ملخص
قال مختصون لـ"اندبندنت عربية" إن الكلفة الاقتصادية لأي تفكك محتمل للمملكة المتحدة لن تتوقف عند خسارة جزء من الناتج المحلي، بل ستمتد إلى إعادة توزيع الإيرادات والإنفاق والدين والأصول، فضلاً عن إعادة تشكيل العلاقات التجارية والاستثمارية بين الاقتصادات التي تعمل حالياً ضمن سوق واحدة.
عاد مستقبل المملكة المتحدة لواجهة النقاش بعد اجتماع تاريخي شهدته العاصمة الويلزية كارديف، في الـ14 من سبتمبر (أيلول) الجاري، وجمع قادة الأحزاب القومية الحاكمة في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وهي الحزب الوطني الاسكتلندي و"بلايد كيمري" و"شين فين"، وانتهى الاجتماع بتوقيع مذكرة تفاهم تدعو إلى الاستعداد لاحتمالات التغيير الدستوري، في تحرك أعاد قضايا الاستقلال والوحدة الأيرلندية لقلب المشهد السياسي البريطاني.
لكن التقارب بين الأحزاب الثلاثة لا يعني أن اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية باتت على طريق واحد نحو الانفصال، فلكل إقليم حساباته السياسية وأطره الدستورية والقانونية المختلفة، كما تتباين داخله المواقف الشعبية من تغيير شكل العلاقة مع المملكة المتحدة، لذلك يبقى التفكك سيناريو محتملاً لا نتيجة محسومة.
اقتصادياً، تكمن أهمية هذا السيناريو في أن كلفته لا يمكن قياسها بمجرد خصم ناتج الأقاليم الثلاثة من الناتج البريطاني، فإذا انتقل الانفصال من السياسة إلى التنفيذ، فستكون المملكة المتحدة أمام عملية أوسع لإعادة توزيع الإيرادات الضريبية والإنفاق العام والدين والأصول، وإعادة رسم حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، إلى جانب تسوية ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بالطاقة والبنية التحتية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من حجم الاقتصاد الذي قد تفقده لندن: كيف ستتغير موازين الإيرادات والإنفاق والتجارة والأصول بين أربع دول كانت تعمل داخل اقتصاد واحد؟
اسكتلندا في قلب الحسابات الاقتصادية
تأتي اسكتلندا في قلب الحسابات الاقتصادية لأي تغيير في خريطة المملكة المتحدة، ليس فقط لأنها تمتلك أكبر اقتصاد بين الأقاليم الثلاثة، وإنما أيضاً بسبب موارد بحر الشمال، وحجم قاعدتها الاقتصادية، ودرجة تشابك تجارتها ونشاط شركاتها مع بقية المملكة المتحدة.
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لاسكتلندا نحو 230.9 مليار جنيه استرليني (311 مليار دولار أميركي) خلال 2025، شاملاً النشاط النفطي والغازي في المياه الاسكتلندية، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي البري، الذي يستبعد الأنشطة البحرية، نحو 218.8 مليار جنيه استرليني (294.7 مليار دولار).
لكن حجم الاقتصاد لا يكشف بمفرده عن نقطة البداية المالية لدولة اسكتلندية مستقلة، إذ بلغ العجز المالي الاسكتلندي نحو 25.3 مليار جنيه استرليني (34.1 مليار دولار) خلال السنة المالية 2025-2026، وفق بيانات وفق تقرير "الإنفاق الحكومي والإيرادات في اسكتلندا الصادر عن الحكومة الاسكتلندية، مما يضع المالية العامة في صدارة الملفات التي ستحتاج إدنبرة إلى إعادة ترتيبها في حال الاستقلال.
المعادلة لن تتوقف عند حجم الإيرادات التي ستنتقل إلى الحكومة الاسكتلندية، بل ستمتد إلى الإنفاق الذي ستصبح مسؤولة عنه، وهيكل الضرائب، وشروط الاقتراض وكلفته، فضلاً عن كيفية تقاسم الدين العام والأصول البريطانية.
وبذلك يصبح حجم الاقتصاد جزءاً من حساب الاستقلال، لكنه لا يقدم بمفرده إجابة عن قدرة الدولة الجديدة على تمويل نفقاتها وإدارة ماليتها العامة.
ويلز وأيرلندا الشمالية.. حساب مختلف
إذا كانت اسكتلندا تتصدر الحسابات الاقتصادية للانفصال بحجم اقتصادها وموارد الطاقة في بحر الشمال، فإن المعادلة تبدو مختلفة في ويلز وأيرلندا الشمالية، إذ يكتسب الإنفاق العام وطبيعة الروابط التجارية وزناً أكبر في تقدير ما قد يعنيه تغيير الوضع الدستوري لكل منهما.
وتظهر بيانات الخزانة البريطانية أن الإنفاق العام القابل للتحديد بلغ خلال السنة المالية 2024-2025 نحو 15.2 ألف جنيه استرليني (20.5 ألف دولار) للفرد في ويلز، و16.1 ألف جنيه استرليني (21.7 ألف دولار) في أيرلندا الشمالية، وهو الأعلى بين دول المملكة المتحدة الأربع، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 13.5 ألف جنيه استرليني (18.2 ألف دولار) للفرد على مستوى المملكة المتحدة.
وفي أيرلندا الشمالية، تضيف التجارة طبقة أخرى من التعقيد إلى الحسابات، فقد باعت الشركات هناك سلعاً وخدمات إلى بريطانيا العظمى بقيمة 17.1 مليار جنيه استرليني (23 مليار دولار) خلال 2023، في مقابل مشتريات بلغت 16.2 مليار جنيه استرليني (21.8 مليار دولار)، بما يرفع حجم التجارة بين الجانبين إلى نحو 33.3 مليار جنيه استرليني (44.8 مليار دولار).
وفي الاتجاه الآخر، بلغت مبيعات أيرلندا الشمالية إلى جمهورية أيرلندا نحو 8.7 مليار جنيه استرليني (11.7 مليار دولار)، وهو ما يعكس موقع اقتصادها عند نقطة التقاء بين سوق بريطانيا العظمى من جهة، وجمهورية أيرلندا والسوق الأوروبية من جهة أخرى.
أما ويلز، فتظهر بيانات تجارتها الدولية ارتباطاً قوياً بالاتحاد الأوروبي، إذ بلغت صادراتها السلعية إلى الأسواق الخارجية نحو 19.4 مليار جنيه استرليني (26.1 مليار دولار) خلال 2023، استحوذ الاتحاد الأوروبي على نحو 59.5 في المئة منها.
وتكشف هذه الأرقام عن أن الكلفة الاقتصادية المحتملة للانفصال لن تتوزع بالطريقة نفسها بين الأقاليم الثلاثة، ففي اسكتلندا تتقدم ملفات الطاقة والمالية العامة والتجارة مع بقية المملكة المتحدة، بينما يبرز في ويلز وزن الإنفاق العام وعلاقاتها التجارية مع أوروبا.
أما أيرلندا الشمالية، فتواجه معادلة أكثر تشابكاً تجمع بين المالية العامة وكثافة تجارتها مع بريطانيا العظمى وصلاتها الاقتصادية مع جمهورية أيرلندا.
حساب لندن في الاتجاه المعاكس
على الجانب الآخر من المعادلة، لن يكون حساب لندن مجرد خسارة اقتصادات الأقاليم الثلاثة، فخروجها المحتمل قد يعني تراجع جزء من الإنفاق العام الذي تتحمله الدولة لمصلحتها، لكنه يعني في الوقت نفسه خروج جزء من السكان والنشاط الاقتصادي والقاعدة الضريبية من اقتصاد المملكة المتحدة المتبقية.
وبلغ الإنفاق العام القابل للتحديد في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية مجتمعة نحو 165 مليار جنيه استرليني (222.3 مليار دولار) خلال 2024-2025، وفق بيانات الخزانة البريطانية.
لكن التعامل مع هذا الرقم باعتباره وفراً محتملاً للخزانة البريطانية سيكون مضللاً، إذ لا يمكن فصل الإنفاق الذي سيخرج من حسابات الدولة عن الإيرادات الضريبية والنشاط الاقتصادي المرتبط بالأقاليم الثلاثة. ومن ثم، فإن الحساب الحقيقي بالنسبة إلى لندن سيكون صافي ما تفقده من إيرادات ونشاط اقتصادي في مقابل ما ينخفض من التزامات الإنفاق، وليس قيمة الإنفاق وحدها.
من يتحمل الدين؟
يبرز الدين العام باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في أية عملية انفصال، لأن إعادة رسم حدود المملكة المتحدة لن تعني بالضرورة تقسيم السندات الحكومية القائمة بين الدول الجديدة، إنما ستفتح باب التفاوض حول توزيع الالتزامات المالية في مقابل الأصول الحكومية والممتلكات والبنية التحتية التي تراكمت داخل الاتحاد على مدى عقود.
وسبق للخزانة البريطانية أن حددت، خلال نقاشات استفتاء استقلال اسكتلندا عام 2014، تصوراً يقوم على استمرار الحكومة البريطانية في الوفاء بكامل الالتزامات التعاقدية للدين الذي أصدرته، على أن تتحمل الدولة الاسكتلندية المستقلة حصة "عادلة ومتناسبة" من الالتزامات، وفق تسوية منفصلة تحدد قيمتها وشروط سدادها بالتفاوض بين الحكومتين. ولم تحدد الخزانة قاعدة إلزامية لتلك الحصة، إذ طرحت النقاشات السابقة أكثر من أساس محتمل، من بينها حصة السكان.
وهذا يعني أن انفصال أي من الأقاليم لن يخفض تلقائياً القيمة الاسمية للدين المستحق على الحكومة البريطانية أمام المستثمرين، بل ستكون المسألة مرتبطة بحجم الالتزامات التي يجري الاتفاق على نقلها أو تعويض لندن عنها، وفي المقابل بما تحصل عليه الدولة الجديدة من الأصول والحقوق الحكومية.
اقتصاد ما بعد الاتحاد
وقال مختصون لـ"اندبندنت عربية" إن الكلفة الاقتصادية لأي تفكك محتمل للمملكة المتحدة لن تتوقف عند خسارة جزء من الناتج المحلي، بل ستمتد إلى إعادة توزيع الإيرادات والإنفاق والدين والأصول، فضلاً عن إعادة تشكيل العلاقات التجارية والاستثمارية بين الاقتصادات التي تعمل حالياً ضمن سوق واحدة.
وأوضحوا أن حجم التأثير سيتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة الترتيبات التي ستنشأ بعد الانفصال، خصوصاً في ملفات التجارة والضرائب وحركة العمالة والطاقة والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، مشيرين إلى أن جانباً مهماً من التداعيات قد لا يظهر فوراً، وإنما يتبلور تدريجاً عبر الاستثمار والإنتاجية وتدفقات التجارة وكلفة الأعمال.
وقال رئيس قسم الأبحاث في "إيكويتي غروب" رائد الخضر إن التأثير الاقتصادي لأي انفصال لن يتحدد بحجم الناتج الذي سيخرج من الحسابات البريطانية فقط، لأن العامل الأكثر أهمية سيكون صورة العلاقة المالية والاقتصادية التي ستنشأ بعد الانفصال.
وأوضح أن لندن قد تتخلص من جانب من الإنفاق، لكنها ستفقد في المقابل جزءاً من الإيرادات الضريبية والنشاط الاقتصادي، فضلاً عن أن إعادة توزيع الدين والأصول الحكومية ستكون من أكثر الملفات تعقيداً في أية تسوية.
وأشار الخضر إلى أن تحويل العلاقة الحالية من سوق داخلية موحدة إلى علاقة بين دولتين يمكن أن يرفع تكاليف الشركات ويؤثر في حركة الاستثمار وسلاسل الإمداد، خصوصاً إذا ظهرت اختلافات في الأنظمة الضريبية والتنظيمية والتجارية.
أوروبا تدخل المعادلة
من جانبه، قال المتخصص في الاقتصاد الدولي محمد كرم إن التأثير الأوسع لأي انفصال سيظهر في إعادة تشكيل العلاقات التجارية والاقتصادية داخل الجزر البريطانية، خصوصاً أن حجم التبادل بين الأقاليم وبقية المملكة المتحدة يجعل إقامة حدود اقتصادية جديدة أكثر تعقيداً من مجرد عملية فصل سياسي.
وأضاف أن أي تباين في القواعد التنظيمية والضريبية والجمركية، أو في ترتيبات حركة العمالة، قد يرفع كلفة التجارة ويؤثر في قرارات الشركات وتدفقات الاستثمار.
وتزداد المعادلة تعقيداً إذا سعت إحدى الدول الجديدة إلى بناء علاقة مختلفة مع الاتحاد الأوروبي، إذ أوضح كرم أن دخول بروكسل على خط الترتيبات الجديدة قد يعيد رسم العلاقات التجارية بين لندن والدول المنفصلة والاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن جانباً مهماً من الكلفة الاقتصادية قد لا يظهر فوراً في أرقام الناتج، وإنما يتبلور تدريجاً عبر الاستثمار والإنتاجية وتدفقات التجارة، بحسب طبيعة الترتيبات التي ستنشأ بعد الانفصال.
ليس كل إنفاق وفراً
ويرى المستشار المالي محمود عطا أن الحساب المالي لأي انفصال ينبغي أن يبدأ من صافي الأثر، وليس من حجم الإنفاق العام وحده، لأن خروج الأقاليم سيعني في الوقت نفسه خروج جزء من قاعدة المستهلكين والشركات ودافعي الضرائب من اقتصاد المملكة المتحدة المتبقية.
وقال عطا إن البعد الاستراتيجي سيكون جزءاً من الكلفة الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والبنية التحتية والموانئ والقدرات الدفاعية، موضحاً أن تسوية أوضاع هذه الأصول لن تكون مسألة محاسبية فحسب، وإنما ستتطلب ترتيبات واتفاقات طويلة الأجل تحدد كيفية إدارتها والاستفادة منها بعد الانفصال.
وأضاف أن مقارنة ما قد ينخفض من التزامات الإنفاق بما ستفقده الخزانة من إيرادات، لا تكتمل من دون احتساب الآثار غير المباشرة في النشاط الاقتصادي والتجارة والاستثمار.
ويكتسب هذا الحساب أهمية خاصة في حالتي ويلز وأيرلندا الشمالية، إذ يبرز وزن الإنفاق العام والالتزامات المالية بصورة أكبر في المعادلة، بينما تتقدم في الحالة الاسكتلندية ملفات الطاقة وحجم الاقتصاد وتشابك التجارة مع بقية المملكة المتحدة.
نفط بحر الشمال يدخل المعادلة
وتكتسب الحال الاسكتلندية بعداً إضافياً مع دخول النفط والغاز في الحساب، إذ لا يتعلق الأمر بحجم اقتصاد اسكتلندا وإيراداتها الضريبية فحسب، وإنما أيضاً بمصير موارد بحر الشمال وكيفية توزيعها في حال قيام دولة مستقلة.
لكن هذه الإيرادات لا تمثل مورداً ثابتاً يمكن التعويل عليه لتعويض الضغوط المالية المصاحبة للاستقلال، إذ تتأثر حصيلة النفط والغاز بالأسعار والإنتاج وربحية الحقول والنظام الضريبي. وتظهر البيانات نفسها أن إيرادات بحر الشمال على مستوى المملكة المتحدة تراجعت من نحو 5.5 مليار جنيه استرليني (7.36 مليار دولار) في 2023-2024 إلى 4.45 مليار (5.96 مليار دولار) في العام التالي، ثم إلى 3.93 مليار (5.26 مليار دولار) خلال 2025-2026.
بجانب أن مبلغ 3.2 مليار جنيه استرليني (4.28 مليار دولار) يمثل حصة جغرافية تقديرية، وفق منهجية تقرير GERS، وليس توزيعاً قانونياً مقرراً مسبقاً لموارد بحر الشمال في حال الاستقلال، إذ تستند المنهجية إلى تقسيم جغرافي تقديري للحقول والإيرادات بين اسكتلندا وبقية المملكة المتحدة.
وبذلك تمنح موارد بحر الشمال اسكتلندا أصلاً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً في أية مفاوضات مستقبلية، لكنها لا تحسم بمفردها معادلة المالية العامة. فإيرادات بحر الشمال لم تمثل سوى نحو 3.2 في المئة من إجمالي الإيرادات المقدرة لاسكتلندا خلال 2025-2026، في مقابل عجز مالي بلغ نحو 25.3 مليار جنيه استرليني (33.87 مليار دولار).
وتكشف هذه الأرقام عن معادلة أكثر تعقيداً، فالاستقلال قد يمنح اسكتلندا السيطرة على جانب مهم من الموارد البحرية والإيرادات المرتبطة بها، لكنه سيضع على عاتقها في الوقت نفسه مسؤوليات كانت موزعة داخل المملكة المتحدة، تشمل تمويل الإنفاق العام والاقتراض وإدارة حصتها المحتملة من الدين، إلى جانب بناء وتمويل مؤسسات الدولة الجديدة.
الحدود أغلى من خطوط الخرائط
ولا تتوقف حسابات الانفصال عند المالية العامة والطاقة، إذ تمثل التجارة إحدى أسرع القنوات التي يمكن أن تنتقل عبرها التداعيات الاقتصادية، خصوصاً في ظل عقود من العمل داخل سوق بريطانية واحدة تتداخل فيها حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال وسلاسل الإمداد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبلغت صادرات اسكتلندا إلى بقية المملكة المتحدة نحو 55.4 مليار جنيه استرليني (74.6 مليار دولار) خلال 2023، مما يعكس أهمية السوق البريطانية للشركات الاسكتلندية وحجم الروابط الاقتصادية التي سيكون على الطرفين إعادة تنظيمها في حال الاستقلال.
ولا تسير هذه الروابط في اتجاه واحد، إذ تتشابك الشركات وسلاسل التوريد والأسواق بين اسكتلندا وبقية بريطانيا، ومن ثم فإن ظهور حدود اقتصادية أو اختلافات في الأنظمة الضريبية والتنظيمية والتجارية قد يضيف تكاليف جديدة إلى حركة الأعمال في الاتجاهين.
وهنا تصبح طبيعة العلاقة التي ستنشأ بعد الاستقلال عاملاً حاسماً في تحديد الكلفة، إذ سيختلف الأثر بصورة كبيرة بحسب ما إذا تمكن الطرفان من الحفاظ على انسيابية التجارة الحالية، أو ظهرت ترتيبات جديدة تفرض إجراءات وكلفة إضافية على الشركات والمستهلكين.
أصول استراتيجية على طاولة التقسيم
لا تنتهي حسابات التفكك عند الضرائب والدين والتجارة، إذ ستدخل البنية التحتية والموانئ وشبكات الطاقة والأصول الحكومية والقدرات الدفاعية ضمن ترتيبات أي انفصال، مما ينقل العملية من مجرد تسوية مالية إلى إعادة صياغة للعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الدول الأربع.
وبذلك، فإن تفكك المملكة المتحدة إذا انتقل يوماً من المطالب السياسية إلى التنفيذ، لن يكون مجرد خصم لناتج اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية من حجم الاقتصاد البريطاني.
بل سيعني إعادة ترتيب المالية العامة والعلاقات التجارية، والتفاوض على الدين والأصول وموارد الطاقة، ووضع قواعد جديدة لحركة التجارة والاستثمار، بما قد يفتح أمام لندن والعواصم الجديدة مساراً طويلاً من المفاوضات حول الحقوق والالتزامات التي كانت تدار سابقاً داخل دولة واحدة.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الاقتصادي الأهم هو كم سيتراجع حجم اقتصاد المملكة المتحدة بعد الانفصال، وإنما كيف سيعمل الاقتصاد الذي سيبقى، وكيف ستعمل الاقتصادات الجديدة، بعدما تتحول الحدود السياسية إلى حدود مالية وتجارية واقتصادية أيضاً.