Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مجتمع مصابي الحرب في السودان "بالملايين" فمن يراه؟

يجدون أنفسهم أمام حرب ثانية لاستعادة الجسد والقدرة على العيش وسط نظام صحي يفتقد المؤسسات والكوادر والأدوية والتمويل

يتحمل الأطفال جانباً بالغ القسوة من الإصابات المرتبطة بالحرب (أطباء بلا حدود)

ملخص

خلال النصف الأول من فبراير، عالجت فرق "أطباء بلا حدود" 167 مصاباً جراء هجمات بطائرات مسيرة في كردفان ودارفور، بينهم مرضى بجروح نافذة في الصدر والبطن، وكسور متعددة في الأطراف، وإصابات في الرأس، وشظايا متفرقة.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، لم يعد الجرح مجرد أثر مباشر للعنف، بل تحول إلى مسار طويل من المعاناة يبدأ لحظة الإصابة ولا ينتهي عند إنقاذ الحياة. فوفق ما أورده ممثل السودان أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف في يوليو (تموز) الماضي، خلفت الحرب نحو 31 ألف قتيل و44 ألف جريح، إلى جانب أكثر من 134 ألف دعوى قضائية مرتبطة بالانتهاكات. ويظل هذا الرقم الرسمي، على ثقله، أقرب إلى الحد الأدنى المرصود في حرب اتسمت بانقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة، وتعذر توثيق كثير من الوفيات والإصابات.

ويعيش المصابون تبعات الإصابة في بلد تضرر نظامه الصحي بصورة بالغة. فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بأن أكثر من ثلثي المستشفيات الرئيسة في المناطق المتأثرة بالصراع أصبحت خارج الخدمة، بينما راوحت تقديرات سابقة للمرافق الصحية المتوقفة أو العاملة جزئياً ما بين 70 و80 في المئة في مناطق القتال، وحرم نحو 65 في المئة من السكان من الوصول المنتظم إلى الرعاية الصحية. وفي فبراير (شباط) الماضي، قدرت المنظمة أن 21 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات صحية، في وقت بلغ فيه عدد النازحين بسبب الحرب نحو 14 مليون شخص. ومع تعطل مرافق متخصصة ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، يواجه كثير من المصابين رحلة علاج شاقة، تبدأ بالحصول على الرعاية العاجلة ولا تنتهي عند استقرار الحالة. وهكذا يجد مصابو الحرب أنفسهم أمام حرب ثانية، حرب استعادة الجسد والقدرة على العمل والعيش بكرامة، وسط نظام صحي يواجه نقص الكوادر والأدوية والتمويل، وحاجات إنسانية تتسع بوتيرة تفوق قدرة الاستجابة.

تبعات الإصابة

يواجه مصابو الحرب في السودان تبعات جسدية ونفسية تمتد إلى حياتهم اليومية ومعاشهم وأسرهم، فقد أفضت إصابات القصف والاشتباكات إلى بتر أطراف، وكسور بالغة، وإصابات في الرأس والصدر، وحالات عجز موقت أو دائم حرمت كثر من العمل وكسب الدخل. وخلال النصف الأول من فبراير، عالجت فرق "أطباء بلا حدود" 167 مصاباً جراء هجمات بطائرات مسيرة في كردفان ودارفور، بينهم مرضى بجروح نافذة في الصدر والبطن، وكسور متعددة في الأطراف، وإصابات في الرأس، وشظايا متفرقة. وقالت فرجينيا مونتي، المنسقة الطبية لمشروع المنظمة في بلدة الطينة، إن بعض الإصابات كانت شديدة التعقيد، مشيرة إلى وصول طفل في التاسعة بجروح واسعة في الوجه، وكسور في عظامه، وبتر في إصبعين. وتوضح هذه الحالات طبيعة الحاجات التي تواجه المصابين بعد إنقاذ حياتهم، عمليات جراحية متخصصة، ورعاية لاحقة، وعلاج طبيعي وتأهيل طويل الأمد، فضلاً عن الدعم النفسي لاستعادة القدرة على الحركة والعمل والتكيف مع الإعاقة.

 

ويتحمل الأطفال جانباً بالغ القسوة من الإصابات المرتبطة بالحرب. ووفق "اليونيسيف"، تحققت الأمم المتحدة منذ بداية النزاع من أكثر من 6 آلاف انتهاك جسيم ضد الأطفال، أثرت في ما لا يقل عن 5 آلاف طفل، بينهم أكثر من 4 آلاف قتلوا أو أصيبوا. ويقول ممثل "اليونيسيف" في السودان شيلدون ييت، إن الأطفال يتعرضون للأذى في أماكن يفترض أن تكون آمنة، بما فيها المنازل والطرقات والمدارس والمرافق الصحية، واستمرار القتال يجعل الوصول إليهم والتحقق من الانتهاكات أكثر صعوبة. وتزداد خطورة إصابات الأطفال لأن الجرح قد يتحول إلى إعاقة تعوق التعليم والنمو وتفرض على الأسرة سنوات من الرعاية والتأهيل.

وتواجه النساء الناجيات من العنف الجنسي حاجات علاجية وجسدية ونفسية شديدة التعقيد. وقالت مديرة عمليات العنف الجنسي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر زينب عبدالخالق زاهر، إن أكثر من 70 ناجية تحدثن إلى المنظمة، وإن كثيرات، لا سيما من حملن نتيجة الاعتداء، ترددن في طلب الرعاية الطبية المبكرة خشية الوصمة الاجتماعية. وتوضح شهادات الناجيات أن الوصول إلى العلاج يمثل تحدياً قائماً بذاته، فبعضهن كن بعيدات من أسرهن، في ما تعطلت مرافق صحية عديدة، وحرمت أخريات من خدمات المتابعة والدعم النفسي التي تحتاج إليها الناجيات للتعامل مع آثار العنف والإصابات والحمل الناتج منه.

فجوة الموارد

يواجه القطاع الصحي السوداني واحدة من أعقد مراحل الانهيار وإعادة البناء منذ اندلاع الحرب، إذ لا تزال آثار الدمار ونقص التمويل تضغط على قدرة وزارة الصحة الاتحادية على إعادة الخدمات إلى مستوياتها السابقة. وقال وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد إبراهيم، إن الخسائر الأولية للقطاع تقدر بنحو 11 مليار دولار، موضحاً أن أكثر من 500 منشأة صحية تعرضت للاستهداف أو التدمير كلياً أو جزئياً، إلى جانب نهب الأدوية والمعدات والمركبات واستهداف الكوادر الصحية. وأشار إلى أن التمويل المتاح للقطاع لا يغطي سوى نحو 30 في المئة من الحاجات، فيما تحتاج خطة إعادة الإعمار إلى نحو ملياري دولار لتأمين الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل المؤسسات الصحية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول الطبيب أحمد عبدالحميد إن المشكلة لم تعد مرتبطة بتضرر المباني وحدها، بل تشمل نقص الأدوية والمستلزمات، وتراجع قدرة المستشفيات على توفير الخدمات بصورة منتظمة، ونقص الكوادر والموارد التشغيلية، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالحرب، مضيفاً أن إعادة فتح المرفق الصحي لا تعني بالضرورة عودته لطاقته السابقة، لأن تشغيل المستشفى يحتاج إلى كهرباء ومياه ومعدات وأدوية وكوادر وتمويل مستمر. ويضيف "على رغم ذلك، تعمل الوزارة على استعادة المؤسسات تدريجاً، إذ أعلنت في أغسطس (آب) أن أكثر من 85 في المئة من المؤسسات الصحية في ولاية الخرطوم استعادت نشاطها، بما في ذلك أكثر من 40 مستشفى ونحو 203 مراكز صحية. غير أن هذا التعافي الجزئي لا يلغي حجم الفجوة القائمة، خصوصاً أن الوزارة نفسها أقرت بأن الموارد الحالية لا تزال أقل بكثير من الحاجات الفعلية، مما يجعل استمرار التمويل وإعادة تأهيل البنية الصحية وتأمين الكوادر من أبرز تحديات المرحلة المقبلة.

عقبة كبيرة

قال عضو لجان مقاومة الخرطوم عادل الباهي إن المنظمات الدولية والهلال الأحمر السوداني تحولت عملياً إلى جزء من شبكة الطوارئ الصحية، خصوصاً في المناطق التي تضررت فيها المستشفيات أو انقطعت عنها الإمدادات. وخلال هذا العام، دعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر سبعة مستشفيات، واستفاد نحو 300 ألف مريض من علاج الجروح والعمليات الجراحية، بينما عالجت فرقها الجراحية المتنقلة نحو 299 مصاباً بالأسلحة في عطبرة والنيل الأزرق ومنطقة طويلة، ودعمت مراكز الأطراف الصناعية والتأهيل في ثلاث ولايات ليستفيد منها نحو ألفي شخص، إلى جانب تدريب 91 من العاملين الصحيين على تثبيت إصابات الصدمات والطوارئ الجماعية.

ويضيف الباهي أن الدور المحلي لا يقل أهمية، فمتطوعو الهلال الأحمر السوداني يعملون في الولايات الـ18، ويقدمون الإسعافات الأولية والأدوية والرعاية المجتمعية وينقلون الدعم إلى المرضى الذين تعجز الطرق أو الحرب عن إيصالهم إلى المستشفيات، لكن هؤلاء أنفسهم أصبحوا جزءاً من معادلة الخطر، فقد قتل متطوعون أثناء أداء مهامهم، ويعمل آخرون بمناطق تتعرض فيها المرافق والقوافل والعاملون الصحيون للهجمات.

 

ويؤكد عضو لجان المقاومة أن العقبة الأكبر لم تعد القدرة الفنية وحدها، بل الوصول والتمويل والأمن واستمرارية الخدمة. فخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 البالغة نحو 3 مليارات دولار لم تكن قد حصلت حتى يوليو إلا على نحو 930 مليون دولار، فيما تتعرض قنوات الإمداد نفسها للهجمات والتعطيل. لذلك، فإن مصابي الحرب لا يحتاجون فقط إلى إنقاذهم من الموت، فكثر منهم يحتاجون إلى أشهر من الجراحة والعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية. وعلاج المصاب لا ينتهي بخروجه من غرفة العمليات، التحدي الحقيقي هو إبقاؤهم داخل مسار طويل من التأهيل والرعاية النفسية وإعادة الاندماج، حتى يستعيدوا قدرتهم على الحركة والعمل، مما يزيد من اتساع العبء الواقع على الاستجابة الإنسانية، وهو مسار يظل مهدداً كلما طال نقص التمويل واتسعت رقعة القتال.

مخرج من الأزمة

قالت المتخصصة الاجتماعية علياء عبدالله "يتوقع أن المخرج من أزمة مصابي الحرب لن يكون في زيادة المساعدات الطارئة وحدها، وإنما في تحويل ملف الإصابات إلى مسؤولية مؤسسية دائمة داخل منظومة الصحة والتعافي وإعادة الإعمار، خصوصاً مع انتقال السودان إلى تنفيذ استراتيجية التعافي الصحي الوطنية 2026-2030، التي يفترض أن تعيد ترتيب الخدمات على أساس أكثر استدامة، وتربط إعادة بناء المرافق بتقوية القوى العاملة وتوسيع الوصول العادل إلى العلاج".

وترى عبدالله أنه "بالنسبة إلى مصابي الحرب، يعني الأمر إنشاء منظومة وطنية لإصابات الحرب والتأهيل بدلاً من التعامل مع الحالات بصورة متفرقة بين المستشفيات والمنظمات. وهذه المنظومة تحتاج إلى مسارات إحالة واضحة بين الإسعاف والمستشفيات والمراكز المتخصصة، وسجل وطني للإصابات والإعاقات الناتجة من النزاع، وتمويل مخصص للتأهيل والأطراف الصناعية والعلاج الطبيعي والصحة النفسية، إلى جانب إدماج هذه الخدمات في الموازنة الصحية لا إبقاؤها رهينة للمنح الإنسانية.

وأوردت المتخصصة الاجتماعية توقعات خاصة بتوسع التعاون بين وزارة الصحة والجهات الدولية والمنظمات المحلية في نقل الخبرة والتدريب وبناء القدرات داخل السودان، بحيث لا تظل خدمات التأهيل مرتبطة بوجود فرق أجنبية موقتة. وقالت إن أهمية هذا الاتجاه تزداد مع تراجع التمويل الخارجي الذي شهده هذا العام، وإغلاق عشرات المرافق نتيجة نقص الموارد، وهي إشارة إلى أن نموذج الاعتماد على التمويل الإنساني قصير الأجل لم يعد قابلاً للاستمرار.

وتتابع "أما على المدى الأبعد، فالحل الأكثر استدامة هو إدخال مصابي الحرب ضمن سياسات الحماية الاجتماعية وإعادة كسب الدخل، وربط التأهيل بالتعليم والتدريب المهني والعمل. فإذا أعيد بناء القدرة المؤسسية على علاج الإصابة وتأهيل آثارها ودمج أصحاب الإعاقة اقتصادياً واجتماعياً، يمكن تحويل ملف مصابي الحرب من عبء إنساني مفتوح إلى جزء من عملية التعافي الوطني نفسها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير