Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شاعرات عربيات يجسدن أصوات احتجاج ضد العالم

تجارب جديدة تراهن على عيش اللحظة والكتابة من داخل الحياة

لوحة للرسام أسامة دياب (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

صدرت أربعة دواوين جديدة لشاعرات من مصر وفلسطين ولبنان، تتجلى فيها انزياحات قصيدة النثر العربية في أحدث صيغها ومعالجاتها. وهنا تنقلب الأنا الهشة المتهشمة إلى قوة شفيفة تتسرب برفق من الحواس، لتواجه ما حولها من أهوال.

تراهن الشعرية العربية الجديدة على الفعل الفردي على رغم انشطار الذات وتفتتها وتلاشيها حد الامِّحاء الكامل. وتمتلك يد الكتابة  المغامرة جماليات وآليات قادرة على مقاومة العالم الكابوسي وتقتحم معاقل الخطر، على رغم الطابع الهامس للحروف، ربما إلى درجة الصمت، والاكتفاء بالمسكوت عنه.

هي ثورية النص نفسه، التي تنبع من خميرته الداخلية النشطة بعفوية ومن غير ادعاءات، وتحيل الانفلات والتمرد والرفض إلى تجربة كتابة بقدر ما هي تجربة حياة. لا يطمح الشعر هنا إلى تسجيل انتصارات بالمعنى الشعاري ولا بالنكهة الاحتفالية، وإنما يصنع ببساطة أنفاساً فطرية مدهشة تتسلل بخفة إلى مساحة خفية من الوجود المختنق بالبارود والأدخنة، والشرور والمآسي والهواء الفاسد.

في فضاء هذا المسرح الدراماتيكي الذي لا تتوقف صراعاته بين واقع ميكانيكي شرس وذوات تتشبث بآدميتها وتدافع عن حريتها التعبيرية، يأتي صدور أربع مجموعات شعرية جديدة، هي: "ورق ملون" للشاعرة المصرية رنا التونسي (منشورات المتوسط)، "والآن تعال أيها العالم" للشاعرة الفلسطينية داليا طه (منشورات المتوسط)، "خط متقطع" للشاعرة اللبنانية ليندا نصار (دار النهضة العربية)، "أبتر فرعي من شجرة العائلة" للشاعرة المصرية آلاء فودة (منشورات المتوسط).

رنا التونسي... "ورق ملون"

في مجموعتها "ورق ملون"، ترسم الشاعرة المصرية رنا التونسي (1981-) أضواءها وظلالها، ليس كتخييلات منفصمة عن حاضرها "لم أعد أسبح في الحلم"، وإنما كـ"دموع متحجرة" تشحذها وتقذفها مثل سكين في وجه الطريق الخاطئ، عساها أن تقطعه، في لعبة طفولية تليق ببهجة العاشقين وهزلهم.

وتواصل صاحبة المجموعات الشعرية "ذلك البيت الذي تنبعث منه الموسيقى" و"فهرس الخوف" و"وطن اسمه الرغبة" و"تاريخ قـصير" و"قبلات" وغيرها، في ديوانها الجديد، رهانها على إمكانية دخول "ورق كثير ملون إلى البيت"، ففي كل مدينة جدار يمكن أن ينشق، وثمة دائماً شخص بمقدوره أن يفتح النافذة.

تتلاحق الصور الكثيفة في نصوص الديوان المتسارعة، كنبضات القلب المضطرب، وكدقات الساعة العصرية اللاهثة، وهي صور ملتقطة بعدسة قادرة على التقريب والتضخيم، والإبعاد والتصغير، وتوليد السخرية وتشكيل المفارقات، وتلوين المشاهد والعلاقات بحسب الحال المزاجية الممسوسة بالسحر والمرح "هناك جنية، تسحبني من ضوء إلى آخر، ولا شيء يرافقني، سوىاندبندنت عربية) الضحكات".

والأهم من ذلك كله، أنها عدسة قادرة على قراءة تناقضات الذات، الواثقة والمتشككة "في المرآة، أرى نفسي ناقصة مرتين"، وعلى تلوين ما لا لون له في حياة قاتمة، وحذف الزوائد والشوائب من لون حقيقي مهمش أو مرتجف أو منفي خارج الصخب، ومحو اللون نفسه إذا كان مزيفاً أو مخادعاً، وصولاً إلى ذروة التجرد "اتركني أذهب إلى النهر، أدفع قارباً للانتحار، وأعود عارية".

داليا طه... "تعال أيها العالم"

وفي ديوانها "والآن تعال أيها العالم"، تلوذ الشاعرة الفلسطينية داليا طه (1986-) بالحروف الاستباقية الدالة "تعال أيها الشعر" لتحميها من أن يهاجمها العالم المجبول على القسوة، شرط أن يكون ذلك "أول شيء في الصباح" قبل أن تستيقظ تماماً. وتمزج الشاعرة الواقعي والحلمي معاً مثلما تفتح جرحها الذاتي على الوجع الفلسطيني المرعب، ذلك الشاهد الحي على تلوث الضمير الإنساني والنزف الجمعي للكائنات "في الحرب، على الكلمات والأشجار فاكهة ودم". ليس الشعر درعاً بمعنى الوقاية من نيران المعارك، ولكن بالشعر "تستطيع أن تحول حزنك إلى فكرة، وتمنحه للآخرين، كما تمنح الأشجار ظلالها للجدران والأرصفة".

تطلق صاحبة المجموعات الشعرية "عرافو السواد" و"أقل مجازاً" و"سيرة سكان مدينة ر"، في ديوانها الجديد، عشرات النداءات "تعال أيها الـ.../ تعالي أيتها الـ..." كعناوين لنصوصها القصيرة، ذات الطبيعة المسرحية. وتتحاور الذات المتكلمة في كل مشهد أو موقف أو لقطة تحاوراً جدلياً مع من (أو ما) تناديه: تعال أيها الأسير، تعال أيها الصمت، تعالي أيتها الشمس، تعالي أيتها الأغاني العسكرية، إلخ.

ومن خلال هذه الحوارات الثنائية بين الأنا والآخرين، لا ترمي الذات الشاعرة إلى لملمة نثاراتها من الشتات، ولكنها تنسج من تفاصيل الغياب ذاته ومن خيوط المحنة سرديات صغيرة تجعل الحياة مشروعاً قابلاً للتحقق والاستيعاب خارج متون الخرائط الكبرى الممزقة.

من هذا المنظور، على سبيل المثال، يأتي حديثها عن العشب، الذي لا يكف عن لغة المقاومة "في حياته القصيرة جداً، لا يتوقف عن المفاجأة. فتجده داخل البيوت المهدمة، يخرج من الحجارة، ويزحف بين قطع البلاط على الأرض". ومن المنظور ذاته، وفي أحلك الظروف وأشدها قهراً، تتوجه بندائها إلى الأغنيات بقولها "نحتاجك في الليالي، التي لا نتوقف فيها عن لوم أنفسنا".

ليندا نصار... "خط متقطع"

وتهدي الشاعرة اللبنانية ليندا نصار (1981-) ديوانها "خط متقطع" إلى "اللاأحد"، في خدعة تشي ظاهرياً بعزلة اختيارية أو إجبارية ترتضيها الذات على نحو ما، فيما هي في الحقيقة تكابد ويلات هذه الوحدة، متطلعة ولو على مستوى اللاوعي إلى خطوط متصلة مع الآخرين والعالم من حولها، عساها أن تنتشلها من الهزيمة والتخبط "هذا العالم لا يتسع لقصيدة، تمحو حزناً، وترسم مشهداً عائماً، وسط كائنات مليئة بالعزلة. في الجانب المظلم، العمى: مفتاح الحياة".

تُبحر صاحبة المجموعات الشعرية "اعترافات مجنونة" و"إيقاعات متمردة" و"طيف بلا ظل" و"لأني في عزلة"، في مجموعتها الجديدة، صوب استقصاء جوهر المعاني والعلاقات، متفادية الصدام مع ما لا تحب ولا تفهم من موجودات، ومتسائلة عن ماهية الذات وجدوى التسميات والأشياء في هذه الحياة، وعلى رأسها الحرب والحب والكلمات "سأكتب عن طفل سألني: لماذا الحرب؟ عن روائح الدم، عن الأرواح المظلومة، عن... سأكتب، ولن تجدوا في كتابتي نفعاً. حتى الكلمات صارت أشباحاً ترفرف في الفراغ. فما جدوى الكتابة؟ وما جدوى الحرب؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتلاقح الأخيلة الخصبة في تجربة الشاعرة خالقة مدىً بصرياً متسعاً على رغم اختزال النصوص في هيئة ومضات برقية. وتأتي المشاهد الحركية الموصوفة، داخل الذات وخارجها، بمثابة رتق لما هو ممزق وما لا يكتمل، وقبض افتراضي على سراب متبخر وعمر متبدد "تعلمت أن أرمم نفسي بصور ممزقة. أقبض على لحظات تهرب من كفي، باهتة مثل شمس تشرين، ورماد يتساقط فوق البياض. يختنق الكلام في حلقي كغيمة، يوم واحد يمر صامتاً، يمضي كما الفرح، كما يتوارى الحزن، وكما تنزلق الأرقام من الذاكرة".

آلاء فودة... "شجرة العائلة"

وفي ديوانها "أبتر فرعي من شجرة العائلة"، وعلى عكس العنوان المراوغ، تنحاز الشاعرة المصرية آلاء فودة (1991-) إلى الوصل لا القطع، على أنها توسع مفهوم ذلك الوصل ليغدو استشعاراً للألفة والائتناس بالآخر، والغوص الغامض فيه، لا مجرد قرابة أو نسب. بل إن معنى أن تكون شاعراً، وفق عبارة الشاعرة والروائية النيوزيلندية "لانج لييف" التي أوردتها في مفتاح الديوان، هو "أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة، الكل يرى ما بداخلك، لكن، لا أحد يدرك من أنت".

تسعى صاحبة المجموعتين الشعريتين "بحة في عواء ذئب"، و"شامة أعلى الرحم"، في ديوانها الثالث الجديد إلى اكتشاف كل ما يخص جوانياتها بصورة منفردة من جهة "شكلت حمضاً نووياً يخصني وحدي"، وفي ارتباطها بالآخرين من جهة أخرى، وهو ارتباط وثيق لا يمكن التحلل منه معملياً أو حتى خيالياً، بل يزداد الشعور به مع كل إعلان متكرر لموت العائلة "في كل مرة تموت فيها العائلة، أخرج قلبي من منجمه. يبكي، وأبكي معه".

عن التحقق تبحث الذات المنسلخة من جذورها، المتمردة على موروثها، الآبقة من إسارها، ولكنها لا تجد غضاضة أيضاً في الاعتراف بنقصانها، خارج الحدود القبلية التي ترفضها، ولا تنفك تفتش عما ينقصها في خريطة الذاكرة، وفي فروع شجرة العائلة الممزقة. هي الرغبة العارمة في التحرر الجسور المطلق، ولكن الصدمة العاتية أن محاولات التحرر تبقى عادة مشروطة وساذجة وواهمة "دودة قز تغزل ملايين الخيوط، أملاً في التجرد من كونها دودة قز. لها نفس الكف/ الأنف/ الأصابع/ الشعر/ والغمازة. لها نفس القسوة، وأمل طفيف في محو ما مضى. لكنها، قبل أن تصير فراشة، وقبل أن يخرج من نسلها الحرائر، تقع في حب الشرنقة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة