Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترقب حذر على حدود السودان الشرقية واضطراب حاد في الأسواق

الجيش يواصل التصدي لمحاولات توغل قوات "الدعم السريع" في محور النيل الأزرق

طفل سوداني يتوجه إلى خيمة خصصتها "اليونيسيف" لتكون مدرسة موقتة في جنوب بورتسودان (أ ف ب)

ملخص

قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمس الأربعاء، إن "الوضع الإنساني في السودان وخيم، ومعاناة السودانيين لا تُحتمل".

وأشار غوتيريش في مؤتمر صحافي قبيل افتتاح الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يجتمع قادة العالم لبحث الأزمات والقضايا الاقتصادية والعلاقات الدولية، إلى أن السودانيين أنفسهم يتحملون المسؤولية، لأنهم منقسمون ويتقاتلون في ما بينهم.

يشهد الوضع العملياتي في جبهات القتال في السودان تطورات ميدانية لافتة تمثلت في اشتباكات داخلية وأهلية عنيفة بمناطق التماس والمنافذ التجارية، فضلاً عن حال من الترقب الحذر في الجبهة الشرقية المتاخمة للحدود مع إثيوبيا، مع استمرار التوتر والقصف الجوي في كردفان ودارفور. مقابل تفاقم غير مسبوق في الأزمة المعيشية بسبب تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ومأساة إنسانية بلغت مستويات غير محتملة بحسب التوصيفات الأممية الأخيرة.

تصعيد مستمر

في محور النيل الأزرق، يشهد الإقليم منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الجاري، تصعيداً عسكرياً برياً وجوياً محتدماً، إذ يواصل الجيش تعزيز مواقعه والتصدي لمحاولات توغل قوات "الدعم السريع"، في وقت شهدت فيه مدينة الدمازين عاصمة الإقليم والمناطق المحيطة بها، مثل منطقة بلنق، سلسلة هجمات مكثفة بطائرات مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم"، بينما نجحت دفاعات الجيش الجوية في إسقاط عدد منها، وسط تأكيدات من قيادة الفرقة الرابعة مشاة، بأن الوضع داخل المدينة تحت السيطرة مع استمرار تعزيز حماية المرافق الحيوية.

وبحسب مراقبين عسكريين، فإن المواجهات البرية العنيفة تتركز في محاور القتال المتقدمة بمنطقتي الكرمك وقيسان المتاخمتيان للحدود مع إثيوبيا، التي تشهد توتراً وترقباً لمعارك فاصلة، إضافة إلى السيطرة التي فرضها الجيش أخيراً على منطقة "جبل كدم" الاستراتيجية لقطع خطوط تقدم القوات المهاجمة.

ودفع الجيش و"القوات المشتركة" التابعة للحركات المسلحة، بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى جبهات القتال بالإقليم، تنفيذاً لتوجيهات هيئة الأركان بتحريك القوات من دون توقف لـ"تطهير جيوب التمرد وتأمين الحدود". في المقابل ألقى هذا التصعيد بظلاله على الحالة الإنسانية هناك، إذ تشير تقارير منظمة الهجرة الدولية إلى توسع حركة النزوح الداخلي بالإقليم لتقترب من حاجز 100 ألف نازح منذ مطلع العام، وسط تحديات بالغة في توفير المياه والخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار.

فاجعة واشتباكات

إلى ذلك، شهد إقليم كردفان أمس الأربعاء، أحداثاً ميدانية وأمنية وإنسانية بالغة الخطورة، تصدرتها فاجعة انهيار منجم ذهب نتيجة انهيار آبار عدة متلاصقة خلّفت عشرات القتلى، تزامناً مع اشتباكات مسلحة عنيفة وحال فوضى في المناطق الحدودية.

ووفقاً لمصادر ميدانية، فإن حصيلة ضحايا انهيار منجم الزرع للتعدين الأهلي الواقع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان ارتفعت إلى 82 قتيلاً و50 مصاباً في حصيلة غير نهائية، إذ تمكن الأهالي والمسعفون من انتشال 60 جثة، وجرت عمليات البحث والإنقاذ بصورة بدائية للغاية تحت الأنقاض نظراً إلى ضعف الإمكانات وافتقار الموقع إلى متطلبات السلامة.

في الوقت نفسه، شهد "سوق النعام" الحدودي الواقع بين غرب كردفان وجنوب السودان (منطقة أبيي)، اشتباكات مسلحة عنيفة واقتتالاً أهلياً، إذ اندلعت المواجهات إثر خلاف فردي وتطورت إلى اشتباك بين ثلاث مجموعات من بينها قبيلة المسيرية والنوبة، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص وإصابة العشرات. فيما ساد المنطقة أمس الأربعاء، هدوء حذر بعد تدخل القوة الأمنية التابعة لبعثة الأمم المتحدة "يونيسفا".

في الأثناء، أشارت مصادر ميدانية إلى وقوع اشتباكات في منطقة سوق الحاجز بمحلية القوز التابعة لولاية جنوب كردفان بين مجموعات قتالية تنتمي لـ"الدعم السريع"، بسبب خلافات داخلية حول دراجة نارية منهوبة، مما تسبب في مقتل ستة عناصر.

واتهمت غرفة طوارئ دار حمر قوات "الدعم السريع" بتنفيذ انتهاكات متكررة في حق المدنيين، من بينها مقتل مواطنَين اثنين برصاص مسلحي الأخيرة قرب منطقة أبو عشار التابعة لمحلية النهود بولاية غرب كردفان، تزامناً مع استمرار قطع شبكات الاتصالات لعزل المنطقة، بينما شن الطيران المسير غارة جوية على مدينة الجنينة كبرى مدن ولاية غرب كردفان مما أدى إلى مقتل عدد من عناصر "الدعم السريع".

ويتجه الوضع العام في شمال كردفان إلى الاستقرار نسبياً بعد التقدم الميداني الذي أحرزه الجيش والقوات المساندة له في الأيام الماضية وتأمين مناطق استراتيجية مثل "حمرة الوز" لتوسيع نطاق حماية طريق الصادرات. في حين تعاني ولاية جنوب كردفان تداعيات هجمات "الحركة الشعبية – شمال" المتحالفة مع "الدعم السريع"، وسط ظروف إنسانية معقدة ونزوح مستمر للمواطنين الفارين من مناطق الاشتباكات.

قصف متبادل

أما إقليم دارفور فيشهد حالاً من الاستقطاب العسكري المستمر والمواجهات المتقطعة بين الجيش وحلفائه من "القوات المشتركة" من جهة، و"الدعم السريع" من جهة أخرى، حيث يتركز الصراع العملياتي في الإقليم على القصف المتبادل واستخدام الطائرات المسيرة، وفق تقارير ميدانية.

وتستهدف المسيرات التابعة للجيش، خطوط إمداد الوقود التابعة لـ"الدعم السريع"، والمستجلبة عبر الحدود الغربية، في حين تشهد جبهات دارفور والمناطق المتاخمة لها عمليات قصف مدفعي وجوي متبادل يطاول أهدافاً حيوية. ويعيش فيه الإقليم وضعاً إنسانياً كارثياً، إذ أطلقت "المنسقية العامة للاجئين والنازحين بدارفور" تحذيرات شديدة من خروج أكثر من ثلث المرافق الصحية عن الخدمة تماماً.

ويواجه الإقليم عجزاً حاداً في الأمن الغذائي بعدما خفّض "برنامج الأغذية العالمي" حصصه الغذائية إلى النصف نتيجة نقص التمويل الدولي. وتتزامن هذه الأزمة مع تسجيل الإقليم واحداً من أكثر مواسم الجفاف شدة منذ أربعة عقود، مما أدى إلى تضرر المحاصيل والثروة الحيوانية بشكل بالغ.

وكان مجلس الأمن الدولي تبنى تمديداً موقتاً لعقوبات حظر الأسلحة المفروضة على دارفور وسط تباينات دولية حول مقترحات أميركية لتوسيع الحظر ليشمل كل أنحاء السودان.

شلل الأسواق

وفي تطور لافت، شهدت أسواق العاصمة الخرطوم أمس الأربعاء شللاً تاماً، واضطراباً حاداً في حركة البيع والشراء، في ضوء تراجع غير مسبوق في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، مما أجبر عشرات التجار على إغلاق محالهم موقتاً أو وقف البيع، وسط ارتفاع متسارع في أسعار السلع وشح الوقود.

وعزت مصادر محلية وتجار هذه التطورات إلى التذبذب الحاد في سعر الصرف واتساع الفارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية، إذ سجل سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازية أمس الأربعاء، 8800 جنيه مقارنةً بـ7200 في بداية هذا الأسبوع. بينما يبلغ سعر صرف الدولار نحو 6 آلاف جنيه كأعلى سعر في السوق الرسمية.

وأشار تجار في أسواق الخرطوم إلى أنهم يواجهون صعوبة في إعادة شراء السلع التي يبيعونها، بسبب ارتفاع أسعارها بصورة متسارعة، لافتين إلى أن التقلبات الحادة في أسعار الصرف تسببت بخسائر لهم، لأن حصيلة بيع البضائع في كثير من الأحيان لا تكفي لشراء الكميات نفسها من جديد، فضلاً عن صعوبة الحفاظ على رأس المال في ظل تغير الأسعار بصورة متكررة.

وأوضح التجار أن عدم استقرار السوق وضع التجار أمام صعوبة في تحديد أسعار ثابتة للسلع، بخاصة مع الحاجة إلى إعادة تسعير المخزون بصورة مستمرة وفقاً لكلفة الاستبدال، منتقدين تجاهل الحكومة للتدهور المتسارع في الأسواق، وعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من المضاربات في سوق العملات.

ويرى اقتصاديون أن ارتفاع الأسعار يرتبط بتراجع الإنتاج وارتفاع كلف النقل والاستيراد والرسوم الجمركية، إلى جانب الانخفاض المتواصل في قيمة الجنيه، مشيرين إلى أن الحرب تمثل عاملاً أساساً في الأزمة، مع استمرار اقتصاد الحرب وزيادة الإنفاق العسكري، الذي يجري تمويله جزئياً عبر الرسوم والضرائب وطباعة مزيد من العملة، في وقت يشهد فيه الإنتاج تراجعاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد هؤلاء الاقتصاديون أن هذه التطورات أدت إلى تآكل القوة الشرائية للأجور والمداخيل، موضحين أن الإجراءات الاقتصادية الحالية لن تكون كافية لمعالجة الأزمة ما لم تتوقف الحرب.

وأدى استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع إلى اضطراب قطاعات الإنتاج والنقل والتجارة، وارتفاع كلف التشغيل ونقل السلع، إلى جانب صعوبات حركة البضائع بين الولايات، مما زاد الضغوط على الأسواق.

ومع تراجع الجنيه واتساع الفجوة بين الأسعار والدخول، أصبحت تقلبات سعر الصرف عاملاً مباشراً في تحديد أسعار السلع وكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج.

وضع إنساني وخيم

إنسانياً، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمس الأربعاء، إن "الوضع الإنساني في السودان وخيم، ومعاناة السودانيين لا تُحتمل".

وأشار غوتيريش في مؤتمر صحافي قبيل افتتاح الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يجتمع قادة العالم لبحث الأزمات والقضايا الاقتصادية والعلاقات الدولية، إلى أن السودانيين أنفسهم يتحملون المسؤولية، لأنهم منقسمون ويتقاتلون في ما بينهم.
وذكر أن الصراع في السودان تؤججه دول عدة من الخارج، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة لا تملك أجهزة استخبارات، لكن فريق المتخصصين التابع لمجلس الأمن حلّل هذه المسألة، "والاستنتاجات واضحة"، وزاد "ينبغي أن تكون هناك مساءلة عن هذا النوع من التدخل، عندما تقوم بعض الدول بتزويد أطراف في نزاع بالأسلحة، وتستخدم هذه الأسلحة على نطاق واسع في مهاجمة المدنيين".

وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة أن قوات "الدعم السريع" استخدمت أراضي إثيوبيا وتشاد وشرق ليبيا وأفريقيا الوسطى طرقاً للإمداد، وتعاملت كينيا سياسياً وبشكل علني مع "الدعم السريع".

ولفت إلى أن هذه الأبعاد الإقليمية والدولية أسهمت في تعزيز قدرة الجماعات المسلحة على الصمود، ومقاومة الوساطات الخارجية، والتمسك بالحسم العسكري، مما أدى إلى تصاعد حدة النزاع وإطالة أمده على حساب المدنيين.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات