Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سر تناقض سياسة إيران: توزيع أدوار أم انقسام؟

كيف يستغل الحرس الثوري والمرشد صورة الصراع الداخلي لتضليل واشنطن والغرب؟

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (أ ف ب)

ملخص

تفنّد المقالة الترويج الإعلامي الغربي لوجود انقسام وصراع أدوار داخل نظام الحكم الإيراني، أدى إلى إفشال اتفاقات السلام ودبلوماسية الرئيس مسعود بزشكيان، جراء تحركات "مجموعة متشددة مارقة" في مضيق هرمز، مؤكداً أن التناقض في التصريحات والسلوكيات الميدانية تكتيك منظم ومقصود، لتوزيع الأدوار وتضليل واشنطن، ويوضح أن السياسة الخارجية والعسكرية محتكرة بالكامل وفق الدستور، والواقع بيد المرشد علي خامنئي وقادة الحرس الثوري، ومكتب المرشد، وأن المؤسسات الإيرانية تتشارك عقيدة أيديولوجية واحدة تشبه "أوتار آلة التار" أو "رقعة الشطرنج"، إذ تتعدد الحركة والتكتيكات، لكن الهدف الإستراتيجي لحماية النظام وتوسيع نفوذه يظل واحداً وموحداً.

هل لعبت الشطرنج الإيراني؟ هل استمعت إلى آلة التار الفارسية؟ إن كانت الإجابة لا فربما في نهاية المقالة سيكون لديك تصور عنهما، والسؤال هنا: هل تشهد إيران أدوار متصارعة بين دوائر النفوذ وصنع القرار في النظام، ما بعد المرشد علي خامنئي، ومنذ الحرب وحتى الآن؟

في الـ 14 من سبتمبر (أيلول) الجاري، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالة بعنوان "اتفاق السلام الإيراني أُفشل على يد المتشددين"، والفكرة الرئيسة للمقالة ترتكز على تصريحات مسؤولين إيرانيين من داخل النظام، بأن معارضي الاتفاق أحبطوا التفاهم من خلال تحرك سري لمهاجمة السفن في مضيق هرمز، وقد شعر الرئيس الإيراني بالغضب عندما علم بما حدث، وذلك عندما فتحت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال ناقلة غاز طبيعي مسال قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى.

في واقع الأمر، كثيرة هي التحليلات التي حاول بعضهم التأكيد من خلالها أن النظام الإيراني يعانى انقساماً وشق الصف بين صفوفه، واستند كثير إلى كثير من التصريحات المتناقضة التي خرجت عن بعض المسؤولين الإيرانيين، فبينما خرج الرئيس مسعود بزشكيان ليعتذر لدول الخليج العربية في بداية الحرب، من استهداف الصواريخ الإيرانية البنية التحتية لهم، وفي اليوم التالي كانت الصواريخ الإيرانية تقصف دول الخليج، وكذلك حينما أبرمت مذكرة إسلام آباد في يونيو (حزيران) الماضي، بين واشنطن وطهران، ثم بدأت الوفود الإيرانية تتجه نحو قطر من أجل تفاهمات الأموال المجمدة، قصفت إيران ناقلات نفط قطرية كانت تعبر مضيق هرمز، وهنا استند الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ما قال إنه وصل إليه من بعض المسؤولين الإيرانيين، بأن ثمة مجموعة مارقة هي من استهدفت الناقلات.

يمكن القول إن ما يحاول الإعلام الغربي الترويج له، بأن ثمة أدواراً متصارعة بين دوائر ومؤسسات النظام، وتياراته الممسكة بمقاليد الأمور، وأن هناك بعض المتشددين الرفضين للاتفاق، ليس دقيقاً، ففيما يتعلق بحادثة ناقلات النفط بعد مذكرة إسلام آباد، فقد جرى استهدافها عن عمد من قبل "الحرس الثوري"، لأن إيران قررت استهداف أية ناقلات تستعمل المسار الجنوبي بمحاذاة الساحل العُماني، أي بعيد سيطرتها على المرور في المضيق، وهذا يناقض تماماً إستراتيجية إيران التي أُعلنت منذ غلق الملاحة في المضيق، بأنها تريد اعترافاً إقليمياً ودولياً بسيطرتها على الملاحة بمضيق هرمز، وتحصيل رسوم مرور منه، وإلا لماذا لم يُفتح المضيق على رغم مفاوضات إيران وسلطنة عُمان بعد ذلك، مع فصل إيران لمفاوضاتها مع السلطنة عن مفاوضاتها مع واشنطن؟

إذن، لم تكن المجموعة المتشددة المارقة هي أفشلت مذكرة إسلام آباد، والأمر الآخر هو تصوير بزشكيان وكأن له دور في ما يعلق بالسياسة الخارجية، مع أن الدستور الإيراني منذ تأسيس النظام قبل 47 عاماً، يقول إنه ليس لرئيس الدولة أية صلاحية تتعلق بالسياسة الخارجية، وصلاحياته تدور حول كونه رئيس وزراء، واحتكار المرشد الإيراني علي خامنئي، ومعه "الحرس الثوري" وشبكة العلاقات الشخصية المحيطة به، والتي تسمى "مكتب المرشد"، كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية، سواء الملف النووي أو المفاوضات مع واشنطن أو تحديد مسار الحرب والسلم، وهذا المستقر عليه أياً كان شخص الرئيس الإيراني، إصلاحياً أو متشدداً، وفي النهاية فكلمة الفصل للمرشد والدوائر المحيطة به، فكيف الحال اليوم ومن يمسك بمقاليد السلطة السياسية والأمنية والعسكرية ويخوض الحرب هو "الحرس الثوري"، ناهيك عن أن بزشكيان هو أضعف رئيس إيراني مقارنة بأسلافه، ومن ثم فمن الخطأ تصوير أن بزشكيان وعراقجي هما من يقودان مسار الدبلوماسية، والطريق نحو الاتفاق، في حين أن المتشددين هم من يعرقلون المسار.

ولا ننسى وجود قاليباف، وهو أهم قادة الحرس الثوري، وينتمي للتيار المتشدد، وقاد البرلمان لإصدار القانون الإستراتيجي خلال ولاية حسن روحاني الثانية، لإجبارهم على قطع التعاون مع "الوكالة الدولية"، ورفع نسبة تخصيب اليورانيوم 20 في المئة، وهو الآن يتصدر المشهد التفاوضي مع بزشكيان، لأن المرحلة الحالية تقتضي منهم توزيع الأدوار على هذا النحو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وللتذكرة، فقد أصدر البرلمان الإيراني قانوناً متشدداً للحجاب أحبط كثيراً من المواطنين الإيرانيين من حكومة بزشكيان الإصلاحي، الذي امتنعت حكومته من التعقيب على القانون، فهل يُتوقع أن يكون بزشكيان هو من رسم ملامح المسار الدبلوماسي مع ترمب، خلال الحرب التي ينظر إليها النظام على أنها حرب وجود وبقاء؟

ما نؤكده هنا وجرى تأكيده مرات عدة، منذ بداية الحرب، أن التصريحات المتناقضة من قبل مسؤولي النظام الإيراني، والتي يجري تسريبها للإعلام الغربي، وترويجها على نطاق واسع، متعمدة ومنظمة، وليس وليدة مشهد داخلي مرتبك، وأن من أسبابها:

أولاً، توزيع الأدوار ما بين مسؤولي النظام الذين تولوا مناصبهم، وفق مفهوم النخبة المغلقة الدوارة، وهو مشهد اعتاده النظام الإيراني منذ تأسيسه، فقد كان يمارس هذه اللعبة بالتبادل بين التيار "الإصلاحي" و"المتشدد" ضمن المشهد السياسي العام، لكنه الآن يمارسها ما بين متشددين وفوق ثوريين، داخل دائرة صنع القرار الضيقة.

ثانياً، أن آلية صنع القرار في إيران تحدد بصورة أساس دائرة صنع القرار في السياسة الخارجية، وصلاحيات الرئيس المتعلقة فقط بالشؤون الداخلية، واقتصار دوره الخارجي على ما يمنحه له المرشد الإيراني من ضوء أخضر، وفي اللحظة الراهنة فإن الأمر بيد قادة "الحرس الثوري"، وعلى مدى 47 عاماً، أي منذ تأسيس النظام الإيراني الإسلامي، يمكن من خلال تحليل واستعراض الخطابات الإيرانية المختلفة، لشخصيات من نخبة صنع القرار في السياسة الخارجية، سواء تلك التي تصنعه وتؤثر فيه، أو التي تمثله أمام المجتمع الدولي، أن نلاحظ وجود تشابه في مضمون وأهداف السياسة الخارجية الإيرانية، في حين تبرز التباينات على مستوى تبرير تلك السياسة، لكن في النهاية جميعهم يمثلون إدراكاً وتصوراً واحداً لمسار التحرك الإيراني في الإقليم، أي أنه لا تثار في الحال الإيرانية صراعات الدور، أو اختلافات بين وحدات ومؤسسات الدولة، فنجد أن الدولة الإيرانية ككيان يضم عدداً من المؤسسات والكيانات والشخصيات المؤثرة، في عملية صنع القرار، لا تمثل جميعها رؤى متصارعة أو متناقضة في ما بينها، لدور الدولة الإيرانية في المنطقة، وربما يعود التشابه في ما يتعلق بأفكار تلك النخبة إلى طريقة تفاعل النظام السياسي الإيراني، إذ يقوم "مجلس صيانة الدستور" باختيار جميع السياسيين والمسؤولين الإيرانيين، بما في ذلك نخب السياسة الخارجية التي يمثلها أحياناً "التيار الإصلاحي"، كما في عهد الرئيس حسن روحاني، وهو ما يعني أن النخبة الإيرانية تتشارك خلفية أيديولوجية مشابهة جداً، يجري تقييمها وفقاً لأيديولوجيتهم ومدى الالتزام بنظام الجمهورية الإسلامية، وأهداف الثورة الإيرانية، ويؤكد ذلك أن هناك إجماعاً أيديولوجياً حول دور إيران في النظام الدولي، بما يسمح بتجاوز الانقسامات الفصائلية في السياسة الإيرانية، وحتى بافتراض وجود خلافات، فقد حافظ المرشد الأعلى على قدرته على إدارة السياسة الخارجية الإيرانية، وعمل النظام الإيراني على ما يسمى بالصياغة المؤسسية لأفكار ما بعد الثورة، فتحولت أفكار وأيديولوجية الثورة الإيرانية إلى مؤسسات، وهو ما يتضح في تأثير الأفكار والتصورات في السياسة الخارجية.

أخيراً، قد يكون دافع النظام الإيراني من ترويج صورة انشقاقه داخلياً، وتسويقها في وسائل الاعلام الدولية والغربية، وإسنادها إلى مسؤولين إيرانيين على اعتبار أنها إما تسريبات لما يدور داخل نظام يحيط نفسه بهالة من الغموض، فقد يكون هدفه من ذلك الإيحاء لواشنطن بوجود تيار "إصلاحي" معتدل يمكنه التفاوض معها، والوصول إلى اتفاق سلام، وتحسين الوضع الاقتصادي، ومن ثم تنتفي حاجة واشنطن إلى الاستثمار في المعارضة أو بدائل سياسية للنظام الحالي، وأعتقد أن متابعة تصريحات وسلوك المسؤولين الإيرانيين، منذ تأسيس النظام وحتى الآن، تكشف لنا عن أن تعدد الأصوات لا يعني تعدد الإستراتيجيات، ففي إيران قد تختلف الأدوار وتتعارض التكتيكات، لكن المصلحة الإستراتيجية تبقى الرقعة المشتركة التي يتحرك فوقها الجميع، وفي ظل الحرب، حين اختفت أهم وأقوى شخصيات التيارات الإصلاحية والمعتدلة، مثل حسن روحاني وبزشكيان وخاتمي، فلا يمكن تصور أن يكون بزشكيان، طبيب القلب، هو قائد المسار الدبلوماسي الذي يقوض سياساته التي يرسمها قلة مارقة متشددة، لديها القدرة على إطلاق الصواريخ الباليستية أينما وكيفما شاءت.

في الشطرنج الإيراني هناك ملك واحد وقطع عدة وحركات مختلفة، لكن الرقعة واحدة والهدف الإستراتيجي واحد، أما آلة التار فلها أوتار عدة، ويمكن أن تصدر أصواتاً مختلفة في اللحظة نفسها، لكن المستمع يسمع في النهاية مقطوعة واحدة، والنظام الإيراني أشبه بآلة تار سياسية، أوتارها متعددة ونبراتها متباينة، وبعضها حاد وبعضها هادئ، لكن العازف لا يحتاج إلى أن يجعل جميع الأوتار تُصدر الصوت نفسه، كي تنتج اللحن ذاته.

إنه الشطرنج الإيراني أو آلة تار سياسية أو غموض مقصود، اختر ما شئت وستصل إلى النتيجة ذاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء