Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشروع سكك حديد يعيد رسم خريطة الجزائر الاقتصادية

تتطلع البلاد إلى فك العزلة وتحريك عجلة التنمية وتمتين العلاقات مع الدول الأفريقية

الانتقال من اقتصاد تثقله المسافات الطويلة وكلف النقل المرتفعة إلى اقتصاد أكثر اندماجاً مع الأسواق المحلية والأفريقية (وسائل التواصل)

ملخص

الخط الممتد على مسافة تفوق 2200 كيلومتر من أبرز المشاريع وطول الشبكة مرشح لبلوغ 6500 كيلومتر عند اكتمال البرنامج الجاري إنجازه و15 ألف كيلومتر بحلول 2030

تمنح الجزائر اهتماماً بالغاً بخطوط سكك الحديد التي تربط مختلف مناطق البلاد، لا سيما باتجاه الجنوب إلى حدود مالي والنيجر، ويبقى الممتد بين عاصمة الصحراء تمنراست وشمال البلاد على مسافة تفوق 2200 كيلومتر، من أبرز المشاريع التي توجد ضمن الأولويات الاستراتيجية في غضون العامين المقبلين، مما من شأنه إنعاش الدورة الاقتصادية إلى مستويات متقدمة.

رهان ربط المناطق الحدودية بشبكة سكك الحديد

وتعمل الجزائر ضمن رؤية تستهدف ربط مناطقها الحدودية بشبكة سكك حديد وطنية، تمهيداً لربطها بدول الجوار في منطقة الساحل، في مسعى إلى فك العزلة وتحريك عجلة التنمية وتمتين العلاقات مع الدول الأفريقية لا سيما اقتصادياً وتجارياً، مما دفعها إلى إطلاق مشاريع سكك الحديد الاستراتيجية كإحدى أهم الورشات التي تراهن عليها، لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجنوب وربط مناطقه الداخلية بالموانئ والأسواق الوطنية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد توسيع شبكة النقل، وإنما بمسار اقتصادي متكامل يستهدف تحويل سكك الحديد إلى أداة لرفع قدرات الإنتاج، وتسهيل نقل المواد الأولية، وتقليص كلف اللوجيستيك، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في المناطق الصحراوية، بما يعزز الجنوب الكبير في معادلة التنمية الوطنية.

التنقل من الجنوب إلى الشمال في 8 ساعات

وسبق أن وعد الرئيس عبدالمجيد تبون منذ انتخابات عام 2019 سكان مناطق الجنوب بربط تمنراست وهي كبرى مدن أقصى الصحراء الجزائرية، بخط سكة حديد يسمح بالوصول إلى العاصمة ومدن الشمال في غضون ثماني ساعات، مما جعله يصف خلال اجتماع لمجلس الوزراء، المشروع بـ"الاستراتيجي" والإنجاز التاريخي غير المسبوق للجزائر.

وتبلغ كلفة المشروع 3.5 مليار دولار، وفي بداية يوليو (تموز) الماضي أعلن البنك الأفريقي الموافقة على منح الجزائر قرضاً تنموياً بقيمة 3 مليارات لإنجاز سكة الجنوب، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت الوكالة الحكومية لدراسات الهندسية لسكك الحديد، انتهاء الدراسات الخاصة بإنجاز 1048 كيلومتراً ضمن خط يربط بين العاصمة الجزائرية ومدينة تمنراست أقصى جنوب البلاد.

بينما يجري استكمال الدراسات الخاصة بالمقطع الثاني الرابط بين عين صالح وتمنراست على امتداد 650 كيلومتراً، ودراسة خاصة بإنجاز خط سكة على مسافة 400 كيلومتر إلى مدينة عين قزام الحدودية بين الجزائر والنيجر، فيما يجري التخطيط لخط آخر هو الثالث في الصحراء، يربط بين كل من المنيعة وتميمون وأدرار جنوب البلاد، بعدما دخل القطار الذي يربط تندوف أقصى جنوب غربي الجزائر على الحدود مع موريتانيا، حيز الخدمة فعلياً في يناير (كانون الثاني) الماضي.

الوصول إلى باماكو ونيامي

ولا يتوقف الأمر عند الحدود فقط بل يتعداه ليصل إلى دول الساحل، إذ أعلن الرئيس الجزائري في تصريحات سابقة، أن بلاده تخطط لتنفيذ برنامج سكة حديد من الجزائر إلى العاصمة المالية باماكو وعاصمة النيجر نيامي، وكشف عن أن مشروع تمنراست سيمتد لاحقاً إلى النيجر، وخط آخر يمتد إلى مالي.

كذلك أعلنت الجزائر في سبتمبر (أيلول) الماضي، وخلال معرض التجارة الأفريقية، استعدادها لفتح موانئها البحرية ووضعها تحت تصرف الدول الأفريقية غير الشاطئية، لإنزال السلع والبضائع وتحويلها عبر القطار إلى أراضي هذا الدول، حيث قال الرئيس الجزائري حينها إنه "يجب أن نصل إلى مرحلة يمكن أن تستقبل الدول الأفريقية التي ليس لها شواطئ، السلع والبضائع الموجهة إليها في الموانئ الجزائرية، على أن تصل إليها بالقطار بعد 24 ساعة".

تحقيق الالتزامات الإقليمية

وفي السياق يرى الباحث في الشؤون الدولية، مبروك كاهي، أن مثل هذا الخط سيسهم بصورة كبيرة في استقرار المنطقة ويعيد فتح طرق التجارة القديمة في منطقة الساحل الأفريقي، مضيفاً أنه ستكون له نتائج تنموية مباشرة على الساكنة المحلية، إذ سيتمكن أي مواطن من أي نقطة من البلاد الشاسعة من الوصول إلى العاصمة في أقل من 24 ساعة، كذلك سيسهم بصورة كبيرة في التخفيف من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويجفف ويحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية والإرهاب المتعدد الجنسيات.

وأبرز كاهي أن هذا الخط السككي يتيح للجزائر بنية تحتية مهمة لتحقيق الالتزامات الإقليمية، بخاصة أن ما وراء البلاد دول حبيسة لا تملك منافذ بحرية، مما يهيئ الفرصة لإنشاء موانئ جافة في أقصى حدود البلاد لتنشيط التجارة.

ممرات اقتصادية جديدة

من جانبه أشار الباحث في الشؤون الاقتصادية هواري تيغرسي أن مشاريع خطوط سكك الحديد بين الشمال والجنوب لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد مشاريع للنقل، بل يمكن أن تتحول إلى ممرات اقتصادية جديدة تعيد توزيع النشاط والاستثمار نحو الجنوب، إذ يسهم في خفض كلف نقل السلع والمواد الأولية والمنتجات الفلاحية والمعدنية بين الجنوب والشمال، مضيفاً أن الجنوب الجزائري يزخر بموارد وإمكانات كبيرة، غير أن جزءاً من قيمتها الاقتصادية يبقى مرتبطاً بالقدرة على نقلها من مناطق الإنتاج نحو مراكز التحويل والاستهلاك والتصدير، لذا يمكن للسكك الحديد أن تغير المعادلة الاقتصادية، من خلال إدماج المناطق الجنوبية ضمن سلسلة إنتاج وطنية متكاملة، بدل بقائها بعيدة من مراكز النشاط والأسواق.

ورأى تيغرسي أن التحدي الاقتصادي الحقيقي يتمثل في بناء النشاط الاقتصادي حول السكة الحديد، وليس إنجازها ثم البحث لاحقاً عن النشاط الذي ستخدمه، موضحاً أن خطاً حديدياً لا يتوفر على حجم كافٍ من البضائع والأنشطة الاقتصادية قد يتحول إلى بنية تحتية مكلفة، بينما يمكن للخط الذي تتشكل حوله سلاسل قيمة ومناطق إنتاج ولوجيستيك أن يتحول إلى استثمار مولد للنمو. وأشار إلى أن خطوط سكك الحديد الرابطة بين الجنوب والشمال يمكن أن تتحول إلى مشروع لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر، عبر الانتقال من اقتصاد تثقله المسافات الطويلة وكلف النقل المرتفعة إلى اقتصاد أكثر اندماجاً مع الأسواق المحلية والأفريقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تطوير نقل حديث ومستدام

إلى ذلك كشف التقرير نصف السنوي لمجموعة "فوسلوه" الألمانية التي تختص بتصميم وتصنيع أنظمة تحويل مسارات القطارات والتقاطعات والمكونات التي تكيف وفق الخصائص الفنية لكل مشروع وشبكة حديدية، عن ارتفاع مبيعاتها في الجزائر خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مما ساعد قطاع الوحدات المصممة حسب الطلب على تعويض انخفاض الإيرادات في عدد من الأسواق الأخرى. وعلى رغم أنها لم تنشر قيمة المبيعات المحققة في الجزائر بصورة منفصلة، فإنها أدرجت السوق الجزائرية ضمن أربع أسواق سجلت نمواً، وأوضحت أن الجزائر تحصلت عام 2025 على عقود عدة لتوريد 300 محول مسار حديدي وأنظمة لتثبيت القضبان، بقيمة إجمالية بلغت نحو 68 مليون دولار.

وكان الرئيس التنفيذي لـ"فوسلوه"، أوليفر شوستر، قد وصف برنامج توسعة سكك الحديد في الجزائر بأنه مثير للإعجاب، ورأى أن العقود التي حصلت عليها المجموعة تعكس ثقة المتعاملين الجزائريين، وأنها فرصة للمساهمة في تطوير نقل حديث ومستدام داخل البلاد.

نحو أطول شبكة سكك حديد عربياً وأفريقياً

وأطلقت الشركة الوطنية للنقل في الجزائر عام 2024 برنامجاً واسعاً لشراء معدات النقل السككي بمختلف أنواعه من قاطرات عالية القدرة، وعربات نقل المسافرين، وقطارات ذاتية الدفع، وقطارات ذاتية الدفع عالية السرعة، وعربات نقل البضائع، وقاطرات مناورة، وكشفت عن تخصيص 3 مليارات دولار لعملية الشراء، كذلك نفذت برنامجاً لإعادة تأهيل وصيانة وتجديد منشآتها وخطوطها بكلفة تتجاوز 300 مليون دولار.

وشهد برنامج تطوير البنية التحتية لسكك الحديد دفعة قوية منذ عام 2020، مما سمح بزيادة طول الشبكة إلى 4722 كيلومتراً، وهي مرشحة لتبلغ 6500 كيلومتر عند اكتمال البرنامج الجاري إنجازه، و15 ألف كيلومتر بحلول 2030.

وحول الخطوط الكبرى يجري العمل على إيصال خطوط سكة الحديد إلى أقصى الجنوب، عبر خمسة مسارات أبرزها الممتد بين العاصمة الجزائر وحدود النيجر، على مسافة 2439 كيلومتراً، في حين يربط الثاني وهران غرب البلاد، بحدود مالي، على مسافة 2480 كيلومتراً، إضافة إلى المسار الرابع الواصل بين ميناء جنجن بجيجل، شرق البلاد، والحدود الجزائرية - الليبية على مسافة 2275 كيلومتراً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير