ملخص
أكدت وزارة الدفاع الجزائرية أن العملية تندرج في إطار التزام الجزائر الثابت بمواصلة جهودها الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، كما تجدد دعمها الدائم لدولة النيجر، حكومة وشعباً، لمساعدتها على تجاوز هذا الظرف الحساس.
لا تزال استجابة الجزائر لطلب النيجر المساعدة العسكرية، تثير نقاشات حول وجود الجيش الجزائري خارج الحدود للمرة الأولى، وعلى رغم أن دستور البلاد يسمح بذلك بعد تعديله في عام 2020، فإن تزامن الحدث مع محاولة انقلاب شهدتها نيامي، فتح الباب أمام التأويلات.
التصدي لمحاولة زعزعة استقرار النيجر
وأرسلت الجزائر في اليوم التالي من إدانتها محاولة التمرد التي شهدتها العاصمة نيامي، وتأكيدها دعمها الثابت للسلطات النيجرية، وعلى أثر طلب الأخيرة المساعدة، أربع مقاتلات من طراز "سوخوي سو- 30"، إلى جانب طائرة نقل عسكرية من طراز "إليوشن إيل- 76" وطائرة للتزود بالوقود من طراز "إليوشن إيل- 78"، وقالت إن الهدف من التحرك هو التصدي لمحاولة زعزعة استقرار النيجر.
وأكدت وزارة الدفاع الجزائرية أن العملية تندرج في إطار التزام الجزائر الثابت بمواصلة جهودها الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتجدد دعمها الدائم لدولة النيجر، حكومة وشعباً، لمساعدتها على تجاوز هذا الظرف الحساس.
تقارب متسارع بين الجزائر ونيامي
وبحسب مراقبين فإن المساعدة الجزائرية تصنف في خانة التقارب التي يشهده خط الجزائر نيامي خلال الأشهر الأخيرة، الذي عرف تبادل زيارات لمسؤولين رفيعي المستوى وتوقيع اتفاقات تعاون اقتصادي وعسكري، لا سيما منذ زيارة الرئيس النيجري تياني إلى الجزائر في منتصف فبراير (شباط) الماضي، وآخرها تقديم الجارة الشمالية في التاسع من أغسطس (آب) الماضي، أربع مروحيات عسكرية إلى النيجر، اثنتان من طراز "مي-171" واثنتان من طراز "مي-24"، لذا فإن التحرك الجزائري أقرب إلى استعراض للتعاون المتجدد بين الجزائر ونيامي منه إلى تدخل مباشر في مواجهة المتمردين.
وتؤكد العملية التي جاءت استجابة لطلب القيادة النيجرية أن الجزائر تعتبر استقرار دول الجوار جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، بخاصة في ظل التعقيدات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، وما تشهده من تحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة ومحاولات زعزعة استقرار الدول ومؤسساتها، وعليه فإن إرسال القطع العسكرية الجوية لا ينفصل عن مقاربة تقوم على احتواء مصادر التهديد قبل تحولها إلى أخطار عابرة للحدود، مع الحفاظ على مبدأ احترام سيادة الدول وقراراتها الوطنية.
عتبة الردع
وفي السياق يعتبر المتخصص في مجال العلوم السياسية، الباحث في الشؤون الأفريقية النيجري إدريس آيات، أنه ليس المهم عدد الطائرات وإنما معنى وجودها، فأربع مقاتلات لا تستطيع تغيير ميزان القوى العسكري في منطقة الساحل، لكنها منذ لحظة وصولها غيرت شيئاً أكثر أهمية، وهي عتبة الردع.
وقال المتحدث إن الرسالة الجزائرية هي أن أمن النيجر، من الآن فصاعداً، شأن ممتد لأمن الجزائر، وذلك يندرج ضمن مفهوم استراتيجي مهم وهو المحيط الأمني الممتد، أي إن الدولة لا تنتظر وصول التهديد إلى حدودها حتى تعتبره تهديداً لأمنها القومي، بل تنظر إلى أمن محيطها المباشر باعتباره جزءاً من أمنها، وفي حين تتجاوز الحدود المشتركة بين البلدين 950 كيلومتراً تقريباً، فلا تنظر الجزائر إلى جنوبها باعتباره مجرد فراغ جغرافي، وإنما باعتباره عمقاً استراتيجياً.
وشدد آيات على أن الجزائر لم تتخل عن مبدأ عدم التدخل، وإنما أعادت تعريف حدود الدفاع عن أمنها في بيئة إقليمية أصبحت أكثر خطورة، وأوضح أن تجربة ليبيا بعد عام 2011 كانت من أهم العوامل التي دفعت الجزائر إلى إعادة التفكير في مفهوم أمنها الإقليمي، إذ أدركت أن انهيار دولة مجاورة لا يبقى في الداخل فحسب، فالإرهاب والتهريب والسلاح وشبكات الجريمة كلها قادرة على عبور الحدود.
وتابع آيات أن العلاقة بين البلدين انتقلت تدريجاً من تقارب دبلوماسي إلى ترابط استراتيجي، والدليل ليس فقط في وجود الطائرات الجزائرية في الأجواء النيجرية، وإنما في قطاعات عدة ابتداء من الطاقة، والأهم من كل ذلك هو التحول في الخطاب السياسي نفسه، فقد أصبح الأمن بين البلدين يطرح باعتباره قضية مشتركة، وانتقلت العلاقة من مجرد حسن جوار إلى اعتماد أمني متبادل، وهذه هي النقطة التي تجعل وصول طائرات "سوخوي" إلى نيامي تحولاً جيوسياسياً عظيماً.
الرسالة استراتيجية بالدرجة الأولى
وشدد الباحث في الشؤون الأفريقية على أن بعض خصوم الجزائر ممن خاب ظنهم بعدم نجاح التمرد، روجوا لإشاعات أن الجزائر تدخلت في الشأن الداخلي للنيجر، لكن يبدو أن هؤلاء أهملوا حقيقة وهي أن الجزائر لم تدخل النيجر لتفرض نظاماً سياسياً، بل وجدت بطلب من السلطات النيجرية لدعمها في مواجهة محاولة نسخ نموذج تمرد مسلح بدعم خارجي، حال مماثلة للسودان حيث تمرد ثم حرب بالوكالة.
وقال المتحدث "يستحيل الحديث عن تدخل في شأن النيجر الداخلي، وإنما ما حدث يسمى في القانون الدولي المساعدة الأمنية المطلوبة، وهذا فارق سياسي وقانوني واستراتيجي كبير"، مضيفاً أن الجزائر لم تفرض وجودها على النيجر، بل النيجر طلبت دعمها، وهذا يمنح العملية شرعية ثنائية وسياسية.
وبخصوص الأبعاد الجيوسياسية وراء الخطوة الجزائرية، أشار آيات إلى أن الرسالة استراتيجية بالدرجة الأولى، وهي موجهة قبل كل شيء إلى خصوم النيجر، وإلى فاعلين آخرين يراقبون المشهد من خارج منطقة الساحل، موضحاً أن النيجر ازدادت أهميتها في حسابات الجزائر التي أصبحت مستعدة لتوفير مظلة ردع لها عندما ترى أن استقرارها مهدد، وبحكم موقع الجزائر الجغرافي وقوتها العسكرية، وحدودها مع النيجر والساحل، أعادت بهذه الخطوة تعريف مفهوم العمق الاستراتيجي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى آيات أن الرسالة الجزائرية، في جوهرها، هي أن النيجر لن تترك لتتحول إلى سودان آخر، حيث يبدأ تمرد عسكري، ثم يتحول إلى حرب مفتوحة، ثم إلى صراع بالوكالة تتداخل فيه القوى الإقليمية والدولية، لذا فإن الخطوة فتحت باباً مهماً لفهم قيمة الردع المبكر قبل أن يتحول التمرد إلى حرب.
التحرك جاء استجابة لطلب النيجر ودستور 2020 واضح
من جانبه قال الإعلامي المهتم بالشؤون الدولية، مسعود دكار، إنه لا يمكن قراءة قرار الجزائر إرسال مقاتلات إلى النيجر، باعتباره مجرد تحرك عسكري ظرفي فرضته تطورات ميدانية محددة، بل يتعين النظر إليه كخطوة ذات أبعاد استراتيجية وسياسية وأمنية، تعكس تطوراً لافتاً في طبيعة التعاون الجزائري - النيجري، وتحمل في الوقت ذاته رسائل تتجاوز حدود الدعم العسكري المباشر إلى إعادة تأكيد ثوابت الجزائر في التعامل مع أزمات جوارها الإقليمي، ولا سيما في منطقة الساحل.
وأضاف دكار أن الطابع القانوني والسياسي للعملية يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الجزائر لم تتحرك بصورة أحادية، وإنما جاء الدعم استجابة لطلب صادر عن القيادة النيجرية، بما يجعل الخطوة، في جوهرها، دعماً لمؤسسات الدولة النيجرية في مواجهة محاولة تهديد استقرارها، وتعكس تمسك الجزائر بثوابتها القائمة على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض فرض التغييرات السياسية بالقوة أو من خارج المؤسسات الوطنية، بما يجعل دعم النيجر امتداداً لمقاربة جزائرية ترى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال دعم الدول ومؤسساتها وقدرتها على حماية أمنها وسيادتها.
وواصل دكار قوله إن الذين يصرون على تقديم التحرك الجزائري في النيجر باعتباره انقلاباً على عقيدة الجيش الوطني الشعبي، وهؤلاء إما أنهم لا يقرأون الدستور، أو يقرؤونه ثم يتجاهلون ما لا يخدم روايتهم، إذ إن دستور 2020 لم يلغ عقيدة الدفاع عن السيادة وعدم التورط في مغامرات عسكرية خارجية، لكنه فعل شيئاً بالغ الأهمية ويتمثل في أنه فتح للدولة الجزائرية باباً دستورياً للتحرك خارج الإقليم عندما تقتضي الضرورة ذلك، وفق شروط مؤسساتية محددة.
وأوضح المتحدث أن هذا يعني أن الدولة الجزائرية لم تعد تتعامل مع مفهوم الأمن القومي باعتباره خطاً مرسوماً على الخريطة، لأن الخطر لا يحتاج إلى جواز سفر كي يعبر الحدود، والإرهاب لا يعترف بالحدود، والفوضى لا تعترف بالحدود، وأمن الطاقة والممرات الاستراتيجية لا يعترفان، أيضاً، بالحدود.
وختم بقوله "الرسالة هي أن الجزائر لا تبحث عن معركة، لكنها لن تسمح لأحد بأن يرسم مستقبل محيطها الاستراتيجي من دون أن يكون لها مقعد على الطاولة".