Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحمي السعودية تدفقات نفطها بتعدد المسارات؟

من ينبع إلى المسار المصري وشبكة التخزين العالمية منظومة تصدير مرنة توسع خيارات الرياض بعيداً من هرمز رغم تراجع الانتاج

الإنتاج يبلغ 6.24 مليون برميل يومياً في أغسطس وسط تحولات واسعة في تدفقات الطاقة بالمنطقة (اندبندنت عربية)

ملخص

خطوط الأنابيب والموانئ والتخزين والمسار المصري ترسم منظومة متعددة الخيارات لإبقاء الخام متصلاً بالأسواق.

تواجه منظومة تصدير النفط السعودية اختباراً جديداً بعد توقف خط أنابيب "شرق - غرب" احترازياً إثر تعرضه لاستهدافات متعددة بمسيرات عدة، فيما تبرز قدرة الرياض على إدارة تدفقات الخام بين الإنتاج والمخزونات والموانئ والمسارات البديلة.

وتظهر هنا إحدى أبرز نقاط القوة في المنظومة النفطية السعودية، وهي امتلاك بنية تحتية متعددة المسارات تتيح إعادة توزيع جزء من التدفقات عند تعرض أحد منافذ التصدير للاضطراب.

وتمنح شبكة التصدير والتخزين التي بنتها السعودية على ساحلي الخليج والبحر الأحمر مساحة واسعة لإدارة تدفقات الخام في أوقات اضطراب حركة الملاحة، إذ تجمع المنظومة بين خطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين، إلى جانب إمكان الاستفادة من المسارات المرتبطة بمصر للوصول إلى أسواق مختلفة.

وتزداد أهمية هذه المرونة في ظل استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتراجع حركة السفن فيه إلى مستويات شديدة الانخفاض، بالتزامن مع تصاعد الأخطار في البحر الأحمر وباب المندب. ولذلك اكتسب خط "شرق - غرب" أهمية استراتيجية متزايدة، باعتباره مساراً برياً يربط مناطق إنتاج النفط في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر، ويوفر منفذاً إضافياً لوصول الخام السعودي إلى الأسواق العالمية.

وتتكامل هذه البنية مع مخزونات النفط وموانئ التصدير والمسارات المرتبطة بمصر، بما يمنح السعودية خيارات متعددة لإدارة الشحنات وإعادة ترتيب التدفقات والاستفادة من الطاقات المتاحة في مختلف المسارات، بالتوازي مع أعمال إعادة تشغيل خط "شرق - غرب".

وتوفر هذه المنظومة هامشاً زمنياً مهماً لإعادة ترتيب التدفقات والاستفادة من الطاقات المتاحة في مختلف المسارات بالتوازي مع أعمال إعادة تشغيل الخط.

مركز مهم للتصدير والتخزين

يكشف التطور الأخير عن حجم الأدوات التي تمتلكها السعودية لإدارة تدفقات النفط، إذ أنشئ خط "شرق - غرب" لتوفير مسار يتجاوز مضيق هرمز، فيما يمثل ميناء ينبع مركزاً رئيساً للتصدير والتخزين على البحر الأحمر. 

ويمكن الاستفادة من مرافق العين السخنة وسيدي كرير وخط "سوميد" في مصر ضمن شبكة أوسع تتيح إعادة توجيه الشحنات والوصول إلى أسواق مختلفة.

وتعزز هذه البنية قدرة السعودية على إدارة صادراتها عبر مسارات متعددة، وتبرز القيمة الاستراتيجية للاستثمارات التي نفذتها الرياض على مدى عقود في خطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين، بما يدعم استمرارية تدفق الخام إلى الأسواق العالمية ويعزز موثوقية الإمدادات.

مرونة الإنتاج والإمدادات

تظهر أحدث البيانات التحولات التي شهدتها مستويات إنتاج النفط السعودي خلال الأشهر الماضية، إذ بلغ إنتاج الخام 6.238 مليون برميل يومياً في أغسطس (آب)، مقارنة بنحو 10.9 مليون برميل يومياً في فبراير (شباط)، في ظل اضطرابات واسعة أثرت في تدفقات الطاقة ومسارات التصدير بالمنطقة.

ووفق التقرير الشهري لمنظمة "أوبك"، أبلغت السعودية أمانة المنظمة بأن إنتاجها من الخام بلغ 6.238 مليون برميل يومياً في أغسطس، بتراجع بنحو 1.9 مليون برميل يومياً، أو قرابة 23 في المئة، مقارنة بيوليو (تموز)، مع استمرار تأثير التطورات الإقليمية في حركة الإمدادات والصادرات.

وجاء إنتاج أغسطس دون المستوى المسجل في أبريل (نيسان) الماضي عند 6.316 مليون برميل يومياً، ليكون الأقل الذي أبلغت عنه السعودية منذ عام 1990، وفقاً لوكالة "بلومبيرغ".

وتعكس هذه المستويات حجم التحولات الاستثنائية التي شهدتها تدفقات النفط في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تواصل فيه السعودية الاعتماد على مرونة منظومة التصدير وتعدد المسارات لإدارة إمداداتها إلى الأسواق العالمية.

وفي قراءة أخرى لحركة السوق، قدرت وكالة الطاقة الدولية إمدادات الخام السعودية في أغسطس بنحو 6 ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 8.3 مليون برميل يومياً في يوليو، في ظل التحولات التي شهدتها تدفقات النفط ومسارات التصدير في المنطقة خلال الشهر.

ويختلف مفهوم "الإمدادات" هنا عن أرقام "الإنتاج" التي أبلغت بها السعودية منظمة "أوبك"، إذ يقيس الإنتاج كميات الخام المنتجة من الحقول، بينما تعكس الإمدادات الكميات المتاحة للسوق من الإنتاج والمخزونات مع احتساب الاستخدام المحلي. وفي ضوء هذه التطورات، قدرت وكالة الطاقة الدولية متوسط إمدادات الخام السعودية خلال عام 2026 بنحو 7.6 مليون برميل يومياً.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها الأهم عند النظر إلى مرونة منظومة التصدير السعودية، إذ تتيح المخزونات وإعادة توزيع التدفقات إدارة الفارق بين مستويات الإنتاج والشحنات التي تصل إلى العملاء. وفي أغسطس بلغت تحميلات الخام السعودية، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، نحو 3.5 مليون برميل يومياً.

وفي قلب هذه المعادلة يقع خط "شرق - غرب"، الممتد لنحو 1200 كيلومتر إلى ينبع على البحر الأحمر، والذي نقل خلال الأشهر الأخيرة ما بين 4 و5 ملايين برميل يومياً، بما يعادل نحو 4 إلى 5 في المئة من الإمدادات النفطية العالمية. 

وتكمن أهميته تحديداً في أنه يمنح السعودية قدرة على تجاوز هرمز عندما تتعرض حركة الملاحة فيه للاضطراب، وهو ما يؤكد قيمته الاستراتيجية في منظومة الطاقة السعودية.

وتؤكد حركة ميناء ينبع الدور المتنامي للمسار الغربي، إذ أظهرت بيانات تتبع الناقلات ارتفاع تحميلات الخام والمكثفات من الميناء إلى نحو 3.7 مليون برميل يومياً في مطلع سبتمبر (أيلول)، مقارنة بنحو 3.2 مليون برميل يومياً في أغسطس، وفق تقديرات "فورتكسا".

القوة في تعدد المسارات

هنا تظهر إحدى أبرز نقاط القوة السعودية في الأزمة الحالية، وهي القدرة على توزيع الأخطار جغرافياً ولوجستياً، فبدلاً من الاعتماد على منفذ واحد، تمتلك السعودية شبكة متكاملة تضم موانئ على البحر الأحمر والخليج العربي وخطوط أنابيب ومرافق تخزين، فضلاً عن إمكان الاستفادة من مسارات خارجية، وفي مقدمها المسار المصري.

وتشير تقديرات نقلتها "رويترز" إلى أن مخزونات ينبع تستطيع دعم استمرار الصادرات لمدة تراوح ما بين خمسة وسبعة أيام في ظل توقف خط "شرق - غرب"، إلى جانب مخزونات إضافية في العين السخنة وسيدي كرير بمصر يمكن استخدامها لتلبية احتياجات العملاء. وتمنح هذه الإمكانات السعودية عنصراً مهماً في إدارة الصدمات النفطية، عبر توفير الوقت والمساحة اللازمين لإعادة ترتيب التدفقات والشحنات.

شبكة تتجاوز الخليج العربي

وكان رئيس "أرامكو السعودية" وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر أكد مطلع أغسطس الماضي أن الشركة تمتلك مرونة واسعة في تصدير منتجاتها عبر مسارات متعددة خارج الخليج العربي، من بينها قناة السويس وخط أنابيب "سوميد" وصولاً إلى البحر المتوسط، إلى جانب الاستفادة من مرافق التخزين التابعة لها في عدد من الأسواق العالمية.

وأوضح الناصر أن "أرامكو" أسهمت في التخفيف من تداعيات اضطرابات إمدادات النفط بفضل مرونتها التشغيلية وخطط الطوارئ وقدرتها على استخدام مسارات تصدير بديلة، مشيراً إلى أن منظومة الشركة لا تقتصر على منفذي الخليج العربي والبحر الأحمر، إنما تمتد إلى شبكة أوسع من الممرات والمرافق التي تمنحها خيارات إضافية للوصول إلى العملاء وإدارة الشحنات.

وأشار إلى أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في أكبر صدمة لإمدادات النفط في التاريخ، مع فقدان الأسواق العالمية أكثر من 2.6 مليار برميل منذ بداية الأزمة وحتى مطلع أغسطس، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية شبكة التخزين التي تمتلكها "أرامكو" في اليابان وكوريا الجنوبية ومصر وهولندا في تعزيز مرونة منظومة الإمدادات والتعامل مع اضطرابات حركة النفط العالمية.

وتبلغ السعة التخزينية التقديرية في ينبع بالسعودية نحو 35 مليون برميل، فيما تصل إلى نحو 18 مليون برميل في العين السخنة و20 مليون برميل في سيدي كرير بمصر، ما يوفر شبكة تخزين واسعة تدعم مرونة إدارة الشحنات وإعادة توجيه التدفقات وفق احتياجات السوق والعملاء.

وتكتسب المنشآت المصرية أهمية إضافية بفضل خط "سوميد"، الذي يربط العين السخنة على خليج السويس بسيدي كرير على البحر المتوسط بطاقة تبلغ نحو 2.5 مليون برميل يومياً. ارتفع متوسط تحميلات سيدي كرير إلى نحو 2.139 مليون برميل يومياً في أغسطس، بأكثر من الضعف مقارنة بيونيو (حزيران)، بما يعكس أهمية المسار المصري ضمن شبكة أوسع تدعم مرونة حركة التدفقات السعودية ووصولها إلى الأسواق المختلفة.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

إعادة ترتيب التدفقات

ويرى متخصصون في الشأن النفطي تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" أن أهمية هذه المنظومة تتجاوز توفير مسارات بديلة للشحن، إذ تمنح السعودية قدرة تشغيلية على إدارة التدفقات وفق تطورات السوق وحركة الملاحة، وتساعدها في المحافظة على استمرارية الإمدادات والوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء في ظل المتغيرات الجيوسياسية.

ويقول المتخصص في الشأن النفطي كامل الحرمي إن اضطرابات مضيق هرمز أعادت إبراز الأهمية الاستراتيجية للمسارات التي تربط حقول النفط السعودية بموانئ البحر الأحمر، وفي مقدمها خط "شرق - غرب".

وأوضح الحرمي أن وجود منفذ تصديري على الساحل الغربي منح السعودية خياراً استراتيجياً مهماً مع تغير خريطة حركة الناقلات في الخليج، وأتاح توجيه كميات كبيرة من الخام إلى ينبع بعيداً من مناطق الاضطراب في مضيق هرمز.

وأضاف أن أهمية هذه البنية تتزايد في الظروف الحالية، إذ أصبح أمن الإمدادات مرتبطاً ليس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضاً بقدرة المنتج على نقل الخام وتخزينه وإيصاله إلى الأسواق عبر أكثر من مسار، معتبراً أن شبكة الأنابيب والموانئ السعودية تعكس استثماراً طويل الأجل في تعزيز موثوقية الإمدادات وربط الإنتاج بالأسواق العالمية.

سرعة التحرك بين البدائل

من جانبه، يرى الباحث في شؤون الطاقة عامر الشوبكي أن إحدى أبرز نقاط القوة في منظومة التصدير السعودية تتمثل في القدرة على التحرك سريعاً بين البدائل المتاحة، بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، موضحاً أن الربط بين موانئ الشرق والغرب وخط "شرق - غرب" ومرافق التخزين يوفر مرونة تشغيلية عالية في توجيه الشحنات عبر المسارات الأكثر ملاءمة وفق تطورات الملاحة.

وأشار الشوبكي إلى أن الموانئ الغربية والامتداد عبر البحر الأحمر، إلى جانب الاستفادة من المسار المصري، يضيفان بعداً آخر لهذه المرونة، خصوصاً مع ارتفاع أخطار الشحن والتأمين في بعض الممرات البحرية، مؤكداً أن قوة المنظومة السعودية تكمن في تعدد الخيارات وسرعة توظيفها، بما يعزز القدرة على إدارة تدفقات الخام والمحافظة على اتصالها بالعملاء والأسواق العالمية.

سرعة التشغيل تحسم تأثير التعطل

من جانبه، قال الخبير النفطي الكويتي محمد الشطي إن استهداف خط "شرق - غرب" يرفع حساسية أسواق النفط تجاه أمن الإمدادات، لكن حجم التأثير سيظل مرتبطاً بدرجة الأضرار ومدة توقف الخط، موضحاً أن أهمية هذا المسار لا تقتصر على قدرته على نقل الخام، وإنما تمتد إلى دوره في توفير منفذ بديل للصادرات بعيداً من مضيق هرمز، بما يمنح السعودية هامشاً أوسع لإدارة التدفقات في ظروف الاضطراب.

وأضاف الشطي أن قدرة السعودية على الاستفادة من المخزونات والموانئ والمسارات البديلة تساعد في احتواء جانب من آثار أي تعطل موقت، إلا أن استمرار توقف الخط لفترة أطول قد يزيد الضغوط على السوق، خصوصاً مع استمرار اضطرابات الملاحة في المنطقة. ويرى أن سرعة استعادة التشغيل ستظل عاملاً حاسماً في تحديد حجم الانعكاس على الإمدادات وأسعار الخام، إلى جانب قدرة منظومة التصدير السعودية على إعادة توزيع التدفقات بين المسارات المتاحة.

أخطار الإمدادات ترفع حساسية السوق

وفي تقييم لأسواق النفط، يرى محللو "غولدمان ساكس" أن تصاعد اضطرابات الإمدادات ومسارات الشحن في المنطقة يزيد حساسية السوق تجاه أي تعطل إضافي، خصوصاً مع استمرار الأخطار المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب.

ويشير البنك إلى أن اتساع نطاق الاضطرابات يمكن أن يبقي أسعار النفط تحت ضغط صعودي، مع انتقال المخاوف من اضطراب الملاحة إلى احتمال اتساع فجوة الإمدادات العالمية.

خام برنت أمام سيناريو 120 دولاراً للبرميل

وبحسب تقديرات البنك، فإن استمرار الهجمات على حركة الشحن في الشرق الأوسط قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير، مع احتمال وصول خام برنت إلى 120 دولاراً للبرميل في سيناريو تصاعدي. وتبرز هذه الرؤية أهمية استعادة مسارات التصدير البديلة، وفي مقدمها خط "شرق - غرب"، لأن طول فترة التعطل لا يضغط فقط على التدفقات السعودية، وإنما يزيد أيضاً حساسية السوق العالمية تجاه أي نقص إضافي في الإمدادات.

رويترز: إصلاح "شرق - غرب" قد يستغرق 6 أسابيع

ويبقى توقيت استعادة تشغيل خط "شرق - غرب" عاملاً مهماً في إدارة المرحلة المقبلة، فبعض المصادر الصناعية التي نقلت عنها "رويترز" قدرت فترة أعمال الإصلاح بما يصل إلى خمسة أو ستة أسابيع، في حين تشير تقديرات أخرى إلى إمكان استعادة جزء من التدفقات خلال فترة أقصر بالتوازي مع استمرار الأعمال.

وخلال هذه الفترة، توفر شبكة التخزين والموانئ والمسارات البديلة خيارات متعددة لإدارة التدفقات، بينما تعزز إمكان استعادة الضخ تدريجاً قدرة منظومة التصدير على التكيف مع تطورات أعمال الإصلاح.

وتأتي هذه المرونة في وقت شديد الحساسية للسوق العالمية، إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض الإمدادات النفطية العالمية بنحو 5.7 مليون برميل يومياً خلال 2026، أي نحو ستة في المئة، بينما تتواصل اضطرابات هرمز والبحر الأحمر. ولذلك فإن قدرة السعودية على إعادة توزيع تدفقاتها تمثل عنصراً مهماً في دعم أمن الإمدادات واستقرار السوق العالمية.

وتكشف التطورات الحالية عن أهمية المرونة التي بنتها السعودية في منظومتها النفطية خلال العقود الماضية، عبر تعدد منافذ التصدير، واتساع شبكة التخزين، والقدرة على تحويل التدفقات بين الخليج والبحر الأحمر والاستفادة من المسارات المصرية.

ومع استمرار أعمال إصلاح خط "شرق - غرب"، تمنح هذه المنظومة الرياض مساحة واسعة لإدارة الشحنات والمحافظة على اتصال صادراتها بالأسواق العالمية..

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز