Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يعول على شركاء الخارج لترميم قطاع الكهرباء المتضرر

تتبلور تدريجاً ملامح سياسة جديدة... الدولة تعيد بناء الأساس بعد توفير رأس المال والتكنولوجيا

تعرضت محطات وخطوط وأبراج ومنشآت تحويلية للتدمير أو التعطيل منذ اندلاع الحرب في السودان (أ ف ب)

ملخص

إبداء شركة "هونان" الصينية استعدادها للدخول في مشاريع الكهرباء يفتح الباب أمام صيغة تعاون تتجاوز توريد المعدات إلى المشاركة في تنفيذ مشاريع جديدة. وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة لأن الحكومة تبحث عن مستثمرين قادرين على الجمع بين التمويل والتنفيذ والتكنولوجيا.

لم تعُد أزمة الكهرباء في السودان مجرد خلل في مرفق خدمي يمكن احتواؤه بإجراءات تشغيلية أو صيانة دورية، بل غدت أحد أكثر مظاهر ضعف البنية التحتية اتصالاً بالحياة اليومية للسودانيين وقدرة القطاعات الأساسية على الاستمرار. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023، تعرضت منظومة التوليد والنقل والتوزيع لضغوط استثنائية بفعل الأضرار التي لحقت بمحطات ومنشآت رئيسة وتعطل سلاسل الإمداد وقطع الغيار، فضلاً عن الأعطال الفنية والحرائق التي طاولت منشآت حيوية، بينها سد مروي. ونتيجة ذلك، اتسعت فجوات الإمداد وازدادت فترات انقطاع التيار، في وقت تتجاوز تبعات الأزمة حدود المنازل لتطاول المستشفيات ومرافق المياه والاتصالات والخدمات العامة والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد جميعها على شبكة كهرباء شديدة الاضطراب.

في هذا السياق، تكتسب عودة الاهتمام بإعمار قطاع الكهرباء دلالة تتجاوز الإعلان عن مشاريع جديدة، إذ ترتبط مباشرة بمحاولة إعادة بناء قدرة إنتاجية فقدت جزءاً مهماً من كفاءتها خلال أعوام الحرب. وأبدت شركة "هونان" الصينية للإنشاءات والهندسة استعدادها للدخول في عدد من المشاريع الكهربائية في السودان، بالشراكة مع الشركة الوطنية للطاقة والهندسة، في خطوة ربما تعكس استعادة الرهان السوداني على تجربة الخبرة والتمويل والاستثمارات الصينية في إعادة تأهيل قطاعات البنية التحتية السودانية.

وتشمل المشاريع المطروحة "محطة الجموعية" بقدرة 200 ميغاواط و"محطة قَري (3)" بقدرة 300 ميغاواط، وفق نموذج هجين يجمع التوليد الحراري بالطاقة الشمسية. وبحسب وزارة الطاقة، فإن هذه المشاريع تستهدف تعزيز استقرار الإمداد وتنويع مزيج التوليد، فيما ينظر إليها السودان على أنها جزء من حاجات أوسع لإعادة تأهيل منظومة الكهرباء واستعادة قدرتها على توفير خدمة منتظمة في بلد أنهكته الحرب وتراجع فيه الاستثمار الأجنبي والمحلي وتآكلت بنيته التحتية.

عودة للواجهة

بدأت قصة الكهرباء في السودان عام 1908، حين أنشئت في الخرطوم محطة صغيرة بقدرة 100 كيلوواط لتلبية حاجات محدودة من المرافق الحكومية وبعض المساكن. ومع اتساع الطلب، دخل القطاع مرحلة أكثر تنظيماً عام 1925 مع تأسيس "شركة النور والطاقة السودانية"، ذات رأس المال والإدارة الأجنبيين، لتتولى التوليد والتوزيع وخدمات مرتبطة بالمياه والنقل. ومنذ ذلك الحين أخذت المنظومة تتوسع تدريجاً، ثم انتقل مركز ثقلها إلى الدولة بعد الاستقلال عام 1956، وتطورت مؤسساتها وصولاً إلى الهيئة القومية للكهرباء، قبل إعادة هيكلة القطاع عام 2010 وإنشاء شركات متخصصة، بينها الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء بقرار مجلس الوزراء رقم 169 في الـ28 من يونيو (حزيران) من العام نفسه.

أما الاستثمار الصيني، فدخل مرحلة مختلفة مع مطلع القرن الـ21، حين أصبح قطاع الكهرباء أحد بوابات التعاون الاقتصادي بين الخرطوم وبكين. وبدأت المشاريع بمحطات حرارية، من بينها "محطة قَري" و"محطة الجيلي" ذات الدورة المركبة، قبل أن ينتقل التعاون إلى مشاريع أوسع نطاقاً في التوليد الكهرومائي وشبكات النقل. وكان مشروع سد مروي نقطة التحول الأبرز، إذ شاركت "شركة الصين الدولية للمياه والكهرباء" في تنفيذ السد بقدرة 1250 ميغاواط، فيما تولت شركة "هاربين" الصينية أعمال محطات التحويل وخطوط النقل ضمن عقود بمئات ملايين الدولارات.

وتواصل الحضور الصيني عبر تعلية سد الروصيرص ومجمع سد أعالي عطبرة، مما عزز دور الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية الكهربائية في السودان. كذلك شمل التعاون أعمالاً في محطات التوليد وشبكات نقل الكهرباء، في وقت ظل توسيع قدرات الإنتاج وربط مناطق جديدة بالشبكة من أبرز تحديات القطاع. وعاد الاهتمام الصيني للواجهة خلال العام الحالي مع اهتمام شركة "هونان" الصينية بتنفيذ محطتي "الجموعية" و"قري (3)"، في إطار مساعي زيادة إمدادات الكهرباء ودعم استقرار الشبكة.

فجوة مزمنة

دخل قطاع الكهرباء السوداني الحرب وهو يعاني أصلاً فجوة مزمنة بين الطلب والقدرة المتاحة، لكنه خرج منها مثقلاً بأضرار أصابت قلب منظومة التوليد والنقل والتوزيع. فمنذ اندلاع الحرب، تعرضت محطات وخطوط وأبراج ومنشآت تحويلية للتدمير أو التعطيل، فيما أدت صعوبة الوصول إلى الوقود وقطع الغيار وتراجع القدرة التشغيلية إلى إخراج جزء كبير من محطات التوليد عن الخدمة. ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خسائر الشبكة بما يصل إلى 3 مليارات دولار، في وقت أفادت دراسة أممية بأن نحو 90 في المئة من الأسر الحضرية رصدت تراجعاً في موثوقية الإمداد الكهربائي.

وتشير التجربة الأخيرة إلى أن إعادة التأهيل ستبدأ بالضرورة من الشبكة ذاتها أي المحطات التحويلية وخطوط النقل والأبراج والمحولات، قبل الانتقال إلى إضافة قدرات توليد جديدة. لكن الاستثمار في التوليد وحده لن يحل الأزمة إذا ظلت الشبكة عاجزة عن نقل الكهرباء إلى مراكز الطلب. وفي هذا المسار، تبدو الشركات الصينية مرشحة لاستعادة موقع بارز، ليس فقط بسبب الخبرة التي راكمتها في مشاريع مروي وأعالي عطبرة وشبكات النقل، وإنما أيضاً مع عودة اهتمام بكين بالمشاركة في إعادة إعمار البنية التحتية السودانية.

وفي المقابل، يفرض ضعف التمويل العام البحث عن مزيج أوسع من الحلول مثل توسيع الربط الكهربائي مع مصر وإثيوبيا والتوسع المنظم في الطاقة الشمسية اللامركزية وإشراك القطاع الخاص في التوليد والتوزيع، مع إعطاء الأولوية للمرافق الحيوية والمناطق التي يصعب ربطها بالشبكة المركزية. وأصبحت الروابط الإقليمية، تحديداً، جزءاً من النقاش حول أمن الطاقة السوداني.

لكن نجاح هذه الخيارات سيظل مشروطاً بوقف استهداف البنية التحتية وتوفير تمويل طويل الأجل وإصلاح مؤسسات القطاع ووضع قواعد واضحة للاستثمار. فالكهرباء في السودان بعد الحرب لن تكون مجرد مشروع بنية تحتية، بل ستكون أحد الاختبارات المبكرة لقدرة البلاد على تحويل إعادة الإعمار من استجابة طارئة للدمار إلى سياسة اقتصادية طويلة المدى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرحلة عاجلة

وإذا كانت إعادة تأهيل ما دمرته الحرب تمثل المرحلة العاجلة، فإن التحدي التالي أمام السودان يتمثل في إعادة صياغة اقتصاد الكهرباء نفسه، فلا تظل البلاد رهينة مصدر واحد للتوليد أو التمويل. ولهذا تتجه الحكومة إلى فتح القطاع أمام شركاء خارجيين يمتلكون رأس المال والتكنولوجيا والخبرة التنفيذية، مع إعطاء مساحة أكبر للتوليد المتجدد والمشاريع التي يمكن تنفيذها على مراحل، بدلاً من انتظار مشاريع ضخمة تستغرق أعواماً قبل أن تبدأ بإنتاج الكهرباء.

وإبداء شركة "هونان" استعدادها للدخول في مشاريع الكهرباء يفتح الباب أمام صيغة تعاون تتجاوز توريد المعدات إلى المشاركة في تنفيذ مشاريع جديدة. وتكتسب هذه الشراكة أهمية خاصة لأن الحكومة تبحث عن مستثمرين قادرين على الجمع بين التمويل والتنفيذ والتكنولوجيا، في وقت أصبحت قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنية التحتية من مواردها الذاتية محدودة للغاية. كذلك فإن طرح نموذج هجين يجمع التوليد الحراري بالطاقة الشمسية يشير إلى محاولة مواءمة الاستثمار الجديد مع واقع الشبكة وحاجاتها الفعلية، بدلاً من الاعتماد على خيار توليد واحد.

وفي مسار موازٍ، تمنح الخرطوم الطاقة الشمسية موقعاً أكثر تقدماً في خطتها الاستثمارية، فالمشروع الأذربيجاني المقترح الذي يبدأ بـ100 ميغاواط مع إمكان التوسع إلى 1000 ميغاواط، يعكس اهتماماً متزايداً بجذب مستثمرين إلى مشاريع قابلة للتوسع التدريجي. وتبرز أهمية هذا المسار في قدرته على خدمة الزراعة والمناطق التي يصعب تأمين حاجاتها من الشبكة المركزية، فضلاً عن تقليل الضغط على الوقود والتوليد التقليدي.

أما التعاون مع مصر، فيأخذ بعداً مختلفاً، إذ لا يقتصر على استيراد الكهرباء، بل يتجه إلى بناء قدرة مشتركة تشمل تطوير الربط وتأهيل الكوادر. وفي الوقت ذاته، تتحرك الحكومة السودانية نحو توسيع دور القطاع الخاص وتسهيل الاستثمار في الطاقة وتطوير آليات تسمح للمنازل والمزارع والمنشآت الإنتاجية بإضافة الكهرباء إلى الشبكة. وبهذا تتبلور تدريجاً ملامح سياسة جديدة، الدولة تعيد بناء الأساس، والشركاء الخارجيون يوفرون رأس المال والتكنولوجيا، بينما تتحول الطاقة المتجددة من حل طارئ إلى أحد مكونات منظومة الكهرباء المقبلة.

مفارقة بائنة

ربما يكون مستقبل الكهرباء في السودان محكوماً بمفارقة بائنة هي حاجة استثنائية إلى الاستثمار في مقابل بيئة لا تزال شديدة الأخطار، فاستمرار الحرب وتضرر الشبكات ونقص التمويل والوقود وقطع الغيار وضعف القدرة المؤسسية على الصيانة، كلها عوامل تجعل أي توسع سريع في التوليد عرضة لأن يفقد جدواه ما لم يسبقه استقرار أمني وإصلاح للشبكة نفسها. كذلك فإن ارتفاع كلفة الطاقة الشمسية على الأسر، على رغم اتساع استخدامها اضطرارياً، يحد من قدرتها على أن تصبح بديلاً شاملاً في المدى القصير.

في المقابل، يملك السودان عناصر يمكن أن تجعل إعادة بناء قطاع الكهرباء فرصة لإعادة هيكلته لا مجرد ترميمه، من موارد مائية وشمسية كبيرة وحاجة سوقية ضخمة وإمكانات للربط الكهربائي الإقليمي، فضلاً عن اهتمام متزايد من شركات أجنبية. كذلك فإن التحول إلى التوليد الموزع والطاقة الشمسية يمكن أن يقلل اعتماد بعض المناطق على الشبكة المركزية ويمنح الزراعة والخدمات الأساسية قدراً أكبر من الاستقلالية. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الطاقة الشمسية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إبقاء النشاط الاقتصادي والخدمات قائماً شرط توافر الاستثمار والإصلاحات التنظيمية.

وفي هذا المشهد، يبدو التعويل على الصين منطقياً، ولكن ليس بوصفها حلاً منفرداً. وتمنح هذه الخلفية بكين أفضلية عملية خلال مرحلة إعادة الإعمار، إذ يحتاج السودان إلى شريك يستطيع الجمع بين الهندسة والتوريد والتنفيذ وربما التمويل. لكن الرهان الصيني سيظل مشروطاً بالاستقرار الأمني وضمانات الاستثمار وقابلية المشاريع للتمويل وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. كذلك فإن التحرك الصيني المبكر نحو قطاعات سودانية إستراتيجية يشير إلى أن المنافسة على فرص إعادة الإعمار قد تتجاوز البعد التنموي إلى اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية أوسع.

وعليه، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس "عودة الكهرباء" بضربة واحدة، بل إعادة بناء تدريجية تتكامل فيها الاستثمارات الصينية مع التمويل والشراكات الإقليمية، وتتقدم فيها الطاقة الشمسية والربط الكهربائي بالتوازي مع إعادة تأهيل التوليد التقليدي والشبكة. ونجاح هذا المسار سيتوقف، قبل أي شيء، على انتقال السودان من إدارة أزمة الكهرباء إلى بناء قطاع قابل للاستدامة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير