Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب السودانية في رحلة البحث عن مرفأ

باتت السيطرة على الساحل أهم من الخرطوم أو دارفور لأنها تبقي البلاد متصلة بالموانئ والتجارة والإمداد والعالم الخارجي

بورتسودان كانت بعيدة من خطوط القتال لكنها تحولت خلال الحرب إلى مركز خلفي للحكومة والجيش (أ ف ب)

ملخص

تعد بورتسودان آمنة نسبياً فقط ما دامت الحرب بعيدة عنها، لكن انتقال الصراع إلى البحر الأحمر، ووصول المسيرات إلى منشآت حيوية، أسقط افتراض "العمق الآمن". وفي دولة تخوض حرباً مفتوحة، لا يمكن بناء العاصمة الدائمة في موقع يصبح فيه الميناء والمطار والمنشآت الحيوية أهدافاً عسكرية مباشرة.

أعاد انتقال مؤسسات الدولة السودانية من الخرطوم إلى بورتسودان، في الأسابيع الأولى للحرب، توزيع الثقل السياسي والأمني للدولة على خريطة السودان. فخلال نحو 33 شهراً، تحولت المدينة من عاصمة ولاية وميناء رئيس على البحر الأحمر إلى مركز موقت لإدارة الدولة، واستضافت مؤسسات الحكومة والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الإنسانية، وأصبحت نقطة الارتكاز التي اتصل منها السودان بالعالم الخارجي في وقت تعطلت العاصمة التاريخية وتفككت شبكاتها الإدارية والاقتصادية. ولم يبدأ الانحسار الرسمي لهذا الدور إلا مع عودة الحكومة إلى الخرطوم في الـ11 من يناير (كانون الثاني) الماضي.

غير أن أهمية بورتسودان لم تكن نتاج الحرب وحدها، فقد أعادت الحرب إظهار قيمة جغرافية كانت قائمة قبلها، موقع المدينة على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، واتصالها بالموانئ والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وقربها من المجال الاستراتيجي للخليج العربي وشرق أفريقيا.

ومن هذه الزاوية، لم يكن انتقال مؤسسات الدولة مجرد حركة داخلية من عاصمة إلى أخرى، بل انتقالاً لمركز القرار نحو مساحة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية مع مصالح إقليمية ودولية متنافسة.

لكن المفارقة الاستراتيجية أن الموقع الذي منح بورتسودان أهميتها منحها أيضاً قابلية أعلى للاستهداف، ففي مايو (أيار) الماضي، وصلت هجمات المسيرات إلى الميناء والمطار ومنشآت الوقود والكهرباء، لتؤكد أن المسافة عن الجبهات التقليدية لم تعد توفر بالضرورة عمقاً أمنياً.

ومنذ ذلك الحين، بات شرق السودان يقرأ على نحو مختلف، ليس بوصفه ملاذاً خلفياً للحكومة، ولا كطرف جغرافي بعيد من الحرب، وإنما كمساحة تتقاطع فيها الحرب السودانية مع أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة العالمية، والمنافسة على الموانئ والبنية التحتية، وحسابات القوى الإقليمية والدولية، فقد كشفت الحرب أن الجغرافيا التي تمتد من العاصمة إلى الساحل أصبحت جزءاً من معركة أوسع على الدولة ومنافذها ومواردها وموقعها في النظام الإقليمي.

مفارقة الشرق

 نشأت مدينة بورتسودان الحديثة في مطلع القرن الـ20 مع صعود الميناء الجديد على حساب ميناء سواكن، ففي عام 1905 تقرر تطوير الموقع المعروف تاريخياً بمرسى الشيخ برغوت، ورست أول باخرة فيه عام 1906، قبل افتتاح الميناء رسمياً عام 1909، ومنذ ذلك الوقت أخذت بورتسودان تتجاوز وظيفة المرفأ التجاري لتصبح إحدى أهم نقاط اتصال الدولة السودانية بالعالم الخارجي.

 وقبل ظهور المدينة نفسها، كانت سواكن ومحيطها أحد المسارح المهمة للثورة المهدية في شرق السودان في ثمانينيات القرن الـ19، فقد قاد عثمان دقنة، أحد أبرز القادة الميدانيين للمهدية، قوات من مجموعة "شعب البجا" ضد الوجود الإنجليزي- المصري، ودارت حول سواكن وشرقها معارك "التِب" و"تماي" و"توفريك" و"حَشين"، ولذلك فإن الجغرافيا التي ستنشأ فيها بورتسودان لاحقاً كانت قد اكتسبت، قبل ولادة المدينة الحديثة، قيمة عسكرية مرتبطة بالسيطرة على الساحل وطرق الحركة والإمداد، وأسندت تلك المعارك إلى الإقليم الذي أصبحت المدينة لاحقاً مركزه البحري والسياسي.

 

 

ومع قيام الدولة الحديثة، ترسخت مفارقة الشرق السوداني، أهمية اقتصادية متزايدة يقابلها شعور سياسي متراكم بالتهميش، وظلت العلاقة بين المركز والأطراف حاضرة في احتجاجات بورتسودان، من اضطرابات 2013 إلى الاحتجاجات التي سبقت سقوط نظام البشير، ثم بصورة أكثر وضوحاً في احتجاجات "البجا" عام 2021، حين تحولت الطرق والميناء إلى أدوات ضغط سياسي عطلت حركة التجارة والإمدادات وأظهرت مقدار اعتماد الدولة على الساحل.

 تكشف هذه السوابق عن نمط بالغ الأهمية، في شرق السودان لا تحتاج القوى المحلية إلى السيطرة على مساحة واسعة كي تؤثر في الدولة، يكفي أحياناً تعطيل مرفق استراتيجي أو قطع طريق رئيس حتى تنتقل آثار الصراع من المستوى المحلي إلى الاقتصاد الوطني، وهنا تكمن خصوصية بورتسودان، فالميناء ليس بنية اقتصادية فحسب، بل أداة ضغط سياسي، وهدفاً عسكرياً، ومصدراً للنفوذ والمعلومات، ونقطة يمكن عندها تحويل الجغرافيا إلى قوة تفاوضية.

العمق الآمن

 أظهرت تجربة بورتسودان أن الدولة السودانية تستطيع، تحت ضغط الحرب، أن تنقل مركز إدارتها إلى الشرق وأن تعيد تشغيل جزء معتبر من مؤسساتها بعيداً من الخرطوم، لكنها أظهرت في الوقت ذاته حدود هذا الانتقال، فالعاصمة لا تختزل في وجود الحكومة، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة من السكان والخدمات والنقل والمال والأمن والاتصال والقدرة على إدارة دولة مترامية الأطراف، وبورتسودان لم تكن مهيأة لهذا الحجم من الوظائف قبل الحرب، ولم تستطع سنوات النزاع أن تمنحها البنية اللازمة في وقت كانت موارد الدولة نفسها تتآكل.

العائق الأول كان بنيوياً، فالمياه والكهرباء والسكن والصحة والنقل ظلت دون مستوى مدينة يراد لها أن تستوعب جهاز الدولة بصورة دائمة، فيما أدى تدفق النازحين والموظفين والدبلوماسيين إلى مضاعفة الضغط على موارد محدودة أصلاً، وزاد فشل سد أربعات في أغسطس (آب) 2024 من تدهور منظومة المياه، بينما ظلت الكهرباء عرضة للانقطاع والاعتماد على ترتيبات مكلفة وغير مستقرة.

أما العائق الثاني فهو جغرافي- استراتيجي، إذ تعد بورتسودان آمنة نسبياً فقط ما دامت الحرب بعيدة عنها، لكن انتقال الصراع إلى البحر الأحمر، ووصول المسيرات إلى منشآت حيوية، أسقط افتراض "العمق الآمن"، وفي دولة تخوض حرباً مفتوحة، لا يمكن بناء العاصمة الدائمة في موقع يصبح فيه الميناء والمطار والمنشآت الحيوية أهدافاً عسكرية مباشرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وثمة عائق سياسي أعمق، أن نقل العاصمة بصورة دائمة كان سيعني، عملياً، إعادة توزيع تاريخي للسلطة والثروة بين المركز والشرق، بما يفتح أسئلة حساسة حول تمثيل أقاليم السودان الأخرى، ومصير الخرطوم، وتوازنات الدولة بعد الحرب، لذلك كان إبقاء بورتسودان مركزاً موقتاً أكثر قابلية للإدارة من تحويلها إلى عاصمة دائمة.

لهذا جاءت العودة إلى الخرطوم منطقية سياسياً واستراتيجياً، فالحكومة أعلنت عودة نهائية وشاملة إلى العاصمة، فيما ظلت بعض الوظائف التنسيقية في بورتسودان، ولم يكن ذلك إلغاء للدور الذي اكتسبه الشرق، بقدر ما كان اعترافاً بأن بورتسودان أثبتت قدرتها على أن تكون مركزاً للدولة في زمن الحرب، لا بديلاً مستداماً عن مركزها التاريخي.

أثر تراكمي

 كان استهداف بورتسودان بالمسيرات في مايو نقطة تحول في طبيعة الحرب، لأن الضربات لم تتجه إلى تجمعات عسكرية معزولة، بل إلى البنية التي تجعل المدينة مركزاً للقيادة والإمداد والاتصال بالدولة والعالم الخارجي، فقد طالت الهجمات مطار بورتسودان ومحيطه، ومستودعات الوقود، ومنشآت محطة الحاويات، ومحولاً كهربائياً، كما أصيب فندق في محيط المنشآت الحكومية والعسكرية، وفي الوقت ذاته أعلن الجيش اعتراض مسيرات كانت تتجه نحو القاعدة البحرية الرئيسة في المدينة، واتهم الجيش قوات "الدعم السريع" بتنفيذ الهجمات، بينما لم تعلن الأخيرة مسؤوليتها عنها.

ضرب هذه المواقع في وقت متقارب خلق أثراً تراكمياً يتجاوز كل هدف منفرد، وحول الهجوم من عملية إزعاج عسكري إلى محاولة لخفض قدرة المدينة على أداء وظائفها الأساسية، وحذرت الأمم المتحدة من أن بورتسودان كانت المدخل الرئيس للموظفين والمساعدات والمواد الطبية، وأن تعطيل المطار والوقود انعكس مباشرة على العمليات الإنسانية وسلاسل الإمداد.

كشفت الضربات عن تغير جوهري في مفهوم العمق الجغرافي، فبورتسودان كانت بعيدة من خطوط القتال، وتحولت خلال الحرب إلى مركز خلفي للحكومة والجيش، لكن المسيرات جعلت المسافة أقل قدرة على توفير الحماية، ومع ظهور مؤشرات لاحقة إلى استخدام مسيرات بعيدة المدى في الحرب، يصل مداها المحتمل إلى نحو 2000 كيلومتر، أصبح العمق نفسه بحاجة إلى دفاع جوي وإنذار مبكر واستطلاع وحماية للمنشآت الحيوية.

 

 

وتكتسب المسألة بعداً جيوسياسياً بحكم موقع بورتسودان على البحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح السودانية مع حسابات القوى الدولية، ومع أمن الممرات البحرية وباب المندب، لذلك لا ينظر إلى الهجمات باعتبارها مجرد امتداد لجبهة داخلية، فقد جعلت الحرب من الساحل السوداني جزءاً من بيئة أمنية إقليمية أوسع، وبذلك أصبحت بورتسودان اختباراً لقدرة الدولة السودانية على حماية مركزها الخلفي، والحفاظ على تدفق الإمدادات، وتأمين منفذها البحري والجوي، وإبقاء مؤسساتها قادرة على العمل تحت ضغط نيران بعيدة المدى.

توقعات محتملة

يتوقع أن يتحول شرق السودان من "عمق خلفي" إلى جبهة استراتيجية من نوع مختلف، ليس بالضرورة عبر اجتياح بري واسع، وإنما عبر حرب بعيدة المدى تستهدف الموانئ والمطار والطاقة والطرق ومراكز القيادة، فقد أثبتت ضربات المسيرات أن الجغرافيا التي منحت الشرق أمناً نسبياً في بداية الحرب تتآكل قيمتها الدفاعية مع اتساع مدى النيران ودقة الاستهداف، ووصول الهجمات إلى بورتسودان وكسلا، ثم امتدادها إلى منشآت حيوية، يعني أن المسافة لم تعد ضمانة، وأن حماية الساحل ستصبح مرتبطة بالإنذار المبكر والدفاع الجوي وتوزيع البنية التحتية أكثر من ارتباطها ببعدها عن الجبهات.

لكن احتمال تحول الشرق إلى مسرح بري شامل يظل أقل، في المدى القريب. فالقوات المسلحة لا تزال تمسك بالولايات الشرقية والساحل، بينما لا يمتلك "الدعم السريع" موطئ قدم مستداماً هناك، لذلك تبدو فرضية "الحرب على وظائف الشرق" أكثر ترجيحاً من فرضية الاستيلاء عليه بتعطيل الميناء، وإنهاك سلاسل الإمداد، وضرب المطار والطاقة، واستنزاف قدرة الدولة على استخدام الساحل كصلة بالعالم الخارجي.

ومع ذلك، فإن المتغير الأهم ليس عسكرياً فقط، فالشرق ليس كتلة سياسية متجانسة، إذ تتقاطع فيه مطالب مجموعة "شعب البجا"، والنزاعات على الأرض، والمصالح التجارية، وتشكيلات مسلحة وقوى محلية لها حساباتها المستقلة، وقد ظهرت بالفعل توترات بين الجيش ومكونات بجاوية في بورتسودان، وإذا طال أمد الحرب، فقد تصبح توترات العلاقة بين المركز والشرق أكثر أهمية من قدرة أي طرف على نقل قواته إليه.

وعليه، فإن السيناريو الأرجح هو تحول الساحل إلى مركز ثقل سياسي واقتصادي واستخباراتي في الحرب، فالصراع لم يعد يحسم فقط بمن يسيطر على الخرطوم أو دارفور، بل بمن يستطيع إبقاء السودان متصلاً بالموانئ والتجارة والإمداد والعالم الخارجي، وتزداد حساسية ذلك مع تنافس القوى الإقليمية على البحر الأحمر، ومع استمرار تدفق السلاح والتمويل الخارجي الذي تطالب واشنطن بوقفه.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل