Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تغير مفهوم الرفاهية لدى السودانيين

في ظروف المعارك يصبح تأمين الطعام والمياه والسكن والكهرباء والدواء والنقل هو المؤشر الأهم على مستوى الاستقرار المعيشي

الأسرة السودانية قد تنفق اليوم أموالاً أكثر مما كانت تنفقه سابقاً، لكنها في الوقت ذاته تحصل على مستوى أقل من الرفاهية، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب إلى الضروريات (أ ف ب)

ملخص

في الحياة اليومية، يصعب أحياناً الفصل بين الضرورة والرفاهية. فالماء ليس ترفاً، والكهرباء ليست امتيازاً، والطعام والدواء والسكن الآمن حقوق واحتياجات أساسية. لكن حين تصبح هذه الأشياء غير مضمونة، يتغير موقعها في وعي الإنسان.

قبل الحرب، لم يكن امتلاك غرفة خاصة أو الاستحمام بماء متاح في أي وقت أو الجلوس في مقهى هادئ يحتاج إلى كثير من التفكير، إذ كانت الكهرباء والمياه والاتصالات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية التي قد تزعج الإنسان حين تنقطع، لكنها لا تدخل بالضرورة في تعريفه الشخصي للرفاهية. وكان معنى الحياة المريحة أقرب إلى الأشياء التي يمكن شراؤها، مثل هاتف أحدث وسيارة أفضل وملابس جديدة ووجبة في مطعم ورحلة أو عطلة خارج المدينة.

لكن الحرب التي اندلعت في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" نحو 41 شهراً دفعت كثيراً من هذه المعاني إلى منطقة أخرى. ففي أماكن تأثرت بالقتال والنزوح وتعطل الخدمات، أصبح العثور على ماء نظيف، أو الحصول على الكهرباء لبضع ساعات، أو تأمين وجبة كاملة، أو النوم في مكان لا يهدده الخوف، تجربة تحمل قيمة أكبر من قيمتها السابقة.

ضروريات مفقودة

في الحياة اليومية، يصعب أحياناً الفصل بين الضرورة والرفاهية. فالماء ليس ترفاً، والكهرباء ليست امتيازاً، والطعام والدواء والسكن الآمن حقوق واحتياجات أساسية. لكن حين تصبح هذه الأشياء غير مضمونة، يتغير موقعها في وعي الإنسان.

الباحث في اقتصاد الحرب الأمين سالم قال إن "الحرب لا تؤثر في دخل الأسرة فقط، وإنما تعيد ترتيب الطريقة التي تنفق بها هذا الدخل. فمع ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وتراجع فرص العمل والدخول، يذهب جزء أكبر من الموارد إلى الاحتياجات الأساسية، بينما تتقلص المساحة المخصصة للإنفاق الاختياري. وبالتالي لا يعود السؤال بالنسبة إلى الأسرة ماذا نريد أن نشتري؟ بقدر ما يصبح ماذا نستطيع أن نؤمن أولاً؟".

وتابع سالم "في الظروف المستقرة، تقاس الرفاهية غالباً بما يستطيع الإنسان شراءه بعد تأمين احتياجاته الأساسية، مثل السفر والمطاعم والملابس والترفيه. أما في ظروف الحرب، فقد يصبح تأمين الطعام والمياه والسكن والكهرباء والدواء والنقل هو المؤشر الأهم على مستوى الاستقرار المعيشي. وتزداد أهمية ذلك مع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والسكن، مما يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للدخل حتى عندما لا يتغير الدخل النقدي نفسه".

وأردف أن "الأسرة قد تنفق اليوم أموالاً أكثر مما كانت تنفقه سابقاً، لكنها في الوقت نفسه تحصل على مستوى أقل من الرفاهية، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب إلى الضروريات. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يصبح الحصول المنتظم على خدمة أساسية، مثل الكهرباء أو المياه، بالنسبة إلى بعض الأسر امتيازاً لا أمراً بدهياً".

وبين أن "هذا التحول لا ينطبق بالطريقة نفسها على جميع السودانيين، إذ تختلف الأولويات باختلاف المنطقة ومستوى الدخل ودرجة التأثر بالحرب، وما إذا كانت الأسرة مستقرة أو نازحة أو فقدت مصدر دخلها أو منزلها. كذلك أن الرغبة في السفر أو شراء الملابس أو تناول الطعام خارج المنزل لم تختف، وإنما تراجعت أولويتها لدى الفئات التي أصبحت تواجه صعوبة في تأمين الأساسيات".

ومضى الباحث في اقتصاد الحرب في القول "يمكن القول إن الرفاهية في سياق الحرب انتقلت، لدى قطاعات متضررة من المجتمع، من مفهوم يرتبط بما يستطيع الإنسان امتلاكه واستهلاكه إلى مفهوم يرتبط بما يستطيع ضمانه واستقراره. فامتلاك المال وحده لا يعني بالضرورة امتلاك الرفاهية، إذا كان الجزء الأكبر منه يذهب إلى تأمين احتياجات كان الحصول عليها أكثر سهولة قبل الحرب".

ترف صغير

أحياناً لا يحتاج الإنسان إلى شيء كبير كي يشعر بأنه يعيش حياة مريحة. فوجبة كاملة في مطعم، أو ملابس جديدة، أو حمام نظيف، أو كوب قهوة في مكان هادئ أو ليلة نوم بلا خوف، أشياء تبدو صغيرة إذا قورنت بمفهوم الرفاهية التقليدي، لكنها تكتسب معنى مختلفاً حين تصبح الحياة اليومية مزدحمة بالقلق وعدم اليقين.

الباحث في علم الاجتماع سامر عبدالرحمن يقول إن "الأزمات الممتدة لا تغير فقط قدرة الإنسان على الإنفاق، وإنما تعيد تعريفه لمعنى الراحة نفسها. ففي الظروف الطبيعية، فقد تبدو أشياء مثل النوم الهادئ والخصوصية والمساحة الشخصية والقدرة على الجلوس في مكان آمن أموراً عادية لا تستحق التفكير. لكن عندما يصبح الإنسان معرضاً للقلق أو النزوح أو السكن المزدحم، تتحول هذه التفاصيل اليومية إلى عناصر أساسية في إحساسه بالاستقرار".

ويرى عبدالرحمن أن "النوم مثال واضح على ذلك، فالإنسان الذي اعتاد النوم من دون خوف أو أصوات مفاجئة قد لا يعد النوم الهادئ رفاهية، بينما يصبح الأمر مختلفاً عندما يرتبط النوم بالقلق أو عدم استقرار المكان. والأمر نفسه ينطبق على الخصوصية، فوجود غرفة أو مساحة يستطيع الإنسان أن يغلق بابها، يرتاح فيها أو يبقى وحده، ليس مجرد رفاه معماري، وإنما جزء من الشعور بالأمان والسيطرة على الحياة اليومية".

وأضاف أن "الحرمان الطويل يعيد تشكيل قيمة الأشياء البسيطة، فقد تكتسب وجبة كاملة أو حمام نظيف، أو ساعات من الكهرباء، أو اتصال مستقر بالإنترنت قيمة أكبر مما كانت عليه قبل الحرب، ليس لأنها أصبحت أكثر فخامة، وإنما لأن الوصول إليها أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض الفئات".

وواصل "لا يعني ذلك أن الإنسان يتخلى عن طموحاته السابقة أو يعتاد الحرمان بصورة كاملة، بل إن التجربة الطويلة قد تجعله أكثر وعياً بقيمة ما كان يعده مضموناً. ولهذا لا يمكن اختزال الرفاهية في المال والقدرة على شراء السلع، فالأمان والراحة والخصوصية والنوم المستقر والمساحة الشخصية، كلها موارد غير مادية تؤثر بصورة مباشرة في الإحساس بجودة الحياة".

ولفت الباحث في علم الاجتماع إلى أن "أحد التحولات اللافتة في زمن الحرب أن الأشياء الصغيرة لم تصبح بالضرورة أكثر فخامة، لكن الظروف جعلت معناها أكبر. فالراحة التي كانت تعد أمراً عادياً قد تصبح، في ظروف معينة، شكلاً من أشكال الرفاهية".

رفاهية متحركة

لا توجد قائمة ثابتة يمكن أن نقول إنها تمثل رفاهية السودانيين جميعاً، فما يراه شخص ضرورة قد يكون بالنسبة إلى آخر رفاهية، وما كان يمثل رفاهية قبل الحرب قد يتحول بعد تجربة النزوح أو فقدان المنزل إلى حلم أكثر إلحاحاً.

عبير محمود المتخصصة في قضايا النزوح والهجرة تقول إن "الرفاهية لا تحمل المعنى نفسه لدى المقيم والنازح ومن فقد منزله أو ممتلكاته، لأن التجربة المباشرة للحرب تعيد ترتيب الاحتياجات المادية والنفسية. ففقدان المنزل لا يعني خسارة الجدران والأثاث فقط، وإنما فقدان مساحة ترتبط بالأمان والخصوصية والذاكرة والانتماء، لذلك قد يصبح امتلاك مكان صغير وآمن للنوم والعيش أكثر قيمة من امتلاك كثير من الأشياء المادية".

واستطرد محمود "بالنسبة إلى النازح، قد يتغير معنى الامتلاك نفسه. فالمنزل الذي كان يقاس سابقاً بمساحته وأثاثه وأجهزته، قد يصبح بعد النزوح مرتبطاً أولاً بالقدرة على الإقامة فيه بأمان، والاحتفاظ بالمتعلقات الشخصية، ومعرفة أن الأسرة لن تضطر إلى مغادرته مرة أخرى، وتزداد قيمة الاستقرار كلما طال أمد النزوح وتكررت عمليات الانتقال".

وزاد "أما من بقي في منزله، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه حافظ على مستوى الرفاهية السابق. فقد يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل أو اضطراب الخدمات إلى انتقال الأسرة من نمط استهلاكي كانت فيه مساحة للترفيه والسفر والمشتريات الإضافية، إلى نمط أكثر حذراً تتركز فيه الأولويات على الضروريات".

وأضافت "في المقابل، فإن السودانيين المقيمين خارج البلاد قد يتمتعون بقدرة أكبر على الوصول إلى الخدمات والسلع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن مفهوم الرفاهية لديهم منفصل عن الحرب، فوجود أسرة في الداخل أو التزامات مالية تجاهها قد يجعل جزءاً من الدخل موجهاً إلى الإعالة والدعم، كذلك أن القلق على الأقارب قد يؤثر في الإحساس بالاستقرار".

ونوهت المتخصصة في قضايا النزوح والهجرة إلى أنه "لا يمكن قياس الرفاهية من خلال الدخل أو الممتلكات وحدها، بل من خلال موقع الإنسان من الحرب وما فقده وما لا يزال قادراً على ضمانه. فالشيء نفسه قد يكون ضرورة لشخص، ورفاهية لشخص آخر، بحسب مكان إقامته، وموارده، وتجربته مع النزوح والفقدان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حياة كريمة

كلما اقترب النقاش من الماء والطعام والسكن والأمان والدواء، يصبح استخدام كلمة رفاهية أكثر تعقيداً، فهل الحصول على مياه نظيفة رفاهية؟ وهل النوم بأمان امتياز؟ وهل القدرة على الذهاب إلى العمل من دون خوف رفاهية؟

الباحث في مجال الحقوق طارق يوسف يقول إنه "من المهم التمييز بين وصف الناس لواقعهم وبين عد الحرمان من الحقوق الأساسية أمراً طبيعياً، فعندما يقول شخص إن الحصول على الماء أو السكن الآمن أصبح رفاهية فهو يصف صعوبة الوصول إلى هذه الاحتياجات، لكنه لا يعني أنها أصبحت فعلاً كماليات، فالمياه والغذاء والسكن الملائم والعلاج والتعليم والأمان ترتبط بالحياة الكريمة والحقوق الأساسية للإنسان".

وتابع يوسف "تكمن الخطورة في أن طول الأزمات قد يدفع الناس إلى خفض سقف توقعاتهم تدريجاً، فما كان غير مقبول قبل الحرب قد يصبح أفضل من لا شيء، ومع استمرار الحرمان يمكن أن يتحول التكيف مع تراجع الخدمات إلى نوع من التطبيع مع أوضاع يفترض أن تكون موقتة واستثنائية".

وأردف أن "استعادة الحياة الطبيعية لا تعني إعادة بناء البنية التحتية فقط، وإنما استعادة قدرة الإنسان على إدارة حياته والتخطيط ليومه وغده. فعودة المياه والكهرباء والمراكز الصحية والمدارس ووسائل النقل والأسواق تعني أكثر من عودة الخدمات، فهي تعيد قدراً من الاستقرار والقدرة على الاختيار".

وبين أن "الكرامة اليومية ترتبط بهذه التفاصيل، فالإنسان الذي يستطيع الحصول على الطعام والعلاج والنوم بأمان والاستحمام في مكان ملائم والعودة لمنزل مستقر والعمل من دون خوف، لا يحصل على ترف بالمعنى الحقيقي، وإنما يستعيد أجزاء من حياة طبيعية كان ينبغي ألا يفقدها".

وخلص الباحث في مجال الحقوق إلى القول إن "أحد الآثار الأعمق للحرب لا يتمثل فقط في حجم الممتلكات التي فقدها الناس، وإنما في تغير توقعاتهم في شأن الحياة الطبيعية. وعندما تصبح الاحتياجات الأساسية أحلاماً، فإن استعادتها لا تعني تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل استعادة جزء من الإحساس بالكرامة والأمان والقدرة على بناء المستقبل".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير