Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تردي الأوضاع في إيران يدفع آلاف الأفغان للعودة إلى حكم "طالبان"

عائلات كاملة تختار الفقر تحت حكم متشدد بعد انهيار العملة الإيرانية وتضخم غذائي بلغ 130%

أفغان يعبرون الحدود من إيران عائدين إلى بلدهم (رويترز)

ملخص

يعود آلاف الأفغان من إيران إلى وطنهم هرباً من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعدما فقدت مدخراتهم أكثر من ثلثي قيمتها جراء انهيار الريال الإيراني وتضخم غذائي بلغ نحو 130%. وعلى رغم القيود الصارمة على النساء في ظل حكم "طالبان"، تضم موجة العائدين أعداداً متزايدة من النساء والعائلات الكاملة الذين لم يعد بإمكانهم تحمل كلف المعيشة في إيران.

كان محمد سعيد قد أتم للتو الـ18 سنة عندما فرّ إلى إيران برفقة والديه وأخيه وأخته الصغيرين، هرباً من أفغانستان بعد عودة حركة "طالبان" إلى السلطة عام 2021. والآن، أصبح سعيد وعائلته من بين آلاف العائدين إلى ديارهم هرباً من الأزمة الاقتصادية في إيران الناجمة عن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

قال سعيد إن أسرته عادت خالية الوفاض تقريباً. وأضاف، "انخفضت قيمة العملة الإيرانية انخفاضاً حاداً"، لدرجة أن مدخرات الأسرة المودعة بالريال الإيراني فقدت أكثر من ثلثي قيمتها.

ملاذ اقتصادي ينهار

على مدى عقود، وفّر الاقتصاد الإيراني الصناعي الأكبر حجماً ملاذاً للأفغان من الفقر، وشكل في التسعينيات ومرة أخرى منذ عام 2021، مهرباً من حكم حركة "طالبان" المتشدد.

لكن الاقتصاد الإيراني الآن ينهار بصورة حادة لدرجة أن كثيراً من الأفغان يقولون إنهم يرون في العودة إلى بلدهم الخيار الوحيد. وهم يعودون مع زوجاتهم وبناتهم، على رغم القيود الصارمة المفروضة على النساء في أفغانستان، ومنها ما يحظر عليهن مواصلة التعليم والسفر والعمل في بعض المهن.

أمضى صحافيو "رويترز" أسبوعاً في المناطق الحدودية الأفغانية بإقليمي هرات وفراه المجاور حيث التقوا بأشخاص عائدين من إيران. وتحدث هؤلاء بحرية من دون خوف من رقابة الحكومة الإيرانية ووصف معظمهم الاقتصاد الإيراني بأنه منهار.

وعند معبر قلعة إسلام الحدودي بين إيران وأفغانستان، خضع تدفق شبه مستمر من المهاجرين العائدين لفحص الوثائق وإجراءات التسجيل. وكان المسؤولون جالسين في حاويات شحن خُصصت موقتاً لإتمام الإجراءات.

ولدى عودتهم إلى وطنهم، واجه العائدون جبالاً صحراوية قاحلة وطريقاً سريعاً مليئاً بالحفر يؤدي إلى هرات، أكبر مدينة في غرب أفغانستان.

تضخم يقترب من 90%

قال معظم الأفغان العائدين إنهم كانوا عاطلين من العمل منذ أشهر، وإنهم عانوا بشدة التضخم المتصاعد قبل أن يقرروا العودة.

ووفقاً للمركز الإيراني للإحصاء، ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بنسبة تقارب 90 في المئة على أساس سنوي، وتفاقم بشدة نتيجة تشديد العقوبات والحصار البحري الأميركي الذي حرم إيران في الفترة الأخيرة من تصدير أي كميات كبيرة من النفط الخام عبر مضيق هرمز.

وارتفع التضخم في أسعار المواد الغذائية وبلغ 130 في المئة تقريباً مما جعل الخبز والحليب والسلع الأساسية الأخرى غير ميسورة الكلفة بالنسبة إلى كثر.

ولم ترد البعثة الإيرانية في نيويورك على طلب للتعليق.

وقال سيد جاويد قاضي خاني، وهو مهاجر يبلغ 40 سنة، إنه في الماضي كان بإمكان بعض البائعين الأفغان تحقيق أرباح في أسواق إيران من خلال بيع البضائع بضعف السعر الذي اشتروها به تقريباً. لكن التضخم وتآكل المدخرات لدى كل من الإيرانيين والمهاجرين الأفغان أدى إلى انهيار طلب المستهلكين. وأضاف، "ما تبقى هو العمل بأجر يومي"، وغالباً بالأجر نفسه الذي كان عليه قبل عام.

ووفقاً لاستطلاعات أجرتها المنظمة الدولية للهجرة، قال 29 في المئة فقط من الأفغان الذين عادوا من إيران في الأوان الأخيرة إن لديهم مدخرات متبقية بعدما انخفض متوسط دخلهم بنحو الثلث مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.

عودة مزيد من النساء

غادر أكثر من مليوني أفغاني إيران خلال العامين الماضيين. ووفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، رُحّل معظمهم أو تعرضوا لضغوط من السلطات الإيرانية للمغادرة قبل الموجة الأخيرة من العائدين، الذين غادروا بعد اندلاع الحرب.

لا يزال الترحيل القسري أحد الأسباب الرئيسة لعودة الأفغان إذ بدا أن الرجال غير المصحوبين بذويهم كانوا لفترة طويلة محور التركيز الرئيس للسلطات الإيرانية. لكن مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، أصبحت أعداد العائدين الأفغان تضم بصورة متزايدة نساء وعائلات بأكملها، وفقاً للعائدين وبيانات المنظمة الدولية للهجرة.

بالنسبة إلى كثير من الأمهات الأفغانيات وبناتهن اللواتي صمدن في إيران بعد سيطرة "طالبان" على الحكم في أفغانستان، وضعتهن الأزمة الاقتصادية الأخيرة في إيران أمام خيارين: إما مواجهة الفقر هناك أو العودة إلى بلد لا تغادر فيه نصف النساء منازلهن سوى مرة أو مرتين شهرياً، بحسب الأمم المتحدة.

وتفرض "طالبان" قيوداً على سفر النساء من دون محرم، ومنعتهن من ممارسة بعض المهن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"لما ذهبت إليها حتى لو كانت على بعد شارعين"

قال عبدالجبار (44 سنة) إنه لم يرد أن يعود بزوجته وابنتيه وحفيده ووالدته إلى أفغانستان. فقد عاشت أسرتهم في إيران ما يقارب أربعة عقود، وعمل عبدالجبار في تشطيب الواجهات الخارجية للمباني. وكانت الأسرة تعيش حياة مريحة في شقة حديثة في كرمان، قرب قاعدة عسكرية إيرانية.

وكست الحمرة وجهه من حرارة فرن الخبز في الغرفة الوحيدة التي يمتلكونها الآن في أفغانستان، وقال في مقابلة، "كنت أقول إنه حتى لو كانت أفغانستان على بعد شارعين فقط، لما ذهبت إليها".

وعندما تعرضت القاعدة العسكرية المجاورة لقصف متكرر بالصواريخ وتوقف العمل وسط الحرب هذا العام، قال عبدالجبار إن أقاربه في أفغانستان شجعوه على العودة، ووعدوه بتوفير عمل له والأمان من الصواريخ الأميركية.

وعندما وصل إلى أفغانستان من دون متاع أو مدخرات تقريباً، تبرع أقاربه له بالضروريات وأقرضوه المال.

وبعد مرور شهرين، لا يزال عاطلاً من العمل فيما عجز عن سداد المال وأصبحت استضافته غير مرحب بها الآن. وتعيش الأسرة حالياً في منزل شديد الحرارة مبني من الطوب الطيني، يتألف من غرفة واحدة فقط حيث الألواح الشمسية هي المصدر الوحيد للكهرباء. حتى السجادة المليئة بالغبار تبرع بها أحدهم للأسرة.

وتشتاق ابنته سيتايش (15 سنة) التي ترغب في أن تصبح مصممة أزياء، إلى حياتها في إيران. وقالت، "لو استطعت، لعدت إلى هناك. من أجل تعليمي وأصدقائي".

مشروع صناعة الجبن

قال عبدالغني قاضي زادة، أحد المسؤولين الكبار في حكومة "طالبان" على الحدود في قلعة إسلام، إن ما لا يقل عن 20 إلى 40 أسرة، بها نساء وفتيات، يعدن طواعية كل يوم.

وأضاف، "الأجور التي يكسبونها لم تعد كافية لتغطية نفقات معيشتهم الأساسية".

وذكر أن كثيراً من العمال الأفغان اشتكوا من أن أرباب عملهم الإيرانيين لا يدفعون لهم أجورهم، مضيفاً "الجميع يشتكون من أنهم تركوا أموالهم هناك".

وقال سعيد ووالدته رضوانة جامي إنهما أطلقا مشروعاً لإنتاج الجبن المستخدم في البيتزا عند وصولهما إلى إيران عام 2021. وفي البداية، ازدهر المشروع ووجدت الأسرة زبائن دائمين.

ومع تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام وارتفاع معدلات التضخم، أصبحت المواد الغذائية نادرة للغاية لدرجة أن جامي قالت إنها واجهت صعوبة في الحصول على المكونات اللازمة للمشروع، بما في ذلك الحليب. وقالت، "لم أعد قادرة على مواصلة الإنتاج"، مما أجبر العائلة في النهاية على العودة قبل خمسة أشهر.

وقالت جامي وسعيد إنهما استخدما آخر مدخراتهما لشراء معدات مطبخ جديدة في أفغانستان، واستأنفا إنتاج جبن البيتزا في منزلهما الجديد.

ترى العائلة فرصة لبيع المنتجات في أفغانستان حيث يُعد جبن البيتزا عالي الجودة سلعة نادرة. ويقولان إنهما يعملان مع فتيات في سن الدراسة كنّ في بلدان أخرى، لكن يحظر عليهن مواصلة تعليمهن بعد الصف السادس والالتحاق بالجامعة بموجب القيود التي تفرضها "طالبان".

وتقول جامي إن ابنتها البالغة 17 سنة هي أكثر من يعاني منذ عودتهم. وأوضحت، "تستمر في إخباري: أمي، لقد درست ثمانية أعوام والآن أنا أجلس في المنزل وحسب. لا يمكنني فعل شيء سوى أن أقول لها اصبري، الله كريم".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير