ملخص
التطور اللافت خلال الأيام الماضية، يتمثل في محاولة القوات المسلحة اليمنية الانتقال من رد الفعل إلى استعادة زمام المبادرة في أكثر من محور، وفي تعز ظهرت تحركات ميدانية مع تقدم في بعض المواقع، بالتزامن مع استمرار العمليات في الجوف ومأرب.
ما يجري في اليمن لم يعد مجرد جولة جديدة من الاشتباكات، يمكن احتواؤها ضمن الإيقاع المعتاد لحرب طويلة، استنزفت البلاد وأثقلت اليمنيين بكلفتها الإنسانية، ويمكنني القول إن التطورات الأخيرة حتى صباح اليوم الإثنين، تشير إلى انتقال أكثر وضوحاً من حرب منخفضة الوتيرة إلى محاولة لإعادة تشكيل خريطة السيطرة بالقوة، خصوصاً مع اتساع نطاق المواجهات من الساحل الغربي إلى تعز ومأرب والجوف، وتزامن ذلك مع تصعيد إرهابي من قبل الميليشيات الحوثية، ضد أماكن مدنية ومنشآت اقتصادية في السعودية، طاولت دور عبادة أيضاً، في سلوك إرهابي يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، والمبدأ الإسلامي الراسخ في صيانة حرمة المساجد، وفيما أعلنت السعودية إصابة عشرات المدنيين نتيجة الهجمات الأخيرة، دان مجلس التعاون الخليجي الاعتداءات، وأكد دعمه "مجلس القيادة الرئاسي" واستقرار اليمن.
هذا التحول الدراماتيكي في مسرح العمليات لا تنبغي قراءته فقط من زاوية المواقع التي سقطت أو اُستعيدت، وإنما باعتباره اختباراً لقدرة "مجلس القيادة الرئاسي" وقواته المسلحة اليمنية على استعادة المبادرة، وتحويل تعدد الجبهات من مصدر استنزاف إلى عنصر ضغط منظم، فالحروب لا تحسم دائماً بسرعة التقدم الجغرافي، وإنما بقدرة طرف على تحويل الحركة العسكرية إلى مسار طويل الأمد، يغير ميزان القوة ويعيد تعريف شروط الصراع، فهل ينجح "مجلس القيادة الرئاسي" في تحقيق ذلك؟
من هذه الزاوية، تبدو جبهة الساحل الغربي أكثر من مجرد محور عسكري إضافي، فاختراقات الميليشيات الحوثية باتجاه المخا وذو باب ومناطق قريبة من باب المندب، جعلت المضيق في قلب الحسابات الإستراتيجية للحرب، بعدما كان لأعوام عاملاً ثابتاً في خلفية المشهد، ويمكنني القول إن هذه المنطقة تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي، واتصالها بالممرات البحرية الدولية، فضلاً عن ارتباطها بالطرق التي تصل غرب تعز بالجنوب اليمني، ولذلك فإن السيطرة على الأرض المحيطة بها لا تعني مجرد إضافة مساحة جديدة إلى خريطة النفوذ، بل تفتح إمكان استخدام الموقع في الضغط على البر والبحر معاً، وقد أشارت تحليلات ميدانية إلى أن إعادة انتشار القوات المسلحة اليمنية جنوب المخا، وإن جاءت تحت ضغط التطورات، لا تعني بالضرورة انهيار الجبهة، بل يمكن أن تكون محاولة لحماية القوة القتالية، وإعادة تنظيمها قرب مركز الثقل الجديد.
الأهم أن طبيعة هجوم الميليشيات الحوثية نفسه تكشف اتساع وظيفة الساحل في الإستراتيجية العسكرية لهذه الميليشيات، فالمواجهة لم تعد تعتمد على السلاح التقليدي وحده، وإنما تتداخل فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل البحرية، مما يجعل الهدف يتجاوز خطوط التماس البرية إلى محاولة التأثير في البيئة الأمنية للممر البحري، وهذا الأمر في تصوري يعني أن باب المندب لم يعد مجرد جغرافيا يمنية حساسة، بل أصبح جزءاً مهماً من معادلة إقليمية ودولية، تتقاطع فيها مصالح الأمن والملاحة والطاقة، وعليه يصبح التعامل مع الجبهة مسؤولية تتطلب دقة أكبر في التخطيط والقيادة، لأن أي خطأ في تقدير طبيعة المعركة، قد يحول مكسباً تكتيكياً محدوداً إلى عبء إستراتيجي طويل، وفي المقابل فإن منع تحويل الساحل إلى منصة تهديد إقليمية يظل مرتبطاً باستعادة "مجلس القيادة الرئاسي" قدرته على حماية أراضي الجمهورية اليمنية ومياهها ومنافذها السيادية، لكن المشهد لا يتوقف عند الساحل، فالتطور اللافت خلال الأيام الماضية يتمثل في محاولة القوات المسلحة اليمنية الانتقال من رد الفعل إلى استعادة زمام المبادرة في أكثر من محور، وفي تعز ظهرت تحركات ميدانية مع تقدم في بعض المواقع، بالتزامن مع استمرار العمليات في الجوف ومأرب، حيث تمكنت القوات المسلحة اليمنية من صد هجمات واسعة للميليشيات الحوثية.
تكمن أهمية هذ التطورات في تقديري في أنها تفرض على الميليشيات الحوثية التعامل مع أكثر من اتجاه في وقت واحد، بدلاً من تركيز ثقلها على جبهة واحدة، تستطيع فيها استخدام تفوقها النسبي في الكثافة النارية، وقد يكون فتح المحاور وتزامن العمليات أكثر أهمية من حجم المكسب الجغرافي الآني، لأنه يختبر قدرة الميليشيات الحوثية على إدارة حرب متعددة المسارح، ويمنح القوات المسلحة اليمنية فرصة لبناء معادلة عملياتية تقوم على توزيع الضغط، لا على امتصاصه فقط، وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى إعادة تموضع القوات المسلحة اليمنية بتشكيلاتها العسكرية كافة في الساحل الغربي، بواقعية عسكرية بعيداً من التوصيفات الانفعالية، فالحرب تعرف الانسحاب التكتيكي وإعادة التجميع، مثلما تعرف التقدم، وليس كل تراجع انهياراً، مثلما أن كل تقدم لا يمثل انتصاراً حاسماً، وقد أفادت مصادر عسكرية بأن القوات التي أعادت تموضعها جنوب المخا لا تزال قرب باب المندب، وتستعد لعمليات عكسية، بينما جرى تشكيل مركز قيادة بديل في ذو باب لإعادة تجميع هذه القوات، وهذه القراءة تصبح أكثر منطقية إذا رُبطت بالتطورات في الجبهات الأخرى؛ فالهدف ليس بالضرورة استعادة كل موقع فوراً، وإنما الحفاظ على القوة القتالية، وإعادة توزيعها بما يسمح بمواجهة الميليشيات الحوثية في المكان والوقت الأكثر ملاءمة، فالحرب الطويلة تكافئ الطرف الذي يحسن إدارة قوته، لا الطرف الذي يطارد الصورة الأكثر إبهاراً، في لحظة عادية أو عابرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هنا تأتي أهمية الحضور العسكري والسياسي المتكامل خلال هذه المرحلة، بما في ذلك وجود عضو مجلس القيادة الرئاسي وزير الدفاع السابق الفريق محمود الصبيحي ميدانياً في المناطق القريبة من باب المندب، في مشهد يحمل في اعتقادي دلالة تتجاوز رمزية المكان والشخص، فالمعركة تحتاج إلى قيادة ترى الجغرافيا اليمنية باعتبارها مسرحاً واحداً، تتصل فيه تعز بالساحل، والساحل بالجنوب، والجوف بمأرب، والميدان بالقرار السياسي، ولا يعني ذلك إلغاء خصوصية كل جبهة أو تشكيل عسكري، وإنما وضع هذه الخصوصيات داخل إطار وطني أوسع، يمنع تحول تعدد القوى إلى تعدد أهداف، وفضلاً عن ذلك فإن القوة العسكرية تصبح أكثر فاعلية عندما تتحرك وفق تصور مشترك للهدف النهائي، وهو استعادة مؤسسات الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح، واحتكارها المشروع للقوة، لا مجرد استعادة موقع هنا أو صد هجوم هناك، وهذه هي النقطة التي يمكن عندها تحويل الجبهات المتفرقة إلى مسار وطني واحد.
في بلد أنهكته أعوام الحرب، يصبح الانتصار الحقيقي تقليل معاناة الناس وإعادة الأمان لهم والقدرة على الحياة، لا الذي يستبدل سلطة السلاح بسلطة سلاح آخر، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة أعمق من سؤال: من يسيطر على موقع جديد؟ فالمكسب التكتيكي لا يكتسب قيمته إلا إذا أمكن تحويله إلى تفوق عملياتي مستدام، وهذا يتطلب قيادة عسكرية وطنية أكثر تنسيقاً، وتكاملاً حقيقياً بين الجبهات، وإسناداً سياسياً يحافظ على وحدة القرار.
إن فتح جبهات الجوف وتعز ومأرب، بالتوازي مع إعادة تنظيم الساحل، يمكن أن يفرض على الميليشيات الحوثية توزيع قدراتها، لكنه لن يحقق غايته ما لم يتحول إلى إستراتيجية واضحة، تتجنب استنزاف القوات وتربط كل حركة ميدانية بهدف سياسي محدد، فاستعادة الدولة ليست عملية عسكرية خالصة، وإنما مسار مركب يبدأ بإعادة بناء القدرة العسكرية، ويمر بتثبيت المؤسسات، وينتهي بإعادة الاعتبار للمواطن، باعتباره صاحب الدولة لا مجرد متلق لنتائج الحرب، ولهذا فإن ما يجري اليوم ينبغي أن يُقرأ باعتباره لحظة اختبار لإمكان "مجلس القيادة الرئاسي" الانتقال من إدارة الصراع إلى تغيير شروطه، فقد تحقق الميليشيات الحوثية اختراقات مؤلمة، وقد تحتاج القوات المسلحة اليمنية إلى إعادة انتشار، أو تحمل خسائر وتراجع في بعض المواقع، لكن ذلك لا يحسم الاتجاه النهائي، ما دامت القدرة على المبادرة وإعادة التنظيم قائمة، وفي المقابل فإن استعادة باب المندب وتأمين الساحل وفتح المحاور الأخرى لن تكون غاية بذاتها، بل جزءاً من معركة أوسع، عنوانها استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح.
الدولة التي يريدها اليمنيون ليست امتيازاً لجغرافيا أو جماعة أو مذهب، وإنما مساحة مشتركة يتساوى فيها الناس أمام القانون، ولهذا فإن المعركة الحقيقية، في معناها الأشمل، ليست من أجل خريطة جديدة، بل من أجل أن يستعيد اليمنيون حقهم في دولة واحدة، وقرار وطني واحد، ومستقبل لا تحدده الميليشيات.