ملخص
يرى مراقبون أن المبادرة الجزائرية تحمل رسالة سياسية تتعلق بثقة الجزائر في قدرة دول الساحل على إدارة ملفاتها الأمنية بوسائلها الوطنية والإقليمية.
تتقارب المسافات بين الجزائر والنيجر بشكل يؤشر إلى مستقبل جديد ينتظر منطقة الساحل بعد توتر تبعه فتور بين دولها والجارة الشمالية، وارتقى التعاون الثنائي من الاقتصاد والتجارة والتعليم العالي وتسيير ملف الهجرة غير الشرعية إلى الدعم العسكري، إذ تسلم الجيش النيجري عتاداً يضم أربع مروحيات وتجهيزات متطورة كمساعدات عسكرية من وزارة الدفاع الجزائرية.
وكشفت وزارة الدفاع في الجزائر عن "تحويل وتسليم هبة مقدمة إلى الجيش النيجري، تتمثل في أربع مروحيات وتجهيزات عسكرية أخرى، وجرى شحن كمية من الذخائر الخاصة بذات المروحيات، إلى جانب قطع غيار وعتاد إسناد وصيانة ودعم لوجيستي".
وأشارت الوزارة في بيان إلى أن "هذه العملية التي تندرج في إطار تعزيز العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع بين البلدين الشقيقين، تأتي لتؤشر على التزام الجزائر بمواصلة دعم دول منطقة الساحل، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالدفاع والأمن وتبادل الخبرات والدعم متعدد الأشكال.
وأوضحت أن هذا القرار يرمي إلى تعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي بين الجزائر والنيجر في مختلف المجالات، لا سيما المجال العسكري، وجددت عزم الجزائر على مواصلة جهودها، بالتنسيق مع شركائها، من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
تعزيز أدوات الجزائر
ووفق متابعين، فإن الخطوة تؤكد تفعيل التعاون العسكري بشكل أكبر وأوسع بين البلدين، وتفيد بحرص الجزائر على دعم دول الساحل في تعزيز أدواتها لحفظ السيادة وضمان التفوق الجوي في وجه التهديدات المركبة التي تواجهها، بدءاً من التنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ولها دلالة تتجاوز عملية تسليم عتاد عسكري، بالنظر إلى طبيعة الحاجات الأمنية التي تواجهها النيجر والظروف التي تتحرك فيها قواتها المسلحة.
وتندرج العملية في سياق تعزيز القدرات الجوية لدول الساحل لمجابهة الجماعات الإرهابية، وتأمين قواتها العاملة على الأرض، ورفع إمكاناتها على مراقبة المجال الجوي وفرض السيادة عليه، إذ تمنح مثل هذه الأنواع من العتاد قدرة أكبر على التحرك السريع والاستجابة للتهديدات، بخاصة في المناطق الحدودية التي تعرف نشاطاً مكثفاً للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.
مقاربة شاملة
تتحرك الجزائر في الساحل وفق مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إعطاء أولوية للتعاون والتنسيق بين دول المنطقة في مواجهة الجماعات الإرهابية، إذ يعد تزويد جيوش المنطقة بآلات عسكرية ومستلزمات الصيانة والإسناد الجوي تمكيناً لها من مراقبة المساحات الصحراوية الواسعة، وتأمين الحدود المشتركة عبر تكثيف عمليات مطاردة شبكات تهريب الأسلحة، والمخدرات والجريمة المنظمة.
وتمثل الخطوة الجزائرية بمثابة رفض للتدخلات الأجنبية من خلال الاعتماد على مبدأ الحلول الأفريقية لمشكلات القارة، وبناء شراكات موثوقة تحفظ استقرار وسيادة دول الجوار، مع تجفيف منابع الإرهاب بالتشديد على رفض تمويل الجماعات المسلحة، لا سيما عبر دفع فديات اختطاف، من صميم المقاربة الجزائرية في الساحل.
وكان للتدخلات العسكرية الأجنبية في منطقة الساحل الأثر البالغ على أمن حدود الجزائر، فقد أدى تدخل الناتو في ليبيا سنة 2011، والتدخلات الفرنسية في مالي والنيجر، ثم الحضور الروسي عبر مجموعة "فاغنر"، ثم "الفيلق الأفريقي"، إلى تعقيد المشهد الأمني في المنطقة بدل تحقيق الاستقرار، حيث نتج من ذلك تصاعد تهديدات جديدة أبرزها الإرهاب العابر للحدود، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية التي جعلت الحدود الجزائرية الجنوبية عرضة لأخطار متزايدة.
المحيط الأفريقي
وفي السياق يرى أستاذ العلاقات الدولية، صالح جمال أن الجزائر تؤكد من خلال مبادرتها تجاه النيجر حضورها المسؤول في محيطها الأفريقي، خصوصاً في منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية متزايدة ومتداخلة. وقال "لا تندرج الخطوة ضمن التعاون الثنائي، وإنما تعكس توجها جزائرياً يقوم على دعم قدرات الدول الأفريقية وتمكين مؤسساتها الوطنية من التعامل مع التحديات الأمنية وفق حاجاتها وخصوصياتها"، مضيفاً أن المقاربة الجزائرية تنطلق من قناعة مفادها أن أمن الساحل مرتبط بشكل مباشر بأمن دول المنطقة، وأن تعزيز قدرات الدول المجاورة يمثل استثماراً في الاستقرار الجماعي. وشدد على أن طبيعة التجهيزات المقدمة تكشف عن توجه يتجاوز التعاون الرمزي نحو بناء قدرات عملياتية فعلية.
وأوضح صالح جمال أن مراقبة الحدود تمثل أحد أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها النيجر من هذه القدرات، بالنظر إلى طبيعة التهديدات العابرة للحدود، سواء المرتبطة بالجماعات المسلحة أو شبكات الجريمة المنظمة والتهريب، مشيراً إلى أن الوسائل الجوية لا تلغي دور القوات البرية، لكنها تمنحها دعماً مهماً من خلال تحسين الاستطلاع وتحديد التحركات المشبوهة وتسريع الاستجابة العملياتية، مبرزاً أن هذا المستوى من التعاون يعكس انتقال العلاقات الجزائرية - النيجرية في المجال الأمني نحو مستوى أكثر استراتيجية، يقوم على بناء القدرات وليس فقط على تقديم مساعدات ظرفية.
ولفت الانتباه إلى أن التعاون بين الجزائر والنيجر يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير منظومة أمنية أكثر تكاملاً في منطقة الساحل، خصوصاً أن التهديدات التي تواجه المنطقة لا تعترف بالحدود السياسية، لا سيما أن المقاربة الجزائرية تقوم على تعزيز قدرات الدول الأفريقية، بدلاً من استبدال مؤسساتها الأمنية أو فرض حلول خارجية عليها. وختم حديثه بقوله إن هذه المبادرة تحمل رسالة سياسية تتعلق بثقة الجزائر في قدرة دول الساحل على إدارة ملفاتها الأمنية بوسائلها الوطنية والإقليمية.
شراكة بترولية
ولم يتوقف التقارب عند هذا الحد، بل انتقل أول من أمس الخميس الوزير الأول الجزائري سيفي غريب إلى النيجر، لإعلان رفقة نظيره النيجري، علي محمد لمين زين، الانطلاق الرسمي لأشغال حفر البئر الاستكشافية "كفرا جنوب شرق1" البترولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال غريب في كلمة له، "نلتقي اليوم من جديد، بعد شهرين و10 أيام على تدشين محطة توليد الكهرباء بنيامي، لنضع معاً لبنة جديدة في صرح شراكتنا الاستراتيجية التي أسس لها الرئيس عبدالمجيد تبون وأخيه الرئيس عبدالرحمن تياني، بمناسبة زيارته التاريخية إلى الجزائر". وأوضح أن "هذه الشراكة التي نريدها أن تتطور الى تعاون طويل الأمد، قائم على الثقة والتكامل والتضامن والمنفعة المتبادلة، تستند على برامج تكوينية طموح ومتخصصة تتيح فرص الاحتكاك الميداني قصد تعزيز الكفاءات وبناء القدرات النيجرية في مختلف مراحل الصناعة البترولية"، مضيفاً أنه إلى جانب ما تحقق في قطاع المحروقات والطاقة، يتواصل التشاور القطاعي الحثيث بين البلدين والعمل المشترك بوتيرة متسارعة لتنفيذ باقي الالتزامات الثنائية والمشاريع المشتركة في مختلف القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها البنى التحتية والصحة والتكوين المهني والتعليم العالي والرقمنة والتجارة والنقل والمالية.
تعزيز السيادة الاقتصادية
من جانبه أشاد الوزير الأول لجمهورية النيجر علي لمين زين بمستوى التعاون الثنائي والأهمية الاستراتيجية لمشروع حفر بئر استكشافية بحقل "كفرا". وقال إن الجزائر ملتزمة بإنشاء مؤسسة بنكية في النيجر إلى جانب مشاريع أخرى تشمل أنبوب الغاز وتطوير البنية والخدمات، مؤكداً أن ديناميكية التعاون بين البلدين ليست ظرفية، بل تستند إلى رؤية مشتركة بين الرئيسين تياني وتبون، تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية وتوجيه ثروات البلدين لخدمة شعبهما.
وأوضح لمين زين أن التعاون الجزائري - النيجري شهد توسعاً في مجالات عدة وتنوعاً، مشيداً بالدعم الجزائري المقدم، لا سيما في مجال الدفاع والتجهيزات. وختم، "نحن نعبر عن عمق أمتنا ونطمح إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بما يخدم مصالح البلدين".