ملخص
تكتسب الضربات الجوية التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية فجر السبت، الـ 12 من سبتمبر (أيلول) الجاري في المخا وذوباب أهمية خاصة، إذ قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، إن الطيران استهدف تجمعات وعربات وأسلحة حوثية قرب ميناء المخا، وفي محيط المدينة وعلى خط المخا - ذوباب، مع تحذير المدنيين من استخدام الطرق المحددة ضمن منطقة العمليات، وإذا تأكد استمرار هذا النسق، فإن القيمة العسكرية للعملية لن تكون في حجم الأهداف التي دُمرت فقط، بل في قدرتها على إرباك التموضع الجديد للميليشيات الحوثية، وقطع التواصل بين وحداتها وإجبارها على "القتال في بيئة" لم تعد تملك فيها المبادرة المطلقة.
قبل أن أدخل في قراءة التطورات الأخيرة التي جرت على مسرح العمليات العسكرية في اليمن فجر السبت، الـ 12 من سبتمبر (أيلول) 2026، يتعين عليّ في المبتدأ أن أشير إلى أن التحولات العسكرية في الحروب لا تُقاس بمقدار الأرض التي تنتقل من طرف إلى آخر وحسب، لأن الجغرافيا، مهما بدت حاسمة، ليست وحدها التي تحدد اتجاه الصراع، والأهم هو ما تكشفه تلك التحولات عن "القدرة على المبادرة"، وعن الإرادة السياسية والعسكرية، وعن قدرة الأطراف على تحويل الإنجاز الميداني إلى مسار مستدام، ولذلك فإن التطورات اليمنية الأخيرة تتبدى أكثر تعقيداً من مجرد سلسلة مكاسب أو خسائر على خرائط الجبهات، فالتقدم الذي تحقق في مأرب والجوف والبيضاء، في مقابل التطورات الخطرة على الساحل الغربي واقتراب الميليشيات الحوثية من باب المندب، يضع المعركة الوطنية أمام اختبار مختلف، فهل تتجه الحكومة اليمنية الشرعية بقيادة "مجلس القيادة الرئاسي" فعلاً نحو استعادة وحدة المعركة ووجهتها، أم أن تعدد الجبهات ومراكز القرار لا يزال، على نحو ما، يحول دون إنتاج قوة وطنية متماسكة قادرة، بما يكفي ويلزم، على تحويل التحولات العسكرية إلى إستراتيجية سياسية وعسكرية واضحة؟
هذا السؤال في تقديري يصبح أكثر إلحاحاً عندما نضع التطورات المتزامنة في سياق واحد، فقد أكد "مجلس الدفاع الوطني" برئاسة رئيس "مجلس القيادة الرئاسي"، رشاد العليمي، خلال اجتماعه أول من أمس الخميس، أن المعركة ليست معركة موقع أو مديرية أو جبهة منفردة، وإنما معركة وطنية لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب اليمني، مشيداً بما تحقق في مأرب والجوف والبيضاء، ومؤكداً أن أي تقدم ميداني للميليشيات الحوثية لن يتحول تلقائياً إلى واقع سياسي أو جغرافي دائم.
هذه اللغة مهمة لأنها تنقل النقاش من حدود الجبهة إلى معنى الحرب نفسها، فالدولة لا تستعيد حضورها بمجرد أن تتقدم قواتها في منطقة، كما لا تفقده بمجرد أن تتراجع في أخرى، لكنها ستستعيد زمام المبادرة حين تصبح الجبهات المتعددة أجزاء من تصور واحد، وحين تتحول القرارات العسكرية من "ردود أفعال متفرقة" إلى "فعل منظم"، يملك غاية سياسية محددة.
بيد أن هذا التصور يواجه في الوقت ذاته حقيقة ميدانية لا يمكن التقليل من خطورتها، فقد أفادت "رويترز"، نقلاً عن مصادر حكومية يمنية، بوصول الميليشيات الحوثية إلى ذباب، المنطقة المطلة مباشرة على مضيق باب المندب، بالتزامن مع سيطرتها على جزيرة بريم، وفق مصادر حكومية يمنية، وأفادت "الوكالة" في تقرير آخر بأن الميليشيات الحوثية سيطرت على مدينة المخا، وتقدمت على الساحل باتجاه مواقع إستراتيجية في المضيق.
ولا يمكن قراءة هذا التطور اللافت في نظر بعضهم، وغير المتوقع في نظر بعضهم الآخر، باعتباره مجرد امتداد لجولة عسكرية عادية، لأن الساحل الغربي ليس مساحة جغرافية عادية في الحسابات اليمنية والإقليمية، فهو يربط الحرب الداخلية بأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف الذي يفرض وجوداً عسكرياً قريباً من باب المندب قدرة على التأثير في قضية تتجاوز حدود اليمن بكثير، ومن هنا تتضح حساسية التحذير اليمني الذي أطلقه مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة، عبدالله السعدي، في مجلس الأمن، من أخطار سيطرة الميليشيات الحوثية على باب المندب وتهديد الملاحة الدولية، فالمضيق ليس مجرد ممر بحري بالنسبة إلى اليمن، بل عقدة إستراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتؤثر بصورة مباشرة في حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وقد وصفت "رويترز" باب المندب بأنه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مشيرة إلى أن السيطرة على مناطق المخا وذباب وبريم تمنح الميليشيات الحوثية موقعاً أكثر قدرة على تهديد حركة الملاحة.
بالطبع يتغير هنا معنى المعركة مرة أخرى، إذ لم يعد السؤال فقط مَن يسيطر على مدينة أو طريق، وإنما مَن يمتلك القدرة على انتاج تهديد إستراتيجي طويل الأمد، ومَن يستطيع منع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط في صراع إقليمي ودولي واسع، وفضلاً عن ذلك، تزداد الصورة تعقيداً مع ما أوردته "رويترز" عن دور إيراني في هجوم الميليشيات الحوثية على الساحل، إذ نقلت عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الدعم الإيراني شمل التمويل والسلاح والمشورة العملياتية، وأن عناصر من الحرس الثوري الإيراني قدمت توجيهاً للعمليات، في وقت تنفي طهران أنها تدير قرارات الميليشيات الحوثية بصورة مباشرة.
وبصرف النظر عن حجم هذا الدور أو تفاصيله، التي تحتاج دائماً إلى التحقق المستقل، فإن المؤكد سياسياً أن الحرب اليمنية لم تعد قابلة للفصل عن التنافس الإقليمي الأوسع، وهو ما يجعل مسؤولية القوى اليمنية المناهضة للميليشيات الحوثية أكبر، فكلما اتسع البعد الإقليمي للحرب، ازدادت الحاجة إلى مركز وطني فاعل يحدد الأولويات، ويمنع على نحو حاسم تحول اليمن إلى مجرد ساحة تتقاطع فوقها حسابات الآخرين، وكذلك فإن استعادة المبادرة لا تعني بالضرورة اندفاعاً عسكرياً غير محسوب، فالحرب الحديثة تُحسم أحياناً بالقدرة على اختيار اللحظة، وقطع خطوط الإمداد، واستنزاف الخصم، وإعادة توزيع القوة قبل الانتقال إلى الهجوم، ولسائل أن يسأل: هل ما حدث في اليومين الأخيرين جزء من خطة محكمة هدفها استنزاف الخصم؟ أم أن الأمر حدث على نحو غير متوقع إثر قرار غير مفهوم؟
عموماً تكتسب الضربات الجوية التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية فجر السبت، الـ 12 من سبتمبر الجاري، في المخا وذوباب أهمية خاصة، إذ قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، إن الطيران استهدف تجمعات وعربات وأسلحة حوثية قرب ميناء المخا، وفي محيط المدينة وعلى خط المخا - ذوباب، مع تحذير المدنيين من استخدام الطرق المحددة ضمن منطقة العمليات، وإذا تأكد استمرار هذا النسق، فإن القيمة العسكرية للعملية لن تكون في حجم الأهداف التي دُمرت فقط، بل في قدرتها على إرباك التموضع الجديد للميليشيات الحوثية، وقطع التواصل بين وحداتها وإجبارها على "القتال في بيئة" لم تعد تملك فيها المبادرة المطلقة، ومن ثم فإن استعادة محور تعز - المخا يصبح أكثر من مجرد هدف ميداني، فالطرق لا تحمل الجنود والسلاح وحدهما، بل تحمل أيضاً معنى الاتصال بين الجغرافيا السياسية والعسكرية، وإذا استطاعت القوات المسلحة اليمنية إعادة فتح هذا المحور، وتأمين خطوطه، ومنع تثبيت وجود الميليشيات الحوثية في الساحل، فإن ذلك قد يغير الحسابات بصورة تتجاوز مدينة المخا نفسها، أما إذا بقي تقدم الميليشيات الحوثية في الساحل منفصلاً عن رد عسكري منظم ومستمر، فقد يتحول الأمر إلى واقع يصعب التعامل معه لاحقاً، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس في القدرة على استعادة موقع واحد، وإنما في القدرة على تحويل الضربة المضادة إلى سلسلة مترابطة من الإجراءات التي تمنع الخصم من إعادة إنتاج تقدمه في جبهة أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن كل ذلك يعيدنا لسؤال الأسئلة: هل تمتلك المعركة الوطنية اليمنية اليوم وحدة القرار التي تحتاج إليها؟ فالانتصار العسكري لا يعيش طويلاً إذا ظل منفصلاً عن السياسة، والسياسة لا تستطيع حماية الدولة إذا لم تستند إلى قوة عسكرية منظمة، وما يحتاجه اليمن ليس مجرد تجميع للقوى الموجودة في خندق واحد، بل بناء تصور مشترك لمعنى هذا الخندق نفسه، فمأرب والجوف والبيضاء وتعز والساحل الغربي، ليست جبهات منفصلة في حرب منفصلة، بل أجزاء من صراع واحد حول شكل الدولة ومستقبلها، وكلما تمكن "مجلس القيادة الرئاسي"، كجهة شرعية معترف بها إقليمياً ودولياً، من تحويل هذا الفهم إلى تنسيق فعلي بين الجبهات، تراجعت قدرة الميليشيات الحوثية على استثمار التباينات الداخلية، وتحولت مكاسبها التكتيكية إلى أعباء، بدلاً من أن تصبح جسوراً لمكاسب إستراتيجية.
أما البعد الإنساني في هذه المعادلة فهو في تصوري لا يقل أهمية عن بعدها العسكري، فخلف كل خريطة جبهة توجد مدينة تنتظر الأمان، وطريق يحتاج إلى أن يعود آمناً، وأسرة تريد أن تستعيد حياتها، وطفل لا يعرف لماذا أصبح الطريق الذي كان يسلكه إلى مدرسته منطقة عسكرية، ولذلك فإن استعادة الدولة في جوهرها استعادة لحياة الناس الطبيعية، وكل تقدم عسكري لا يقترب من هذه الغاية يبقى ناقصاً، وكل تراجع لا يُفهم ضمن القدرة على حماية المدنيين واستعادة الاستقرار، قد يتحول إلى مأساة جديدة، وعليه فإن المسؤولية الأخلاقية للمعركة تفرض حماية المدنيين، وضبط العمليات، وإبقاء الممرات الإنسانية مفتوحة، وعدم التعامل مع المدن والسكان باعتبارهم مجرد أدوات في الحسابات العسكرية، ولهذا تبدو الأيام المقبلة امتحاناً حقيقياً لاختبار البيانات والتصريحات، فإذا استطاعت القوات المسلحة اليمنية والقوى السياسية المساندة لـ "مجلس القيادة الرئاسي" استعادة المبادرة في الساحل، وقطع خطوط الإمداد، وإعادة وصل محور تعز - المخا، بالتزامن مع الحفاظ على الضغط في مأرب والجوف والبيضاء، فإن التحولات الأخيرة قد تتحول من وقائع ميدانية متفرقة إلى بداية مسار إستراتيجي جديد، أما إذا بقيت الجبهات تتحرك بإيقاعات منفصلة، فإن الميليشيات الحوثية قد تجد في بعض مكاسبها الموقتة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.
وفي الحالين، فإن المعركة لا تزال مفتوحة، لكن الفارق الحاسم الآن هو أن اليمن أمام لحظة ينبغي ألا تُقاس فقط بمن ربح موقعاً أو خسر مدينة، بل بمن استطاع أن يثبت أن لديه القدرة والإرادة والاتجاه، فالدولة تبدأ باستعادة زمام المبادرة عندما يصبح الميدان ترجمة لإرادة وطنية واحدة، لا مجرد مجموع لمعارك متجاورة.