ملخص
"الأسف" الذي أبدته باريس وأنهى الأزمة لا يمثل تراجعاً فرنسياً كاملاً ولا انتصاراً أميركياً حاسماً، بقدر ما يمثل تسوية موقتة داخل علاقة يجتمع فيها التحالف والتنافس والتوافق والخلاف.
بعد نحو ستة أسابيع من التوتر الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وفرنسا، اختارت باريس تهدئة لهجتها والتعبير عن "أسفها" لتدوينة نشرتها بعثة فرنسية في الـ25 من يوليو (تموز) الماضي، انتقدت خلالها الموقف الأميركي من تمديد ولاية مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.
تهدئة فرنسية رحبت بها واشنطن، في تطور قد يفتح الطريق أمام استئناف إجراءات الموافقة على تعيين السفير الفرنسي الجديد لدى الولايات المتحدة أوريليان لوشوفالييه، التي كانت تعطلت على خلفية الخلاف.
لكن الخطوة الفرنسية لا تعني تراجع باريس عن موقفها من التصويت أو عن دعمها لتمديد ولاية تورك، إذ أوضحت البعثة أن الخلاف مع واشنطن تعلق بتصويت واحد، وليس بالدفاع عن حقوق الإنسان، مؤكدة أن الاختلاف العلني حول تصويت واحد لا يعرقل الحوار الوثيق بين البلدين ولا يطعن في تحالفهما التاريخي.
ويعود أصل الخلاف ليوليو الماضي، عندما صوتت الولايات المتحدة، إلى جانب تسع دول أخرى، ضد تمديد ولاية فولكر تورك لأربع سنوات إضافية، في تصويت أيدته 144 دولة، في مقابل 10 دول صوتت ضده، فيما امتنعت 13 دولة عن التصويت. وفي اليوم التالي، صعدت البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة في جنيف لهجتها، إذ كتبت على منصة "إكس"، "كانت الولايات المتحدة منارة لحقوق الإنسان، لم تعد كذلك، واشنطن أصبحت تقف إلى جانب دول من بينها كوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي وروسيا".
وفي المقابل، جاء الرد الأميركي بنبرة أكثر تصالحاً، إذ نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول في الخارجية الأميركية، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله "أحطنا علماً ببيان باريس ونحن نقدره، ونتطلع إلى العمل معاً لتعزيز القيم والمصالح المشتركة".
ويعكس هذا الرد رغبة واشنطن في احتواء الخلاف والإبقاء على قنوات الحوار مع باريس مفتوحة، بما قد يساعد في تجاوز تداعيات الأزمة، ولا سيما ما يتعلق بتعيين السفير الفرنسي الجديد لدى الولايات المتحدة. غير أن احتواء هذه الأزمة لا يعني بالضرورة أن أسباب التوتر بين البلدين قد زالت، خصوصاً أن الخلافات تتجاوز ملف حقوق الإنسان والتصويت الأممي إلى قضايا استراتيجية أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا، والدفاع الأوروبي، ومستقبل حلف شمال الأطلسي، والشرق الأوسط، والعلاقة مع الصين.
وبذلك، قد يكون "الأسف" الفرنسي كافياً لاحتواء الأزمة الآنية وفتح الطريق أمام تسوية ملف السفير، لكنه لا يحسم بالضرورة الخلافات الأوسع التي باتت تطبع العلاقة بين باريس وواشنطن.
وهنا يطرح تراجع باريس لاحقاً عن لهجتها الحادة مقروناً بالترحيب الأميركي، تساؤلات حول طبيعة الخلاف بين الحليفين، وما إذا كان مجرد حادثة دبلوماسية عابرة مرتبطة بتصويت أممي، أم أنه كشف عن تباينات أعمق في العلاقات الفرنسية - الأميركية؟
خلافات تتجاوز أزمة السفير
وحول ما إذا كانت هذه القضية تمثل نقطة خلاف محددة بين باريس وواشنطن، أم أنها تعكس توترات أوسع في العلاقات الفرنسية - الأميركية، يقول المحلل في الشأن الأوروبي صلاح سليمان "تحرص فرنسا على الحفاظ على هامش من الاستقلالية في سياستها الخارجية، وهو ما يظهر، على سبيل المثال، في موقفها من الملف الأوكراني، إذ لا تتطابق رؤية باريس دائماً مع المقاربة الأميركية، ولا سيما في عهد الرئيس دونالد ترمب".
ولا يتوقف التباين بين البلدين عند الملف الأوكراني، بل يمتد إلى عدد من الملفات الاستراتيجية الكبرى، من بينها مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، والتجارة، والحرب في الشرق الأوسط، والعلاقات مع الصين والعقوبات، إضافة إلى الموقف من أزمة مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، يرى سليمان أن نقطة الخلاف الحالية تقف وراءها سلسلة من التباينات بين باريس وواشنطن، مشيراً إلى أن ترمب كثيراً ما ينتقد نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ويستفزه سياسياً. ويستشهد المحلل، في هذا الإطار، بتصريحات الرئيس الأميركي التي أبدى خلالها رفضه التعاون مع فرنسا في عدد من الملفات.
وبحسب المحلل في الشأن الأوروبي، فإن تعامل فرنسا مع الخلاف يعكس قدراً من الحنكة السياسية، إذ عبرت بوضوح عن موقفها، لكنها في الوقت نفسه سارعت إلى التعبير عن أسفها في شأن التصريح محل الخلاف. ويرى أن هذا السلوك يعكس ما يمكن وصفه بـ"سياسة المصالح" التي تحكم العلاقات بين الدول، إذ تحاول باريس الدفاع عن مواقفها من دون دفع الخلاف مع واشنطن إلى مستوى القطيعة أو الأزمة الدبلوماسية.
وينطبق الأمر نفسه على ملف الحرب ومضيق هرمز، إذ حاولت باريس، وفق هذا الطرح، الدفع باتجاه الحوار مع طهران والبحث عن حلول سياسية للأزمة، في حين لم تتطابق مقاربتها مع الموقف الأميركي. وتكشف هذه الملفات عن وجود تباينات فعلية في الرؤى الاستراتيجية بين فرنسا وأميركا، لكنها حتى الآن لا تبدو كافية للارتقاء بالخلافات إلى مستوى أزمة دبلوماسية شاملة بين البلدين.
وبذلك، تبدو القضية الحالية أقرب إلى حلقة جديدة في سلسلة من التباينات الفرنسية - الأميركية، أكثر منها أزمة منفصلة أو خلافاً عابراً، إذ تكشف عن صعوبة الموازنة بين رغبة فرنسا في الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي، وحرصها في الوقت نفسه على عدم إلحاق ضرر استراتيجي بعلاقتها مع الولايات المتحدة.
ويختم صلاح سليمان تحليله بأن التراجع الفرنسي لم يكن مجرد تصحيح لموقف دبلوماسي، بل خطوة محسوبة وتراجعاً مدروساً لاحتواء الخلاف مع واشنطن ومنع تحوله إلى أزمة أكثر تعقيداً. فإعلان البعثة الفرنسية "أسفها" عن التدوينة التي انتقدت الموقف الأميركي أتاح لباريس سحب فتيل التوتر، كما أنه فتح المجال أمام استئناف إجراءات اعتماد السفير الفرنسي الجديد لدى الولايات المتحدة التي تأخرت بفعل هذه الأزمة.
تحالف بلا توافق
وتكشف الوقائع عن أن الخلاف بين باريس وواشنطن يتجاوز قضية فولكر تورك، ليمتد إلى ملفات الدفاع والأمن والاقتصاد. ففي مجال الدفاع، أقرت فرنسا إضافة 36 مليار يورو (41.5 مليار دولار) إلى موازنة الدفاع بين عامي 2026 و2030، منها 3.5 مليار يورو (4 مليارات دولار) إضافية خلال العام الحالي، في إطار تسريع إعادة تسليحها وتعزيز قدراتها العسكرية. ويتزامن ذلك مع ضغط إدارة دونالد ترمب على الحلفاء الأوروبيين لزيادة مساهماتهم الدفاعية، وتحمل حصة أكبر من أعباء أمن القارة.
ويظهر التباين كذلك في الرؤية الفرنسية لمستقبل الأمن الأوروبي والحرب الروسية على أوكرانيا، إذ تدفع باريس باتجاه تعزيز قدرة أوروبا على التحرك بصورة أكثر استقلالاً، في وقت تركز فيه إدارة ترمب على زيادة مساهمة الحلفاء الأوروبيين في الدفاع عن القارة.
وفي الشرق الأوسط، برز تباين آخر في مقاربة أزمة مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 في من النفط والغاز العالميين. وفي حين دفعت باريس باتجاه التهدئة والحوار، سعت واشنطن إلى حشد شركائها للمساهمة في تأمين الملاحة، وتشير بيانات حديثة إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق تراجعت إلى نحو 75 في المئة من مستويات ما قبل الحرب.
وخلال يونيو (حزيران) الماضي، انتقل التوتر بين باريس وواشنطن إلى الجبهة التجارية، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المئة على النبيذ الفرنسي إذا لم تتراجع فرنسا عن ضريبة الخدمات الرقمية البالغة ثلاثة في المئة والمفروضة على شركات التكنولوجيا الكبرى.
وجاء التهديد قبيل قمة مجموعة السبع التي استضافتها فرنسا، واضعاً قطاعاً تصديرياً مهماً في مواجهة مباشرة مع الضغوط التجارية الأميركية. ورد الرئيس إيمانويل ماكرون برفض التراجع عن الضريبة، معتبراً أن الرسوم الجمركية "لا تفيد أحداً"، ولا سيما بين دول مجموعة السبع.
ويكشف الخلاف حول الضريبة الرقمية عن جانب آخر من التوتر المتنامي بين البلدين، فبينما تحاول باريس الحفاظ على استقلالية قراراتها الاقتصادية، تمتلك واشنطن أدوات تجارية يمكن أن تطاول قطاعات فرنسية شديدة الحساسية. وتكتسب السوق الأميركية أهمية خاصة لقطاع النبيذ والمشروبات الروحية، إذ بلغت قيمة صادرات الاتحاد الأوروبي من هذه المنتجات إلى الولايات المتحدة نحو 9 مليارات يورو (10.39 مليار دولار) خلال عام 2024، مما يجعل أي رسوم مرتفعة ذات تداعيات مباشرة على المنتجين والمصدرين الأوروبيين، وفي مقدمهم فرنسا.
وبذلك، لم يكن التهديد الأميركي بفرض رسوم بنسبة 100 في المئة مجرد خلاف حول ضريبة رقمية، بل أظهر كيف يمكن للأدوات التجارية أن تتحول إلى وسيلة ضغط على خيارات اقتصادية تتخذها باريس بصورة مستقلة، وهذا بعد آخر للخلافات.
وتضع هذه الملفات أزمة فولكر تورك في سياق أوسع من التباينات المتراكمة بين باريس وواشنطن، فإضافة إلى الخلاف الأممي، تظهر اختلافات حول حدود الالتزام الدفاعي، ومستقبل الأمن الأوروبي، وإدارة أزمات الشرق الأوسط، والسياسة التجارية. وبينما تحاول باريس الحفاظ على هامش من الاستقلالية في قراراتها، تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها ودفع حلفائها نحو مواقف أكثر توافقاً مع أولوياتها الاستراتيجية. ومن هنا، تبدو أزمة فولكر تورك أقل ارتباطاً بتصويت أممي منفرد، وأكثر دلالة على الصعوبة المتزايدة في إدارة الخلاف داخل تحالف يفترض أنه يقوم على المصالح والقيم المشتركة.
ما وراء التوتر الأخير
من وجهة نظر أستاذ القانون الدولي مجيد بودن، تقوم العلاقات بين فرنسا وأميركا على التحالف والمنافسة، وبالتالي تشهد من حين إلى آخر هزات. وما حدث أخيراً في شأن ملاحظات باريس حول حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، ورد فعل البيت الأبيض بتجميد منح السفير أوراق اعتماده لممارسة مهماته، لا يعدو كونه تعبيراً عن سوء تفاهم.
ويؤكد بودن أن فرنسا لم تقدم اعتذاراً، بل عبرت عن أسفها لما حدث في شأن هذا التصويت، موضحاً أن الأمر يختلف تماماً عن تقديم اعتذار. ويشير إلى أن إبداء الملاحظات في شأن ما يجري في دول أخرى أمر مقبول في الأعراف الدبلوماسية، لافتاً إلى أن واشنطن تقوم بدورها بإبداء عدد من الملاحظات، بل تصدر عن وزارة خارجيتها بيانات وتقارير كاملة حول ما يجري في العالم، بما في ذلك أوضاع حقوق الإنسان والعدالة ودولة القانون وغيرها.
وبالتالي، يرى أستاذ القانون الدولي أن المسألة لا تتعلق باعتذار، وإنما بالتعبير عن الأسف إزاء ما حدث من سوء تفاهم. فمن جهة، تمتلك فرنسا، باعتبارها دولة ذات سيادة، الحق في تقديم ملاحظاتها، وهو ما يندرج ضمن الأعراف الدولية المتعارف عليها، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة لا تقبل هذه الملاحظات، وهذا حقها أيضاً. ويضيف أن الأمر لا يشكل نزاعاً أو خلافاً جوهرياً، وإنما يتعلق بالأسف على نشوب هذا الجدل، معتبراً أن الصفحة تتجه الآن إلى الطي، وأن المسألة تدخل في إطار حفظ ماء الوجه لبعض الرموز في الإدارة الأميركية، ولا يفترض أن تتجاوز ذلك.
ويشير بودن إلى أن السفير سيباشر مهتماه، موضحاً أنه يشغل منصب مدير ديوان وزير الخارجية، وهو ما يمنحه مكانة مهمة. كما أن منصب السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة يحظى بأهمية كبيرة في العلاقات الدولية، ولا سيما في العلاقات بين البلدين، معتبراً أن هذه القضية تمثل إحدى النقاط الأساسية في علاقة تجمع بين التحالف والخلافات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع مجيد بودن القول إن علاقة التحالف لا تعني عدم وجود تباين في وجهات النظر، بل إن الخلافات لا تزال قائمة، والخلاف الأساس الآن بين واشنطن وباريس يتعلق بالنظام العام العالمي كما تراه العاصمتان.
وبحسب توضيح أستاذ القانون الدولي، فإن فرنسا، ومعها الاتحاد الأوروبي وكثير من دول العالم، ترى أن العلاقات الدولية والنظام الدولي يقومان على أساس احترام القانون الدولي. ويوضح أن الأمم المتحدة تأسست على هذا الأساس، إلى جانب الاتفاقات الدولية والقانون الدولي العرفي ومبادئ القانون الدولي، وجميعها أطر تتيح تنظيم العلاقات الدولية وتسوية الخلافات وحل المشكلات عندما تنشأ.
ويقول بودن إن إدارة الرئيس دونالد ترمب ترى، في المقابل، أن العلاقات الدولية تدار على أساس الصفقات، التي تعكس موازين القوى في لحظة زمنية محددة. وهذه الموازين قابلة للتغير مع تغير الظروف وموازين القوى، بما يتعارض مع مبدأ الأمن القانوني الدولي الذي يفترض أن تبنى العلاقات الدولية على قواعد مستقرة وواضحة، بما يتيح للدول معرفة الإطار القانوني الذي يحكم علاقاتها على المدى البعيد.
ويشير إلى أن منطق الصفقات يجعل من الصعب التنبؤ بالقواعد التي ستنظم العلاقات الدولية، موضحاً أن الولايات المتحدة، عندما احتاجت إلى دعم حلفائها أو طلبت منهم مواقف داعمة، ولا سيما داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، واجهت في بعض الحالات عدم قبول من حلفائها الأساسيين، الذين أرادوا أن تستند التفاهمات والمواقف المشتركة إلى قواعد القانون الدولي. وبالتالي، المسألة ترجع إلى هذه النقطة الأساسية كيف تدار العلاقات الدولية؟ والعالم بغالبيته يريد أن تدار العلاقات الدولية على أساس القانون الدولي.
وهذا ما تتجه إليه المفاوضات بين فرنسا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى مع الولايات المتحدة، لإيجاد الصيغة للرجوع إلى هذا المبدأ الأساسي، مهما كانت النظرات السياسية ومهما كانت الصدامات الموجودة، وهذه هي النقطة الأساسية.
وما بين هذا وذاك تبدو أزمة فولكر تورك أقل أهمية من التباينات التي كشفت عنها، إذ تتجاوز تداعياتها مصير تعيين دبلوماسي أو تدوينة على منصة "إكس". فقد أظهرت أن باريس تستطيع الاختلاف مع واشنطن، لكنها لا تستطيع تجاهل ثقل العلاقة بين البلدين ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا تكمن المفارقة، فرنسا تتمسك بحقها في السيادة وإبداء مواقفها، لكنها في الوقت نفسه تضطر إلى إدارة خلافاتها مع القوة الأميركية بحسابات دقيقة. لذلك، فإن "الأسف" الذي أنهى الأزمة لا يمثل تراجعاً فرنسياً كاملاً ولا انتصاراً أميركياً حاسماً، بقدر ما يمثل تسوية موقتة داخل علاقة يجتمع فيها التحالف والتنافس، والتوافق والخلاف.