ملخص
منذ الأيام الأولى لترسيخ الثورة، خاضت النساء الإيرانيات معركة ضد إجبارهن على ارتداء الحجاب وفرض أنماط محددة من اللباس عليهن في المجتمع، وما كانت السلطات تطلق عليه "عدم التحجب" و"سوء التحجب" لم يكن سوى توصيف استُخدم لتأديب النساء بسبب رفضهن الإذعان للإجبار.
لم تكن مهسا أميني سوى فتاة في الـ21 من عمرها عندما فارقت الحياة في الـ16 من سبتمبر (أيلول) عام 2022، لكن موتها تحول إلى نقطة التقت عندها أربعة عقود من صمود النساء الإيرانيات مع انتفاضة تاريخية، هدمت أحد الأعمدة الرئيسة لـ"الثورة الإسلامية"، وهو الحجاب الإجباري.
منذ اليوم الذي خرجت فيه النساء الإيرانيات صفاً واحداً إلى الشوارع احتجاجاً على قرار الخميني فرض الحجاب في إيران في مارس (آذار) عام 1979، وحتى اليوم الذي فقدت فيه مهسا حياتها، كانت أربعة عقود قد مرت من مقاومة النساء وعصيانهن المدني المتواصل.
ومنذ الأيام الأولى لترسيخ الثورة، خاضت النساء الإيرانيات معركة ضد إجبارهن على ارتداء الحجاب وفرض أنماط محددة من اللباس عليهن في المجتمع. وما كانت السلطات تطلق عليه "عدم التحجب" و"سوء التحجب" لم يكن سوى توصيف استخدم لتأديب النساء بسبب رفضهن الإذعان للإجبار، وأصبحت المواجهة مع الآمرين والمراقبين المكلفين فرض قواعد اللباس الإجباري جزءاً من الحياة اليومية للنساء الإيرانيات ومن علاقة السلطة بهن.
في الأعوام الأولى للثورة كانت دوريات الشرطة تجوب الشوارع، ثم ظهرت أجهزة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وصولاً في نهاية المطاف إلى "دوريات الإرشاد"، وجميع النساء والفتيات من جيلي لديهن ذكريات واضحة عن تعرضهن، مرة واحدة في الأقل، لمواجهة أو توقيف على يد هذه الدوريات بمختلف تسمياتها.
كانت بعض النساء ينتهي بهن المطاف في مقر اللجنة في شارع وزراء، وأخريات في سجن "إيفين" أو أمام المحاكم، حيث كان يتعين عليهن تقديم كفالات لإطلاق سراحهن المشروط.
وكلنا، نحن النساء الإيرانيات، رأينا الحافلات والحافلات الصغيرة والسيارات المخصصة لجمع من تعتبرهن السلطات مخالفات لقواعد الحجاب عند التقاطعات والساحات، أو وجدنا أنفسنا يوماً داخل سيارات "باترول" نفسها، وكانت "جريمتنا"، نحن النساء في مختلف أنحاء إيران، متشابهة إلى حد كبير.
فقد كان "سوء التحجب" يعني ظهور شعر الرأس، أو وضع مستحضرات التجميل، أو ارتداء معطف قصير أو ضيق، أو عدم ارتداء الجوارب، أو وضع طلاء الأظافر، أو حتى ارتداء ملابس بألوان تعدها السلطات غير مناسبة.
وكيف لنا أن ننسى أنه خلال ثمانينيات القرن الماضي كانت الشرطيات يحملن في حقائبهن القطن و"الأسيتون" لإزالة طلاء الأظافر، والمناديل الورقية والماء لمسح أحمر الشفاه ومستحضرات تجميل العينين؟
وكيف يمكن أن ننسى الخيام التي كانت تنصب خلف مداخل المدارس، حيث كان مسؤولو الشؤون التربوية يفتشون حقائبنا وأحذيتنا وجيوبنا، نحن الطالبات الصغيرات، بحثاً عن مرآة أو مشط أو قطعة من مستحضرات التجميل أو صورة؟
لكن ثمة أشياء أخرى أيضاً لا يمكن نسيانها.
في مقطع فيديو قصير نشر للحظات التي كانت فيها مهسا أميني تتحدث إلى إحدى عناصر دورية الإرشاد، تظهر المرأة وهي تحرك حجاب مهسا، ويبدو أن مهسا كانت تحاول شرح مدى ملاءمة حجابها، وبعد ثوان تسقط على الأرض إلى جانب أحد مقاعد قاعة الانتظار.
ذلك الحجاب الذي حركته العنصر هو قطعة القماش نفسها التي فرضت بالقوة على رأس المرأة الإيرانية.
بالنسبة إليَّ كامرأة إيرانية أمضت طفولتها ومراهقتها وشبابها تحت وطأة أشكال عدة من الإجبار في ظل نظام عقائدي واستبدادي وأمني، فإن رؤية فتيات شجاعات اليوم يتجولن في الشوارع من دون حجاب أو معطف إلزامي تبدو أمراً يصعب تصديقه، وأقرب إلى الحلم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وضعت مهسا، الشابة الجميلة، الشجاعة والغضب مثل مرآة أمام وجه المجتمع، فدفعت الناس إلى النزول إلى الشوارع مطالبين بالعدالة وحقوقهم.
وردد النساء والرجال الإيرانيون الشعارات جنباً إلى جنب، وكانت الحرية مطلباً مشتركاً بينهم.
وتحول الاحتجاج المدني إلى مواجهات واسعة مع قوات السلطة، وفقد كثر، للأسف، حياتهم خلال الأيام التي باتت تعرف اليوم باسم "ثورة مهسا".
واليوم، بعد أربعة أعوام فقط من تلك الحادثة، فقدت قوات القمع في مدن إيرانية كثيرة القدرة على فرض قانون الحجاب الإجباري ومواجهة النساء من أجل تطبيقه.
وتظهر الصور ومقاطع الفيديو الواردة من إيران نساء وفتيات يتجولن من دون حجاب أو معطف إلزامي.
وهن لا يخرجن من دون حجاب لأن الحكومة أعلنت رسمياً أن ارتداءه أصبح اختيارياً، بل لأن السلطة لم تعد قادرة على مواجهة إرادة الناس بالضرب والاستخدام الواسع للقوة القسرية كما في السابق.
وأكرر أن مشكلات كثيرة لا تزال قائمة، ولا يزال دخول المدارس والجامعات والدوائر الحكومية من دون حجاب غير ممكن، لكن الشوارع والأزقة والأسواق باتت في يد الناس، ولن يكون بعيداً اليوم الذي يستغلون فيه الفرصة المناسبة لاتخاذ خطوات أخرى من أجل اقتلاع جميع أشكال الإجبار من جذورها.
وكان عارف قزويني قد كتب في واحدة من أشهر أغنياته الوطنية خلال الثورة الدستورية:
"من دماء شباب الوطن أزهرت زهور التوليب، يا إلهي، أزهرت زهور التوليب".
ويعرف الإيرانيون جميعاً هذه الأغنية جيداً، ويعرفون جيداً صورة التوليب الذي ينبت من دماء الشباب الأبرياء.
وهي صورة تتجسد اليوم بوضوح في مجتمعنا، إذ نرى النساء والفتيات الجميلات يتجولن في كل شارع وحي كأنهن زهور توليب متفتحة.
لم يتحول موت أو حياة أي امرأة إيرانية أخرى، كما حدث مع مهسا، إلى نقطة انطلاق لتغيير وتحول بهذا الحجم في إيران.
كان موت هذه الفتاة الشابة والبريئة تجسيداً للخوف والكابوس اللذين عاشهما ملايين النساء والرجال الإيرانيين في ظل هذا النظام القمعي.
وما حدث لها أثناء احتجازها لدى دورية الإرشاد كان بالضبط ما كنا جميعاً نخشى أن يحدث لنا أو لأحبائنا.
لكن موت مهسا بدد الخوف، ودفع إيران، بعد انتفاضتين متتاليتين وخلال أربعة أعوام فحسب، إلى نقطة مصيرية لا عودة منها.
سنشهد اليوم الذي يحتفل فيه نساء إيران ورجالها بالحرية والتحرر في موكب النصر، ويسجل الـ16 من سبتمبر (أيلول)، تكريماً للفتاة التي نهضت إيران من أجلها، بوصفه "يوم مهسا" في تقويم الإيرانيين.