بـ"الانطباعي" يظل مفيداً لكنه ليس كاملاً، فقد كان هو نفسه يتحفظ على المصطلح، ومع ذلك يصعب إنكار أن موسيقاه، في نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، حققت في الصوت ما كان الرسامون الانطباعيون قد حققوه في الضوء: تحرير العمل الفني من ضرورة نقل الواقع كما هو، وتحويله إلى تجربة إدراكية تتغير بتغير اللحظة. ومن المؤكد أن هذه الوضعية المزدوجة التي تجد الدراسات المتعلقة بسان سانس من ناحية، وبديبوسي من ناحية ثانية، نفسها غارقة فيها وبالتحديد في التصنيفات الأكاديمية المتعلقة بها، تطرح علينا من جديد قضية شائكة تتعلق بتلك التصنيفات، المدعوة عادة "أكاديمية"، التي تفترض بصورة مسبقة توصيفات وقواعد محددة للتمكن من "فهم" أعمال إبداعية بصرف النظر عن واقع أن الفنان، حين يكون منهمكاً في إبداع تلك الأعمال، يندر له أن يتوقف طويلاً عند مسألة التصنيفات ليبني إبداعه انطلاقاً منها، بل إن في الأمر تناقضاً لم يحل أبداً، بين الحرية التي يتوخاها المبدع لنفسه ولإبداعه، وبين القيود التي يفرضها عليه، وليس على الدوام لاحقاً، بل مسبقاً أحياناً، تطلع أكاديمي يجد عليه لزاماً أن يلجأ إلى التصنيفات لسهولتها اختصاراً للوقت والجهد.
ويقيناً أن نموذج سان سانس ـ ديبوسي المزدوج في هذا السياق يصلح للتعبير عن تلك المفارقة بأفضل ما يكون بخاصة أن التصنيفات الأكاديمية تجعل الخلط واضحاً و"لا - فنياً" بين أعمال هذا وذاك.